الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«أنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ والخِمَارِ».


رواه مسلم برقم: (275)، من حديث بلال -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (23896)، بلفظ: «امْسَحُوا على الخُفَّينِ والخِمَارِ».
قال محققو مسند الإمام أحمد: حديث صحيح.  


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«الخُفَّيْنِ»:
الخُفُّ: ما يَلْبَسُه الإنسانُ. العين، للخليل بن أحمد (4/ 143-144).
قال المجددي -رحمه الله-:
الخُفُّ: هو الساتر للكعبين فأكْثَرَ مِن جِلْدٍ ونحوه مِن شيءٍ ثَخِينٍ. التعريفات الفقهية (ص: 88).

«الخِمَارِ»:
الخِمَارُ: ثوبُ تُغَطِّي به المرأةُ رأسَها، والجَمْعُ: خُمُر، مثل: كتاب، وكُتُب. المصباح المنير، للفيومي (1/ 181).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الخِمَارُ للمَرْأَةِ: هو النَّصِيْف، وقيل: الخِمَارُ ما تُغَطِّي به المرأة رأسَها. لسان العرب (4/ 257).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«الخِمَار» أراد به العِمَامَةَ؛ لأن الرَّجُل يغطي بها رأسَه، كما أن المرأة تغطيه بخِمَارِها. النهاية (2/ 78).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّينِ» وفي لفظ: «امْسَحُوا على الخُفَّينِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الخُفَّين» تثنية خُفٍّ، بضم الخاء، وتشديد الفاء، وهو الذي يُلْبَسُ على الرِّجْلِ، والجَمْعُ: أَخْفَافٌ، وخِفَافٌ، بالكسر. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (2/ 592).
قال المناوي -رحمه الله-:
«امْسَحُوا» جوازًا «على الخُفَّين» في الوضوء حضرًا، وسفرًا، ولو بلا حاجة. فيض القدير (2/ 194).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«امسحوا على الخفين» في الوضوء. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 250).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اتفق العلماء على جواز المسح على الخفين، ورُوِيت فيه عن مالك روايات، والذي استقر عليه مذهبه جوازه. شرح صحيح البخاري (1/ 304).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع مَن يُعْتَدٌّ به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر، سواء كان لحاجةٍ أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الْمُلازِمَةِ بيتَها، والزَّمِن (أي: المريض) الذي لا يمشي، وإنما أَنْكَرَتْهُ الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم، وقد روي عن مالك -رحمه الله تعالى- روايات فيه، والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير، وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يُحْصَون مِن الصحابة، قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: "حدثني سبعون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يمسح على الخفين". شرح صحيح مسلم (3/ 164).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وحُجَّة الجماعة: ما روي فيه عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مِن الطُّرِق التي اشْتُهِرَت، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه في الحَضَر ولا في السفر، فمِمَّن نَقَلَ ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم-: عمر بن الخطاب، وعلي، وسعد، وابن مسعود، والمغيرة، وخزيمة بن ثابت، وابن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس، وعمرو بن العاص، وأبو أيوب، وأبو أمامة الباهلي، وسهل بن سعد، وقيس بن سعد، وأبو موسى الأشعري، وجابر، وأبو سعيد، وحذيفة، وعمار، وأبو مسعود الأنصاري، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو بكرة، وبلال، وصفوان بن عسال، وغيرهم، حتى قال الحسن البصري: "حدثني سبعون من أصحاب محمدٍ أنه مسح على الخفين"، فجرى مجرى التواتر.
وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، فسَقَطَ بهذا قول من يقول: آية الوضوء مدنية، والمسحُ منسوخٌ بها؛ لأنه متقدِّم وغزوة تبوك آخر غزوةٍ كانت بالمدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذا. شرح صحيح البخاري (1/ 304-305).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
مسح الخفين ثابت بالنصوص الصريحة الصحيحة، وقد رواه الجمُّ الغَفِيرُ مِن الصحابة، وقد ذَكَرْتُ في تخريجي لأحاديث الرافعي عِدَّةَ مَن رواه من الصحابة، فوصَلتُهم إلى ثمانين صحابيًا، وهو مِن المهِمَّات فسارع إليه، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة -رضوان الله عليهم-، ولا يُنْكِره إلا مبتدعٌ، والذي استقر عليه مذهب مالك جوازه، وإن حُكي عنه روايات في ذلك. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (4/ 355).

