«ذُكِرَ الدَّجَّالُ عند النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إنَّ اللهَ لا يَخْفَى عليكُم، إنَّ الله ليس بِأَعْوَرَ -وأشار بيده إلى عينه-، وإنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَينِ اليُمنى، كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِئَةٌ».
رواه البخاري برقم: (7407)، ومسلم برقم: (169)، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«بِأَعْوَرَ»:
عَوِرَتِ العَينُ عَوَرًا من باب تَعِبَ: نَقَصَتْ، أو غَارَتْ، فالرَّجُلُ أَعْوَرُ، والأُنْثَى عَوْرَاءُ. المصباح المنير، للفيومي (2/ 437).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
العَوَرُ: ذهابُ حِسِّ إحْدَى العَيْنَين. لسان العرب (4/ 612).
«عِنَبَةٌ»:
العِنَبُ جمعه أَعْنَابٌ، والعِنَبَةُ الحَبَّةُ منه، ولا يُقال له: عِنَبٌ إلا وهو طَرِيٌّ، فإذا يَبسَ فهو الزبيب. المصباح المنير، للفيومي (2/ 431).
«طافِئَةٌ»:
هي الحَبَّةُ التي قد خَرَجَت عن حَدِّ نَبْتَةِ أَخَواتِها، فظَهَرت مِن بينِها وارتفعت. وقيل: أراد به الحبَّةَ الطَّافِيَةَ على وجه الماء، شَبَّهَ عينَة بها. النهاية، لابن الأثير (3/ 130).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «ذُكِرَ الدَّجَّالُ عند النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«الدَّجَّالُ» صيغة مبالغة مِن الدَّجْلِ، وهو التَّغطية، وسُمي الكذاب: دَجَّالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطله. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (10/ 536).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
سُمِّي الدجَّال دَجَّالًا بصيغة المبالغة لكَوْنِه أَكْبَرَ مِن يَفْعَلُ ذلك من بني آدم. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (4/ 372).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وأما تسميته بالدجال: فلِأَنَّه خَدَّاعٌ مُلَبِّسٌ، والدَّجْلُ الخَلْطُ، ويقال: الطَّلْيُ والتغطية. الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1163).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قد اختلف الناس في اشتقاقه (أي: كلمة الدجال)، ومعناه:
فقيل: لأنه يُمَوِّهُ على الناس، ومنه قوله: بَعِيرٌ مُدَجَّلٌ إذا طُلِيَ بالقَطِرَان.
وقيل له ذلك: لِعِظَمِ قَدْرِه وتَفَاقُمِ خَطْبِهِ، ومنه رُفْقَةٌ دَجَّالةٌ إذا كانت كبيرة، ومنه دِجْلَة مِن كِبَرِهَا في الأنهار.
وقال أبو حاتم في كتاب الزينة: الدَّجَّال مأخُوذٌ من الدَّجْلِ، والدَّجْلُ والدَّجْنُ جميعًا، وهو الْتِبَاسُ الغَيم وظُلْمَتِه، فكأنَّ الدَّجَّال فَعَّال مِن الدَّجْلِ، وهو الظلام والْتِبَاسُ الغَيم، فكأنه يُلَبِّس على الناس ويُظْلِم عليهم أَمْرَ دِينِهم؛ حتى لا يَعْرِفُون رُشدهم، فيَدَّعِي الربوبية. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 319).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وقيل: لأنه مَطْمُوسُ العَين، مِن قولهم: دَجَلَ الأَثَر إذا عُفِيَ ودُرِسَ، فلم يوجد منه شيء.
وقيل: دَجَلَ أي: كَذَبَ، والدَّجَّال الكذَّاب.
