«إنَّ ممَّا يَلحَقُ المؤمنَ مِن عَمَلِهِ وحَسَناتِه بعدَ موتِه: عِلْمًا نَشَرَه، وولدًا صالحًا تَرَكَه، ومُصحفًا ورَّثَه، أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابنِ السبيلِ بَنَاهُ، أو نهرًا أَجْرَاهُ، أو صدقةً أَخْرَجَها مِن مَالِه في صحَّتِه وحياتِه، تَلْحَقُه مِن بعدِ موتِه».
رواه ابن ماجه برقم: (242)، وابن خزيمة برقم: (2490)، إلَّا أنه قال: «أو نهرًا كَرَاهُ»، وقال: يعني: حَفَرَهُ، ولم يذكر المصحف. من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2231)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (77).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إنَّ ممَّا يَلحَقُ المؤمنَ مِن عَمَلِهِ وحَسَناتِه بعدَ موتِه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «مِمَّا يَلْحَقُ» وهو خبر «إنَّ» أي: كائن مما يلحقه، ولا يجوز أن يكون تبعيضيًا؛ لِمَا ينافي الحَصْرَ الذي في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يَنْقَطِعُ عَمَلُه إلَّا مِن ثلاث»، والجُمَل المُصدَّرة بـ«أو» مِن قِسم الصدقة الجارية، و«أو» فيها للتنويع والتفصيل. الكاشف (2/ 704).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ مما يَلْحَقُ المؤمنَ» عبَّر بـ«مِن» إشارةً إلى أنَّ ثَمَّ خصالًا أخرى تَلْحَقُهُ «من عمله وحسناته بعد موته». التيسير (1/ 351).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ مما يَلحَقُ المؤمنَ» الْمُسْتَتِرُ في «يَلحقُ» راجعٌ إلى «ما»، و«المؤمن» مفعول، والظاهر أنَّ «مِن» تبْعِيضِيَّةٍ، ويَصِحُّ معنى البَعْضِيَّةِ باعتبار كلِّ واحد، وحاصِلُهُ: اعتبارُ الحَمْل قبل العَطْف، فلا ينافي الحصر في الأشياء المذكورة. لمعات التنقيح (1/ 594).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«إنّ ممَّا يلحق المؤمنَ مِن عَمَلِهِ وحَسَناتِهِ» أي: يَجْرِي عليه ثوابُه «بعد موته». السراج المنير (2/ 144).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّ مِمَّا يَلْحَقُ المؤمنَ مِن عمَلِهِ» عامٌّ لصالِحِه وطالِحِه، فخصَّه بالأوَّل عَطْفُ «وحَسَناتِه بعد موته»، تلحقه، أي: يَجْرِي أجرُها له حتى كأنه يَعْمَلُها في الحياة. التنوير (4/ 136).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مِن عَمَلِهِ وحسناتِهِ» «مِن» عطف الخاصّ على العامّ، عَطَفَهُ عليه ليُبَيِّنَ أن المراد: أعمالُهُ الحسنةُ؛ إذ المراد بِلُحُوقِهَا إياه: انتفاعه بثوابها، وأما الأعمال السيّئة وإن لحقته، لكنه لا يَنْتَفِع بها بعد موته. مشارق الأنوار الوهاجة (4/ 435).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: معنى الحديث: أنَّ عَمَل الميتِ ينقطِعُ بموتِه، وينقطع تجدُّدُ الثوابِ له إلَّا في هذه الأشياء الثلاثة (المذكورة في حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...» الحديث)؛ لكونه كان سبَبَها، فإنَّ الولد مِن كسْبِه وكذلك العِلم الذي خلَّفَه مِن تعليمٍ أو تصنيفٍ، وكذلك الصدقة الجارية، وهي: الوقف. شرح صحيح مسلم(11/ 85).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قد تَحَصَّل مِن هذه الأحاديث أحَدَ عَشَرَ أمرًا (مِمَّن يجري عليهم أجورهم بعد موتهم)، وقد نَظمتُها وقلت:
إذا ماتَ ابنُ آدمَ ليس يَجري ** عليه مِنْ فِعَالٍ غيرُ عَشْرِ
عُلومٌ بثَّــها ودُعَــاءُ نَجْـلٍ ** وغَرْسُ النَّخلِ والصدقات تَجْرِي
وِرَاثَةُ مُصْحفٍ ورِبَاطُ ثَغْـرٍ ** وحَفْـُر البـئرِ أو إِجْرَاءُ نَهْـرِ
وبيتٌ للغَريبِ بَنَاهُ يَأْوِي ** إليه أوْ بِنَاءُ مَحلّ ذِكْرِ
وتَعـــليمٌ لقِـــرآنٍ كريــمٍ ** فخُذْهَا مِن أحاديثٍ بحَصْرِ. شرح صحيح مسلم (4/ 228).