قوله: «والخِمَارِ»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
«والخمار» يريد العمامة؛ لتَخْمِيرِها الرأسَ، قاله الحربي. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (2/ 452).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يريد بالخِمَار -والله أعلم-: العمامة؛ لتَخْمِير الرأسِ بها؛ لِشِبْهِها بخِمار المرأة. إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 93).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أراد به العمامة؛ لأنَّ الرَّجُل يُغَطِّي بها رأسَه، كما أن المرأة تُغَطِّيه بخمارها، وذلك إذا كان قد اعْتَمَّ عِمَّةَ العرب، فأدارها تحت الحَنَكِ، فلا يستطيع نَزْعَها في كل وقتٍ، فتصير كالخُفّين، غير أنه يحتاج إلى مسحِ القليل مِن الرأس، ثم يمسح على العمامة بدل الاستيعاب. النهاية (2/ 78).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا ابن الأثير:
قلتُ: في كلامه نظر من وجهين:
الأولى: شرطية أن يكون قد اعتَمَّ عِمَّة العرب، فهذا شرط لم يأتِ به النص.
وأما قوله: فتصير -أي: العمامة- كالخفين في أنه لا يستطيع نزعها، فالخُفَّان لم يُشرع المسح عليهما لعدم استطاعة نزعهما.
الثاني: قوله: غير أنه يحتاج إلى مسح القليل من الرأس، فإنه ليس في حديث بلالٍ دليلٌ عليه، وإنما ذلك في حديث المغيرة عند مسلم، وحديث بلال دالٌّ على أنه لا يَمْسَح إلا على العمامة، وتقييده بحديث المغيرة لا وجه له، بل كلُّ حديثٍ دلَّ على حُكمٍ، الأول على التكميل على العمامة، والثاني: عليها نفسها. التحبير لإيضاح معاني التيسير (7/ 298).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الخمار: لفظة غريبة، وهو الذي تَسْتُر به المرأةُ رأسَها، وهو لها كالعمامة للرَّجُل، ولم أجده مستعملًا للرَّجُل إلا في هذا الحديث، وإنْ اقْتَضَاه الاشتقاقُ؛ لأنَّه من التَّخْمُّر، وهو السِّتْرُ، ومنه «خَمِّرُوا آنِيَتَكُم». عارضة الأحوذي (1/ 151).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما المسح على العمامة فاختَلَف أهل العلم في ذلك، واختلفت فيه الآثار، فروي عن النبي -عليه السلام- أنه مَسَحَ على عِمَامَتِه من حديث عمرو بن أمية الضمري، وحديث بلال، وحديث المغيرة بن شعبة، وحديث أنس، وكلها معلومة...، وروي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين ذكرهم المصنفون: ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وابن المنذر أنهم أَجَازُوا المسحَ على العمامة، وبه قال الأوزاعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور؛ للآثار الواردة في ذلك، وقياسًا على الخفين؛ ولأن الرأس والرِّجْلَين عندهم مَمْسُوحَان سَاقِطَان في التيمم. الاستذكار (1/ 211).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختَلَفَ السلفُ في معنى المسحِ على العمامة، فقيل: إنه كَمَّلَ عليها بعد مسح النَّاصِية، وقد تقدمت رواية مسلم بما يدل على ذلك، وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور.
وقال الخطابي: فَرَضَ اللهُ مَسْحَ الرَّأْسِ، والحديثُ في مَسْحِ العمامةِ مُحْتَمِلٌ للتأويل، فلا يُتْرَكُ المتيَقَّن للمْحَتْمَل، قال: وقِيَاسُه على مسحِ الخُفِّ بعيدٌ؛ لأنه يَشُقُّ نَزْعُه بخلافها.