قلتُ: ولم أَجِدْ دَجَلَ أي: كَذَبَ إلا في كتب أصحاب الحديث، ولم أَطَّلِع على أصلٍ له من اللغة العربية، فإنْ صحَّ فالظَّاهر أنهم عَبَّروا به عن الكذب؛ لأن الدجال أَكْذَب الناس، فلا يستقيم إذًا أنْ نُفَسِّرَ الأصلَ بالكلمةِ المستعارَة منه، ويَدُلُّ على ما نبَّهْنا عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «دَجَّالُونَ كذَّابُونَ» فإنَّ ذلك وارِدٌ مَوْرد الوصف لا مَوْرِدَ التفسير، وأَقْوَمُ الوجوه وأَعْرَقُها ما قدَّمْناه: أنه الخَدَّاعُ الْمُلَبِّسُ. الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1163).
قوله: «فقال: إنَّ الله لا يَخْفَى عليكُم»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إن الله لا يخفى عليكم» أي: قد عَرَفْتُموه بصفات الكمال، وآمنتم به، فلا تَضِلُّوا بما ترون منه مِن الْمَكْرِ والاستدراج. لمعات التنقيح (8/ 685).
وقال الشيخ الغنيمان -رحمه الله-:
المؤمن بالله وبأوصافه التي تَعَرَّفَ بها إلى عباده، لا يخفى عليه رب العالمين، فهو تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، ليس له كُفْؤٌ ولا نِدٌّ، فلا يمكن أن يُشَابِهَ المخلوقَ الضعيفَ، المحتاجَ الناقصَ، وكلُّ مَخْلُوقٍ له صفة الضعف والحاجة والنقصان، ولا بد، تعالى عن مشابهة خلقه علوًا كبيرًا. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 284).
قوله: «إنَّ الله ليسَ بِأَعْورَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
معناه: أن الله تعالى مُنَزَّهٌ عن سِمَاتِ الحَدَثِ، وعن جميع النقائص، وأن الدجال مخلوق من خَلْقِ الله تعالى نَاقِصُ الصورة، فينبغي لكم أن تَعْلَموا هذا، وتُعَلِّمُوه الناس؛ لئلا يغترَّ بالدجال مَن يرى تَخْيِيلَاتِهِ وما معه من الفتنة. شرح صحيح مسلم (2/ 236).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أورد الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم الكلاباذي البخاري -رحمه الله- في معاني مشكلات أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: «إنَّه أَعْوَرُ، وإنَّ الله ليس بِأَعْوَرَ» ولو لم يكن أَعْوَر، وكان صحيحَ العينين لم يكن يُوجِب شُبْهَةً، وإنَّما أراد -صلى الله عليه وسلم- أنه إنسان، وليس بحيوان، ولا شيطان، وليس له فَضْلُ قُوَّةٍ، ولا زيادة حال يُخاف منه أكثر مما يُخاف مِن مُتَسَلِّطٍ ظالم عاتٍ جبَّارٍ من الناس، وأنه إنسان شبَّه بُنْيَتَه بِبُنْيَتِهِم، يُؤْذِيه ما يُؤْذِيهم، ويحتاجُ إلى ما يحتاج إليه الناس، وإنه مَؤُوفٌ بآفةِ العَوَرِ، لا يقدر على إزالتها عن نفسه، إنْ سلَّط الله تعالى عليه بعوضة صَرَفَتْه عن جميع ما يدَّعِيه، وإنْ حرَّك عنه عِرْقًا ساكنًا، أو سَكَّنَ منه متحركًا زالت عنه قوته، وأقلقه حاله.
فهذا من النبي -صلى الله عليه وسلم- تشجيع لِمَن ابتُلِي بأيامه، وأدركه سُلطانُه؛ كي لا يكونَ خَوْفُه منه أكبرَ مِن خَوفِه مِن أحدٍ مِن الناس عليه سلطانه، كذا قال الشيخ الكلاباذي البخاري -رحمه الله- في جمعه أيضًا.
وحاصل تفسير الكلاباذي: أن الدجال إنسان مثلكم، بل أضعف منكم؛ لأنه أعورُ، والعَوَر نقصان وعيب، فيلزم منه أن لا يكون إلهًا لوجهين:
أحدهما: أن الإله تجب سلامة ذاته من الآفات والعيوب.