قوله: «عِلْمًا نَشَرَهُ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قدَّمَ العِلم على جميع الانتقاصات (ولعلَّ الصواب: الخصال المذكورة)؛ للاهتمام به. فتح القريب المجيب (2/ 50).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«علمًا عَلِمَه» (كما في لفظ) بالتَّخفيف، وفي نسخة بالتشديد، «ونَشَرَه» هو أعم مِن التعليم؛ فإنه يَشْمَلُ التأليفَ وَوَقْف الكتب. مرقاة المفاتيح (1/ 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عِلْمًا نَشَره» بيْن الناس، بنحوِ نَقْلٍ وإفتاء وتأليف. فيض القدير (2/ 540).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«عِلْمًا نَشَرَهُ» ولابن عساكر في تاريخه مِن حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «مَن عَلَّمَ آيةً مِن كتاب الله أو بابًا مِن عِلْمٍ أنْمى اللهُ أَجْرَهُ إلى يوم القيامة». السراج المنير (2/ 144).
قوله: «وولدًا صالحًا تَرَكَهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وولدًا صالحًا» أي: مؤمنًا «تَرَكَه» أي: خَلْفَه، أي: بعد موته؛ احترازًا عن الفَرَط (وهو مَن يموت قبل أبيه). مرقاة المفاتيح (1/ 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وولدًا صالحًا» أي: مسلمًا «تَرَكَه» أي: خلَّفَه بَعْدَهُ يدعو له. التيسير (1/ 351).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«وولدًا» بالواو، والبواقي بـ«أو»، ولعلَّ النُّكتة فيه: الإشارة إلى أنَّه لو جَمَع التعليم والولد؛ بأنْ يُعَلِّم الوَلَد كان أَوْلى وأَحْرَى؛ ليكون دُعَاؤُهُ للوالدِ أفضلَ وأقربَ إجابةً. لمعات التنقيح (1/ 595).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وولدًا» عَدّ الولد الصالح مِن العملِ والتَّعْلِيم حَسَن؛ لأن الوالد هو سببٌ في وجوده، وسببٌ لِصَلاحه بإرشاده إلى الهدى، كما جُعِل نَفْسُ العمل في قوله تعالى: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} هود:46. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 106).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وولدًا صالحًا تَرَكَه» أي: خلَّفَه، وزِيْد في غيره بكونه: «يدعو له»، فيُحتمل إرادته هنا، ويُحتمل أنَّ لِصَلاحِه يَجْرِي أجْرُ عَمَلِه؛ لأنَّه السبب في ذلك. التنوير (4/ 136).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وَوَلَدًا» عَدُّ الولد من العمل صحيح...، ولأنَّه -صلى الله عليه وسلم- جعَلَه مِن كَسْبِ الرَّجُل، كما سيأتي للمصنّف بسندٍ صحيحٍ مِن حديثِ عائشةَ -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أكلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبه، وإنَّ وَلَدَه مِن كَسْبه»، فسمَّاه كَسْبًا، «صَالِحًا» قيّده به؛ لأن الصالح هو الذي تُستجاب دعوته، وتُقبل أعماله، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} المائدة: 27، وقَال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة: 186.
«تَرَكَهُ» أي: بَقِيَ حيًّا بعد موته. مشارق الأنوار الوهاجة (4/ 435).