وتُعُقِّبَ: بأن الذين أجازوا الاقتصار على مسح العمامة شَرَطُوا فيه المشقة في نَزْعِها، كما في الخفِّ، وطريقه: أن تكون مُحَنّكَةً كعمائم العرب، وقالوا: عُضْوٌ يَسقط فرضُه في التيمم فجاز المسح على حَائِلِه كالقَدَمين، وقالوا: الآية لا تَنْفِي ذلك، ولا سيما عند مَن يَحْمِلُ المشترك على حقيقته ومجازه؛ لأن مَن قال: قَبَّلْتُ رأسَ فلانِ، يَصْدُق ولو كان على حائلٍ، وإلى هذا ذهب الأوزاعي، والثوري في رواية عنه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والطبري، وابن خزيمةـ وابن المنذر وغيرهم.
وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن أبي بكر، وعمر، وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنْ يُطِعِ الناسُ أبَا بكر وعمر يَرْشُدُوا»، والله أعلم. فتح الباري (1/ 309).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
وفي قوله: اشترطوا فيه المشقة، نظرٌ؛ لأن هذا ليس مذهبًا لكل مَن أجازَ، بل هو مذهبٌ لبعضهم، وهو قولٌ لا دليل عليه. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (2/ 596).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والحاصل: أنه قد ثَبَتَ المسحُ على الرأسِ فقط، وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت، فَقَصْرُ الإِجْزَاءِ على بَعضِ ما وَرَدَ لغيرِ مُوجِبٍ ليس من دأبِ الْمُنْصِفِين. نيل الأوطار (1/ 209).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولم يَخْتَلِفْ مَن أجازَ الْمَسْحَ على العِمَامَة في منعِ مسح المرأة على خمارها إلا شيء روي عن أم سلمة، وعن أنس في مَسْحِه على القَلَنْسُوَةِ، وفَرْقُ ما بين العمامة والخمار عندهم: أن العمامة يشق نزعها لا سيما إن كانت بِحَنَكٍ؛ ولأن المسح عليها مَسْحٌ على بعض الرأس؛ ولِوُرُودِ الرخصةِ فيها عندهم كما جاءت في الخُفِّ. إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 93).
قال ابن حزم -رحمه الله-:
يَمْسَحُ على كل ذلك (أي: على العمامة والخمار) أبدًا بلا تَوْقِيتٍ ولا تحديدٍ، وقد جاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- التوقيتُ في ذلك ثابتًا عنه، كالمسح على الخفين، وبه قال أبو ثور، وقال أصحابنا كما قلنا، ولا حُجَّة في قول أحدٍ دُون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والقياس باطل، وقول القائل: لَمَّا كان المسحُ على الخفين مُوَقَّتًا بوقت محدودٍ في السفر ووقتٍ في الحَضَرِ وجب أن يكون المسح على العمامة كذلك، دعوى بلا برهان على صحتها، وقولٌ لا دليل على وجوبه، ويقال له: ما دليلك على صحة ما تَذْكُر مِن أنْ يُحْكَمَ للمسحِ على العمامة بِمِثل الوقتين المنصوصَين في المسح على الخفين؟
وهذا لا سبيل إلى وجوده بأكثر من الدعوى، وقد مسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على العمامة والخمار، ولم يوَقِّت في ذلك وقتًا، ووَقَّتَ في المسح على الخفين، فيلزمنا أن نقول ما قال -عليه السلام-، وأن لا نقول في الدين ما لم يقله -عليه السلام-. المحلى بالآثار (1/ 309).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
واختلفوا هل يحتاج الماسحُ على العمامة إلى لبْسِهَا على طهارةٍ أو لا يحتاج؟
فقال أبو ثور: لا يَمْسَحُ على العمامة والخمار إلا مَن لَبِسَهُما على طهارة؛ قياسًا على الخفين، ولم يشترط ذلك الباقون.