والثاني: أنه لو كان إلهًا لأَزَالَ عيبَ نفسه، ولم يرض بنفسه النقصان، ثم عَوَرُهُ إنْ كانَ مِن قِبَلِ نفْسِه، فالإله لا ينقص أوصافه، وإن كان مِن قِبَلِ غيرِه كما هو حقٌّ، فهو المخلوقُ الناقص، فيلزم أن يكون كبَقِيَّة المخلوقين الجَائِرين الظالمين.
فإن قيل: ما الحكمة في أنه خُلِقَ أَعْوَرُ؟
قيل: لأنه لو كان مُؤُوفًا بآفة أخرى غير العَوَرِ لم يظهر كظهور العَوَرِ؛ أو لأنه يكون أمارةٌ ظاهرةٌ تدل على كَذِبِه وسِحْرِه.
فإن قيل: لو كان أعمى لكان أَظْهر مِن العَوَرِ، فلِمَ لم يُخْلَقْ أعمى؟
قيل: لأنه قدَّرَ الله سبحانه إضْلالَ قومٍ به، ولو كان أعمى لم يكن منه إغواءٌ وإضلال. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 410-411).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إنَّه أعورُ، وإنَّ اللهَ ليس بأعورَ»:
إنَّما اقتصر على ذلك، مع أنَّ أدلَّةَ الحدوثِ في الدجَّال ظاهرةٌ؛ لكونِ العَورِ أثرًا محسوسًا يُدركه العالِمُ والعامِّي، ومَن لا يهتدي إلى الأدلَّة العقليَّة. فإذا ادَّعى الربوبيَّةَ، وهو ناقصُ الخِلقة، والإلهُ يتعالى عن النقص، عُلِم أنَّه كاذب.
وزاد مسلمٌ في رواية يونس، والترمذيُّ في رواية معمر، قال الزهري: فأخبرني عمرو بن ثابت الأنصاري أنَّه أخبره بعضُ أصحابِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال يومئذٍ للناس، وهو يحذِّرهم: «تعلَمون أنَّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموت».
وعند ابن ماجه نحوُ هذه الزيادة من حديث أبي أمامة، وعند البزار من حديث عبادة بن الصامت.
وفيه تنبيهٌ على أنَّ دعواه الربوبيَّةَ كذبٌ؛ لأنَّ رؤيةَ الله تعالى مقيَّدةٌ بالموت، والدجَّالُ يدَّعي أنَّه الله، ويراه الناسُ مع ذلك. فتح الباري(13/ 96).
وقال الشيخ الغنيمان -رحمه الله-:
قوله: «إن الله ليس بِأَعْوَرَ» هذه الجملة هي المقصودة من الحديث وفي هذا الباب، فهذا يدل على أنَّ لله عَيْنَينِ حقيقة؛ لأن العَوَرَ فَقْدُ أَحَدِ العَيْنَين، أو ذهاب نورها. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 285).
قوله: «-وأَشَارَ بيَدِهِ إلى عَيْنِهِ-»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وأشار» -صلى الله عليه وسلم- «بيده» المقدسة «إلى عينه». إرشاد الساري (10/ 383).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
استدل البخاري بالآيتين والحديث على إثبات العَين لله تعالى، وأهلُ السُّنة والجماعة يُثْبِتون عَينَين لا تُشْبِهان أعينَ المخلوقين، كقولهم في سائر الصفات، ويستدلون لذلك بمثل قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} القمر: 14، وبحديث الدَّجال.