قوله: «ومُصحفًا ورَّثَه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو مُصْحفًا» بتثليث الميم، والضمُّ أَشْهَرُ «ورَّثه» أي: تَرَكَه للوَرَثَةِ، ولو مِلْكًا، وفي معناه: كُتُبُ العلوم الشرعية، فيكون له ثواب التَّسَبُّب. مرقاة المفاتيح (1/ 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ومصحفًا ورَّثه» بالتشديد، أي: خلَّفَه لِوَارِثِه، ويَظْهَرُ أنَّ مِثْله كتب الحديث، كالصحيحين. فيض القدير (2/ 540).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«ورَّثه» بالتشديد أي: تَرَكه إرْثًا، وقيل: وَقَفَه في حالِ حياته، وكلُّ هذه المذكورات راجِعَةٌ إلى «صدقة جارية»، فلا ينافي الحصر في الثلاثة. لمعات التنقيح (1/ 595).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ومصحفًا ورَّثه» من التوريث، أي: تَرَكَه إرْثًا، وهذا مع ما بعده مِن قَبِيل الصدقة الجارية حقيقةً أو حُكمًا، فهذا الحديث كالتفصيل لحديث: «انقطع عمَلُه إلا مِن ثلاث». الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 106).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومصحفًا وَرَّثَهُ» أي: خلَّفه مملوكًا لِوَارِثِه، أو موقوفًا على المسلمين. التنوير (4/ 136).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
من معاني: «مصحفًا ورَّثَه» أن يأتِيَ بمصحفٍ ويُوقِفُه للمسجد. شرح سنن ابن ماجة (16/ 9).
قوله: «أو مسجدًا بَنَاهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أَوْ» للتنويع والتفصيل، وليست للشك من الراوي. مشارق الأنوار الوهاجة (4/ 435).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أو مسجدًا بَنَاهُ» لله تعالى، لا لرياءٍ أو سُمعَةٍ. التيسير (1/ 351).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أو مسجدًا بَنَاهُ»...، ومثله: الرِّبَاطُ والمدرسة، ومصلَّى العيد، ونحو ذلك، كما يُعلم بالأُولى (أي: بالعبارة الأولى «مما يلحق») من قولِه. فيض القدير (2/ 540).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أو مسجدًا بناه» مِنْ ماله أو بيده. التنوير (4/ 136).
قوله: «أو بيتًا لابنِ السبيلِ بَنَاهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو بيتًا لابن السبيل» أي: المسافر والغريب «بَنَاه» حقيقةً أو حكمًا. مرقاة المفاتيح (1/ 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أو بيتًا لابنِ سَبيلٍ بَنَاهُ» يعني: خَانًا تَنْزِلُ فيه المارَّةُ مِن المسافرين؛ لنَحْوِ جهادٍ أو حجٍّ. التيسير (1/ 351).
وقال السندي -رحمه الله-:
و«أو» في قوله: «أو بيتًا» للتَّنويع والتفصيل. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 106).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو بيتًا لابن السبيل» أي: لنزول المارَّة أو لسُكْنَى الفقراء، «بَنَاهُ» وهو المسمى بالرباط. مرشد ذوي الحجا والحاجة (2/ 328).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أَوْ بيتًا لابن السبيل» أي: للمسافر؛ سُمِّي به لملازمته للسبيل. مشارق الأنوار الوهاجة (4/ 436).
قوله: «أو نهرًا أَجْرَاهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو نهرًا» بفتح الهاء، ويُسكَّن «أَجْرَاهُ» أي: جَعَله جاريًا؛ لينتفع به الخلق. مرقاة المفاتيح (1/ 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أو نهرًا أجراه» أي: حَفَرَه، وأجرى الماء فيه. التيسير (1/ 351).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أو نهرًا أَجْرَاهُ» أي: أخرجه، ظاهره: ولو كان مملوكًا لِوَارِثِه؛ لأن نَفْعَهُ يتعدَّى. التنوير (4/ 136).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو نهرًا» حَفَرَه و«أَجْرَاهُ»؛ لِنَفْع المسلمين، أو بئرًا حَفَرَها؛ لسُقْيَاهُم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (2/ 329).
قوله: «أو صدقةً أَخْرَجَها مِن مالِه في صحَّتِه وحياتِه، تَلحَقُه مِن بعدِ موتِه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
أما قوله: «أو صدقة أخرجها من ماله» فداخل في الصدقة الجارية، ولإرادة هذا المعنى أَتْبَعَهُ بقوله: «تَلْحَقُه مِن بَعدِ مَوتِه».