وكذلك اختلفوا في التوقيت، فقال أبو ثور أيضًا: إنَّ وَقْتَه كوقتِ المسحِ على الخفين، وروي مثل ذلك عن عمر، والباقون لم يُوَقِّتُوا.
قال ابن حزم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على العمامة والخمار، ولم يُوَقِّتْ ذلك بوقتٍ.
وفيه أن الطبراني قد روى من حديث أبي أمامة «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر، ويومًا وليلة في الحَضَرِ» لكن في إسناده مروان أبو سلمة، قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الأزدي: ليس بشيء، وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح. نيل الأوطار (1/ 209).
وقال النووي -رحمه الله-:
واحتجَّ أصحابُنا بقول الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المائدة: 6، والعمامة ليست برأسٍ، ولأنه عضوٌ طهارتُه المسحُ فلم يَجُز المسحُ على حائلٍ دُونَه كالوجه واليد في التيمم فإنه مُجْمَعٌ عليه؛ ولأنه عُضْوٌ لا تلحق المشقَّة إليه في إيصال الماء إليه غالبًا فلم يجز المسح على حائلٍ مُنْفَصِلٍ عنه كاليدِ في القُفَّازِ والوجه في البُرْقِع والنقاب.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالأحاديث: فهو ما أجاب به الخطابي والبيهقي وغيرهما من المحدثين وسائر أصحابنا في كتب الفقه أنه وقع فيها اختصار. المجموع شرح المهذب (1/ 408).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ويجوز المسح على العمامة، قال ابن المنذر: وممَّن مَسَحَ على العمامة: أبو بكر الصِّدِّيق، وبه قال عمر، وأنس، وأبو أمامة، وروي عن سعد بن مالك، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم -، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال عروة، والنخعي، والشعبي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يَمْسَحْ عليها؛ لقول الله تعالى: {وَامْسَحُوْا بِرُؤُوسِكُمْ} المائدة: 6؛ ولأنه لا تَلْحَقُه المشقَّة في نَزْعِهَا، فلم يَجُز المسحُ عليها، كالكُمَّيْنِ.
ولنا: ما روي عن المغيرة بن شعبة، قال: «تَوَضَّأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومسح على الخفين والعمامة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي مسلم «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ على الخُفَّينِ والخِمَارِ». قال أحمد: هو مِن خمسةِ وُجُوهٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. روى الخلال بإسناده عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "من لم يُطَهِّرْهُ المسحُ على العمامةِ فلا طَهَّرَهُ اللهُ؛ ولأنه حائلٌ في محلٍّ ورَدَ الشرعُ بمَسْحِه، فجاز المسح عليه كالخفين؛ ولأن الرأس عُضْوٌ يسقط فرضُه في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، والآية لا تنفي ما ذكرناه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - مُبَيِّن لكلام الله، مُفَسِّرٌ له، وقد مَسَحَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على العمامة، وأمر بالمسح عليها، وهذا يدل على أن المراد بالآية المسح على الرأس، أو حائِلِه.
ومما يبين ذلك: أنَّ المسحَ في الغالب لا يُصِيبُ الرَّأْسَ. وإنما يُمْسَحُ على الشَّعر، وهو حائل بين اليد وبينه، فكذلك العمامة، فإنه يقال لِمَن لَمِسَ عمامتَه أو قَبَّلها: قَبَّل رأسَه ولَمِسَه. وكذلك أَمَرَ بِمَسْحِ الرِّجْلَين، واتفقنا على جواز مَسْحِ حائِلِهِما. المغني (1/ 219).
وقال ابن قدامة -رحمه الله- أيضًا:
ومن شروط جواز المسح على العمامة: أن تكون ساتِرَةٌ لجَمِيع الرأسِ، إلا ما جَرَتْ العادةُ بِكَشْفِه، كمُقَدَّم الرأس والأذنين، وشِبْهِهِما مِن جوانبِ الرأسِ، فإنه يُعْفَى عنه، بخلاف الخَرْقِ اليسيرِ في الخُفِّ، فإنه لا يُعْفَى عنه؛ لأن هذا الكَشْفَ جرت العادة به لِمَشَقَّة التحرز عنه، وإن كان تحت العمامة قَلَنْسُوَة يظهر بعضها، فالظاهر جواز المسح عليهما؛ لأنهما صارا كالعمامة الواحدة.