ووجه الاستدلال: أنَّ تنزيهَ الله تعالى عن العَوَرِ في قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّ ربَّكُم ليس بِأَعْوَرَ» يدل على إثبات العينين لله تعالى وسلامتهما؛ فإنَّ العَوَرَ هو عَمَى إحدى العينين، لا عَدَمُ العين. تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري (13/ 390).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وذكر شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين أبو حفص السهروردي -قدس الله سره- في كتاب العقائد: أخْبَرَ اللهُ -عز وجل- أنه اسْتَوى، فقال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه: 5، وأخبر رسوله -عليه الصلاة والسلام- بالنزول، وغير ذلك مما جاء في اليد، والقَدَمِ، والتَّعَجُّب، والتردُّد، وكلُّ ما ورد من هذا القبيل دلائل التوحيد، فلا يُتَصَرَّف فيها بتَشْبِيهٍ وتعطيلٍ، فلولا إخبار الله تعالى وإخبار رسوله ما تَجَاسَر عقْلٌ أن يحوم حول ذلك الحِمَى، وتلاشى دون ذلك عَقْلُ العقلاء، ولُبُّ الأَلِبَّاءِ.
أقول: هذا المذهب هو المعتمد عليه، وبه يقول السلف الصالح. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 544).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال غيره: لم يُنْقَلْ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه من طريق صحيحِ التَّصريحِ بوجوبِ تأويلِ شيءٍ مِن ذلك، ولا المنعُ مِن ذِكْرِهِ، ومِن المحالِ أنْ يأمر الله نبيَّه بتبليغ ما أُنزل إليه مِن ربه، ويُنزل عليه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} المائدة: 3، ثم يَتْرك هذا الباب فلا يُمَيِّز ما يجوز نِسْبَتُه إليه مما لا يجوز، مع حَضِّهِ على التبليغ عنه بقوله: «لِيُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ» حتى نَقَلُوا أقواله، وأفعاله، وأحواله، وصفاته، وما فُعِلَ بحضرته، فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله منها، ووجَبَ تَنْزِيهَه عن مُشَابهة المخلوقات بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11، فمَن أَوْجَب خلافَ ذلك بعدهم فقد خالف سبيلهم، وبالله التوفيق. فتح الباري (13/ 390).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
وهو كلام في غاية التحقيق والإنصاف، ولا تَلْتَفِتْ إلى ما سواه من التأويل والانحراف.
(و) قد تبين بما ذُكِرَ من نصوص هؤلاء الأئمة الأعلام أن الحق هو إثباتُ صفاتِ الله -عز وجل- على ما جاءت به نصوص الكتاب، والسنة الصحيحة، من غير تشبيهٍ، ولا تمثيلٍ، ولا تأويلٍ، ولا تعطيلٍ، بل على ما يليق بجلاله -عز وجل-، وهذا هو الذي أَجْمَعَ عليه السلف، ومَن سارَ على طريقَتِهم، وسلَكَ سبيلهم، من أهل العلم بالكتاب والسنة. البحر المحيط الثجاج (19/ 385-386).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد سئلتُ هل يجوز لقارئِ هذا الحديث أن يَصْنَعَ كما صَنَعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (من الإشارة بيده إلى عينه)؟
فأَجَبتُ -وبالله التوفيق-: إنه إنْ حَضَرَ عنده من يُوافِقه على مُعتقده، وكان يَعْتَقِد تنزيهَ اللهِ تعالى عن صفاتِ الحُدُوثِ، وأراد التأسي مَحْضًا جاز، والأَوْلى به التَّرْك؛ خشيةَ أنْ يُدْخِل على مَن يراهُ شبهةَ التشبيهِ تعالى الله عن ذلك، ولم أرَ في كلام أحدٍ مِن الشراح في حمل هذا الحديث على معنى خَطَرَ لي فيه إثباتُ التنزيهِ وحَسْمُ مادة التشبيهِ عنه، وهو أنَّ الإشارة إلى عينه -صلى الله عليه وسلم- إنما هي بالنسبةِ إلى عَينِ الدَّجَّال، فإنها كانت صحيحة مثل هذه، ثم طرأ عليها العَوَرُ؛ لزيادةِ كَذِبِهِ في دعوى الإلهية، وهو أنه كان صحيحَ العينِ مثل هذه فطرأ عليها النقص، ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه. فتح الباري (13/ 390).