وفي عطف «حياتِه» على «صحَّتِه» إشارة إلى معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- في جواب مَن قال: أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟: «أنْ تَصَدَّق وأنت صَحِيحٌ شَحِيحٌ تخشى الفقرَ وتَأْمَلُ الغِنى، ولا تُمهِل حتى إذا بلَغَتِ الحُلقُومَ قلتَ: لفلانٍ كذا» أي: صدقةً أَخْرَجَها في زمانِ كمالِ حَيَويَّته ووُفُورِ افْتِقَارِهِ إلى مَالِهِ، وتمكُّنه من الانتفاع به. الكاشف (2/ 704).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أما قوله: «أو صدقةً أَخْرَجَها مِن مالِه في صحته وحياته»...، وفيه أن هذه الإشارة مفهومة من نفس قوله: «وصحته» لا مِن العَطْفِ، اللهم إلَّا أن يقال: إنها مفهومة مِن تَقَدُّم الصِّحة على الحياةِ.
ومعنى قوله: «وحياته» أي: ولو في مرضه، فالواو بمعنى "أو". وقوله: «أَخْرجَهَا» أي: بالوصية، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (1/ 326).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قال العلماء: الصدقة الجارية بعد الموت، أي: الدارَّة المتَّصِلة كالوُقُوفِ الْمُوصَدَةِ لأبوابِ البِرِّ، ومنه الحديث: «الأرزاقُ جاريةٌ» أي: دارَّة مُتَّصِلةٌ قاله في النهاية، فمعنى الصدقة الجارية: أي: يجري نَفْعُها ويدوم أجْرُهَا، وهي محمولة عند العلماء على الوَقْف.
والوقف: مصدر وَقَفَ يَقِفُ وقفًا، ومنه قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} الصافات:24، ويراد به: التَّحْبِيسُ والتَّسْبِيلُ، والفصيح: وقَفَ، ولا يُقال: أوْقَفَ إلا في لغةٍ تميميّة، وعليها العامة، وهو من القُرَبِ المندوب إليها بأدلة خاصة، قال الشافعي -رحمه الله-: ولم يَحْبِسْ أهلُ الجاهلية فيما عَلِمْتُه دارًا ولا أرضًا، وإنما حَبَس أهلُ الإسلام، يعني: هذا التَّحبيسُ المعروف، وهو إشارة منه إلى حقيقة شرعية، ويدل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فعموم قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران:92؛ ولذلك لَمَّا سمعها أبو طلحة رَغِب في وقْف بيرحاء، وكانت أحبَّ أمواله إليه...، فتدخل الصدقة في الوقف، فكان حُجَّةً على مَن أَنْكَرَهُ مِن الحنفية، ويدخل فيها بناءُ القَناطِرِ والْمَطَاهِرِ والغِرَاسِ، وسبلِ الخيرات بالوصايا ونحوها. فتح القريب المجيب (1/689، 690).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أو صدقةً أَخْرَجَها مِن مَالِهِ» الذي يَمْلِكُه بخلافِ نحوِ المغصوبِ مِن كلِّ مأخوذٍ بغيرِ وجْهٍ شرعيٍّ، «في صحته وحياته» وهو يُؤَمِّل البقاء ويَخاف الفقر، «تَلْحَقُه من بعد موته» أي: هذه الأعمال المذكورة يجري على المؤمن ثوابها ويتجدد مِن بَعْدِ موته، فإذا مات انقطع عمَلُه إلَّا منها.
ولا ينافي ما ذَكَرَ هنا الحَصْرَ المذكور في الحديث المارِّ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ...»؛ فإن المذكورات تَنْدَرِجُ في تلك الثلاث؛ لأن الصدقة الجارية تَشْمَل الوَقْف والنَّهْرَ والبئر والنخل والمسجد والمصحف، فيمكن رَدُّ جميع ما في الأحاديث إلى تلك الثلاث، ولا تَعَارُضَ. التيسير (1/ 351).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حياتِه» في حكم العطف التفسيري إشارة إلى أنَّ التَّصدق لو كان في حال الحياةِ وإن لم يكن صحيحًا ما لم تبلغ الرُّوح الحلقوم، وتكون الصحة مرجوة معتبر كما جاء في الحديث: «ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلَغَتِ الحُلْقُومَ قلتَ: لفلان كذا» فافهم.