ومن شروط جواز المسح عليها: أن تكون على صفة عمائم المسلمين؛ بأن يكون تحت الحَنَكِ منها شيء؛ لأنَّ هذه عمائم العرب، وهي أكثر سِتْرًا مِن غيرها، ويَشُقُّ نَزْعُها، فيجوز المسح عليها، سواء كانت لها ذُؤَابَةٌ أو لم يكن. قاله القاضي.
وسواء كانت صغيرة أو كبيرة، وإن لم يكن تحت الحَنَكِ منها شيءٌ، ولا لها ذؤابة، لم يجز المسح عليها؛ لأنها على صفة عمائم أهل الذمة، ولا يشق نزعها. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر بالتَّلَحِّيْ (إدارةُ كُور من العمامة تحت الحَنَكِ)، ونهى عن الاقْتِعَاطِ» رواه أبو عبيد، قال: والاقتعاط: ألا يكون تحت الحنك منها شيءٌ. وروي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رَجُلًا ليس تحت حَنَكِهِ مِن عمامته شيءٌ، فحَنَّكَه بَكُورٍ منها، وقال: ما هذه الفَاسِقِيَّة؟ فامتنع المسحُ عليها للنهي عنها، وسهولة نزعها.
وإن كانت ذات ذؤابة ولم تكن مُحَنّكة، ففي المسح عليها وجهان:
أحدهما: جوازه؛ لأنه لا تُشْبِه عمائم أهل الذمة؛ إذ ليس مِن عادتهم الذؤابة.
والثاني: لا يجوز؛ لأنها داخلة في عموم النهي، ولا يَشُقُّ نزعها. المغني(1/ 220).
وقال النووي –رحمه الله-:
قال الشافعي في البويطي: وتُدْخِلُ يدها تحت خمارها حتى يقع المسحُ على الشَّعر، فلو وضعت يدها الْمُبْتَلَّة على خمارها قال أصحابنا: إن لم يَصْلِ البَلَلُ إلى الشَّعر لم يجزئها، وإن وصل فهي كالرَّجُل إذا وضع يده المبْتَلَّة على رأسه، إنْ أَمَرَّهَا عليه أجزأه وإلا فوجهان، الصحيح: الإجزاء. المجموع شرح المهذب (1/ 410).
قال الحطاب المالكي –رحمه الله-:
قال في المدوَّنة: ولا تمسح على خمارِها ولا غيرِه، فإن فعلتْ أعادتِ الوضوءَ والصلاةَ. قال في الطراز: يريد إذا أمكنها المسحُ على رأسِها، وهذا قول مالكٍ والشافعي وأبي حنيفة. وقال ابنُ حنبل: يجوز المسحُ على العمامةِ والخمارِ اختيارًا، وهو مذهبُ داود والثوري والأوزاعي. واشترط ابنُ حنبل أن يلبس ذلك على طهارةٍ، واشترط بعضُ أصحابِه أن تكون العمامةُ تحت الحنك، يريد -والله أعلم- لأن ذلك من سُنَّتها، وذهب بعضُهم إلى الجواز إذا مسح بعضَ الرأس، ومتعلَّقُهم ما رواه مسلمٌ والنسائيُّ أنه -عليه الصلاة والسلام-: «مسح على الخفَّين والخمار»، وما في أبي داود أنه: «مسح على العمامة»، وفي بعض الروايات في مسلم: «أنه مسح بمقدَّم رأسِه وعلى العمامة». قال: وحجَّتُنا قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} المائدة: 6، والعمامةُ لا تُسمَّى رأسًا. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل(1/ 207).


إبلاغ عن خطأ