وقال الشيخ علي الشبل -حفظه الله- متعقبًا ابن حجر:
الصواب: أنه لا حَرَجَ في ذلك إذا أراد إثبات العينين لله -عز وجل- على الوجه اللائق به سبحانه من غير تَكْيِيفٍ، ولا تمثيلٍ، ولا تحريفٍ، ولا تعطيل، فهذا الحديث من أدلة إثبات العينين لله -عز وجل- من غير مشابهةٍ لِخَلْقِهِ، والله ولي التوفيق. التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري (ص: 62).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
قوله: «وأَشَارَ بيدِهِ إلى عَينِهِ»: أي: الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بعد قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لا يخفى عليكم؛ إن الله ليس بأَعْوَرَ» هو نظير لِمَا جاء في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، أنه قرأ هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} النساء: 58، قال: «رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يضعُ إِبْهَامَه على أُذُنِه، والتي تليها على عينه..» أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب (19) في الجهمية، ح 4728، وهذه الإشارة من الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند أهل السنة الْمُثْبِتِين للعَينِ، والسمعِ، والبصرِ لِبَيَان إرادة الحقيقة؛ فهو يَسْمَعُ حقيقةً ويُبْصِرُ حقيقةً، وكذلك له عينٌ حقيقةً، وكلُّ ذلك على ما يليق به، ويختصُّ به سبحانه، لا يُمَاثِل في شيءٍ من ذلك صفات المخلوق، وهذا هو الواجب في جميع ما وَصَفَ به نفسَه، أو وصَفَه به رسولُه -صلى الله عليه وسلم-، ومثل هذه الإشارة ما جاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل يقبض يديه ويبسطهما لَمَّا ذَكَرَ أن الله تعالى يأخذ السموات بيديه، وأن الله تعالى يقبض يديه ويبسطهما ويقول: «أنَا الْمَلِكُ...» الحديث، ومعلوم بالضرورة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يريد أن القبض والبسط من الله تعالى مثل قبضه -صلى الله عليه وسلم- وبسطه ليَدَيه، وإنما أراد بيانَ أن الله يقبضُ يديه ويبسطهما حقيقةً، وأمَّا مَن لم يُثْبِتِ العَيْنَين ولا اليدين لله تعالى فلا بد أن يَتَأَوَّل هذه النصوص بتأويلاتٍ تُخرجها عن ظاهرها، أو يُمْسِكَ عن تدبُّرها؛ معتقدًا أنه لا سبيل إلى فهمها، وهي طريقة أهل التفويض من النُّفَاةِ. تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري (13/ 390).
قوله: «وإنَّ المسيح الدَّجال»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
سمي بالمسيح الدجال؛ لأنه يَظْهَرُ باسم المسيح، وهو في اصطلاح أهل الكتاب: من يكون مأمورًا من الله -سبحانه وتعالى- بتبليغِ دِينِه والدعوةِ إليه. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (4/ 372).
وقال المازري -رحمه الله-:
قال عيسى بن دينار وغيره: سُمِّي الدجال مَسِيحًا؛ لأنه مَمْسُوحُ إحدى العَينين، فهو فَعِيْلٌ بمعنى مَفْعُولٌ. المعلم بفوائد مسلم (1/ 333).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
سمي مَسِيْحًا: لأنه مَمْسُوحُ العَين؛ أو لأنَّ الخَيرَ مُسِحَ عنه؛ أو لأنه يَمْسَحُ الأرضَ في أيامٍ مَعْدُودةٍ.