وقوله: «تلحقه» يحتمل أن يكون متعلقًا بالكُلِّ، كرره تأكيدًا، أي: يلحق ثوابُ الأشياء الستَّةِ المذكورةِ المؤمنَ مِن بعدِ مَوتِه، ويُحتمل أن يكون متعلقًا بالصدقة، كرَّرَه بعد التعميم اهتمامًا بشأنها، والظاهر من كلام بعض الشارحين: تَعَلُّقه بالصدقة، بمعنى: إنْ شَرَطَ أنْ يَبْقى عينُ المتصدَّقْ بِه بعد موته، كذا في شرح الشيخ، يعني؛ لتكون صدقة جارية. لمعات التنقيح (1/ 595).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أو صدقةً أَخْرَجَها مِن مالِه في صحَّتِه وحياتِه» التقييد به لحصول الثواب الأكمل، فلو وَقَفَ في حال مرضه وخرج ما وقفه من الثلث فله الثواب أيضًا، «تلحقه من بعد موته» أي: هذه الأعمال المذكورة، أي: يجري عليه ثوابها ويتجدد بعد موته، فإذا مات انقطع عمله إلَّا منها، وكرَّرَه للتأكيد. السراج المنير (2/ 144).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «في صحته وحياته» أي: أَخْرَجَها في زمانِ كمال حاله ووفور افتقاره إلى ماله، وتمكُّنه مِن الانتفاعِ به، وفيه ترغيبٌ إلى ذلك؛ ليَكُونَ أفْضَل صدقة، كما يدل عليه جوابه -صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم- لمن قال: أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: «أنْ تَصَدَّق وأنت صحيحٌ شَحِيحٌ» الحديث، وإلَّا فكون الصدقة جارية لا يتوقف على ذلك. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 107).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أو صدقةً أخْرَجَها مِن ماله في صحَّتِه وحياتِه» عَطْفٌ تفسيري، والمراد: وهو يَأْمَلُ البقاءَ ويخشى الفقر، «تلحقه من بعد موته» أي: هذه الأعمال كلُّها تجري له بعد موته، وهو تأكيد لِمَا أفاده في صدر الحديث، ويحتمل أنها عائدة إلى الصدقة؛ لأنه أَخْرَجَها في حياته، وأُجْرِيَت بعد موته، إمَّا استَمَرَّ إجْرَاؤُها إذا كانت وقْفًا متحرَّى مِن حِيْنِهِ، أو أُجْريت مِن حينِ موته إذا كانت مقيَّدة به. التنوير (4/ 136).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو صدقةً» تصدَّق بها و«أَخْرَجَها» أي: فصَلها «مِن ماله» وعيَّنها للصدقة «في» حال «صحته» لا في مرضه الذي مات به. مرشد ذوي الحجا والحاجة (2/ 329).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد صالح...
وفيه: دليلٌ لصِحَّةِ أصلِ الوَقْفِ، وعظيمِ ثوابه.
وبيان فضيلة العِلم والحثِّ على الاستكثار منه، والترغيبُ في تَوْرِيثِهِ بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنَّه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفعَ فالأنفع.
وفيه: أن الدعاء يَصِلُ ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مُجمَع عليهما، وكذلك قضاءُ الدَّين، وأما الحج فيُجْزِي عن الميت عند الشافعي ومُوَافِقِيه، وهذا داخل في قضاء الدَّين إن كان حجًّا واجبًا، وإن كان تطوعًا وصَّى به فهو من باب الوصايا، وأما إذا مات وعليه صيام فالصحيح: أن الولي يصوم عنه...، وأما قراءة القرآن وجَعْل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوهما، فمذهب الشافعي والجمهور: أنها لا تَلْحَقُ الميتَ. شرح صحيح مسلم(11/ 85).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ثواب مُعَلِّمِ الناس الخير، وهو واضح.
ومنها: بيان فضل الله على عباده المؤمنين؛ حيث جعل بعض أعمالهم لا تنقطع بعد الموت، بل جعلها جارية ما دام أَثَرُهَا قائمًا.
ومنها: الترغيب إلى الصدقة في الحياة والصحَّة؛ لكونه أفضل أنواع الصدقة...
ومنها: أن فيه أنَّ الكتب الموروثة مِن الشخص تكون مِن حسناته التي تبقى بعد موته، وإنْ انْتَقَل مِلْكُه إلى الورثة، فلا يُشترط كونها مَوقُوفَة، فقد صرّح في هذا الحديث بقوله: «ومصحفًا ورَّثَه»، وهذا مِن فضل الله العظيم. مشارق الأنوار الوهاجة (4/ 438).
من هم الأربعة الذين تجري لهم أعمالهم بعد الموت؟
وينظر حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ في بيان الأعمال التي تجري لصاحبها بعد موته ؟