ودَجَّالًا: لأنه خَدَّاعٌ مُلَبِّسٌ؛ أو لأنه يُغَطِّي الأرض بأَتْبَاعِه؛ مِن الدَّجْلِ: وهو الخَلْطُ والتغطية، ومنه قولهم: مدجل, أي: مَهْنُوءٌ بالقَطِران، ودِجْلَةُ النَّهر ببغداد؛ فإنها غَطَّت الأرض بمائها؛ أو لأنَّه مَطْمُوس العين، مِن قولهم: دَجَلَ الأَثَرُ: إذا عَفَا ودَرَسَ؛ أو لأنه كذَّاب فيكون أيضًا مِن الدَّجْلِ بمعنى الخَلْط، فإنّ الكذاب مُلَبِّسٌ مُخلّط. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 357-358).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وأَحَبُّ الوجوه إلينا: أنَّ الخَير مُسِحَ عنه، فهو مَسِيحُ الضلالة كما أنَّ الشرَّ مُسِحَ عن مَسِيحِ الهداية -صلوات الله عليه-. الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1162).
قوله: «أَعْوَرُ العَين اليُمنى»:
قال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
اشْتَمَلَت هذه الجملة على تأكيدِ وصفِ الدجالِ الكذابِ بأنه أَعْوَرُ العين، أي: أنه ناقِصٌ، مَعِيبٌ، قد لَحِقَهُ الضُّرُّ لِفَقْدِ إحدى عينيه، فمِثْلُه محالٌ أن يكون إلهًا؛ لأنه فقير محتاج إلى غيره، بالإضافة إلى النقص والعيب الذي فيه، وقد جاء بأعظم الكذب والبهتان؛ حيث ادَّعَى أنه إلهٌ، يُتَوجَّه إليه بطلب الإسعاد، وصرف الشقاء.
كما اشتَمَلَتْ هذه الجُملة مِن الحديثِ على وصفِ الله تعالى بكمَالِ العَينين، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «وإنَّ ربَّكم ليس بأَعْوَرَ»، فهذا بيانٌ واضحٌ بوصفِ الله تعالى بأنَّ له عينينِ كامِلَتَين، على ما يليقُ بعَظَمَتِه. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 290).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله تعالى ليسَ بأَعْوَرَ، والدجَّال أَعْوَرُ» فبيان لعَلَامَةٍ بيِّنَةٍ تدل على كَذِبِ الدجال دلائل قطعية بديهية يُدركها كلُّ أحدٍ، ولم يَقْتَصِر على كونه جِسمًا أو غير ذلك من الدلائل القطعية؛ لكون بعض العوام لا يهتدي إليها، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (18/ 60).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «عَينُ اليُمْنى» (كما في لفظ) أي: عينُ الجَنْبَةِ اليُمنى، أو الجهة اليمنى. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3450).
قوله: «كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبةٌ طافئَةٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كأنَّ» بتشديد النون «عَيْنَه» أي: العَوراء أو الأخرى «عِنَبَةٌ» أي: شَبِيهة بها، فهو تَشْبيهٌ بليغ، «طَافِيَةٌ» بالياء ويُهْمَز أي: مرتفعة. قال مِيرَك: رُويَت بهمزٍ وتَرْكِهِ وكلاهما صحيح. قال الطيبي -رحمه الله-: وهي النائبة عن أَحَدِ أخَوَاتِها؛ مِن الطَّفْوِ، وهو أنْ يعلو الشيءُ على الماء، انتهى. ومنه الطَّافِي من السمك. ولا تنافي بين هذه الرواية وبين ما رُوي أنها ليست بِنَاتِئَةٍ ولا حَجْرَاءَ، أي: لا طافئة مرتفعة ولا غائرة متَحَجِّرة؛ لإمكانِ اجتماعِ الوَصْفَين باختلاف المعنيين. مرقاة المفاتيح (8/ 3452).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «كأنَّ عَينَه عِنبةٌ» فيه تجنيس لَطِيفٌ مِن غير تكَلُّف. لمعات التنقيح (8/ 686).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«طَافِئَةٌ» بالهمزة، أي: ذَهَب ضَوْؤُهَا، وبدون الهمز أي: نَاتِئَة. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (14/ 82).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كأنها عِنبة طافئة» يروى بالهمز، أي: مَطْمُوسة، وفي وصفها أيضًا: ممسوحة، وغير ناتئة، وبغير همز أي: بارزة، ومنه الطافي من السمك. فتح الباري (1/ 150).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
يقال: طَفَا الشيءُ على الماءِ يَطْفُو: إذا عَلَاهُ، فعَيْنُ الدجال طافِيةٌ على وجهه قد بَرَزَت كالعِنَبة. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (32/ 174).
وقال المازري -رحمه الله-:
قال الأخفش: «طافية» بغير همز، أي: ممتلئة قد طَفَتْ وبَرَزَتْ.
قال غيره: وطافئة بالهمز أي: قد ذهب ضوؤها وتَقَبَّضَتْ. المعلم بفوائد مسلم (1/ 332).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- معلقًا:
روايتنا في هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همزٍ وتفسيرها بما تقدم، وهو الذى صححه أكثرهم، وأنها ناتئة كنُتُوءِ حبَّةِ العِنب مِن بينِ صواحِبِها، ووقعَ عندَ بعضِ شيوخنا مهموزًا، وأَنْكَرَه بعضُهم، ولا وجهَ لإنكارِهِ، وقد وُصِفَ في الحديث أنه مَمْسُوْحُ العين، وأنها ليست حَجْرَاء ولا نَاتِئة، وأنها مطموسة، وهذه صفةُ حبَّةِ العنب إذا طَفِئَتْ وسَالَ مَاؤُها، وبهذا فَسَّر الحرفَ عيسى بن دينار، وهذا يصحح رواية الهمز، وعلى ما جاء في الأحاديث الأُخَرِ: «جَاحِظ العَين»، و«وكأنها كوكبٌ»، وفي رواية: «عَوْرَاءَ نَحْفَاءَ»، «ولها حَدَقَةٌ جَاحِظَةٌ كأنها نُخَاعَةٌ في حائطٍ مجَصَّصٍ» تصحُّ رواية غير الهمز، لكنْ يُجمع بين الأحاديث، وتصح الروايتان جميعًا: بأن تكون المطموسة والممسوحة والتي ليست بحَجْرَاء ولا ناتئة هي العوراء الطافئة بالهمز، والعين اليمنى على ما جاء هنا، وتكون الجاحظة والتي «كأنها كوكب»، و«كأنها نخاعة» هي الطافية بغير همز العين الأخرى، فتَجْتَمِع الروايات والأحاديث ولا تختلف، وعلى هذا تَجْتَمع رواية أعور العين اليمنى مع أعور العين اليسرى؛ إذ كلُّ واحدةٍ منهما بالحقيقة عوراء؛ إذ الأعور مِن كل شيء الْمَعِيب، ولا سيما بما يختصُّ بالعين، وكِلَا عَيْنَيِ الدجَّال مَعِيبة عَوراء، فالممسوحة والمطموسة والطافئة بالهمز عوراء حقيقة، والجَاحِظَة التي كأنها كوكب وهي الطافية -بغير همز- مَعِيبة عوراءُ لِعَيْبِهَا، فكلُّ واحدةٍ منهما عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بِعَيْبِها. إكمال المعلم (1/ 521-522).
وقال النووي -رحمه الله- معلقًا على كلام القاضي:
هو في نهاية من الحسن، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (2/ 235).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث ردٌّ على مَن يزعم أنَّه يرى الله تعالى في اليقظة، تعالى الله عن ذلك.
ولا يَرِدُ على ذلك رؤيةُ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- له ليلةَ الإسراء؛ لأنَّ ذلك من خصائصه -صلى الله عليه وسلم-، فأعطاه اللهُ تعالى في الدنيا القوَّةَ التي يُنعِم بها على المؤمنين في الآخرة. فتح الباري(13/ 96).
وقال الشيخ الغنيمان -رحمه الله-:
هذا الحديث من الأدلة الواضحة على إثبات تثنية العين لله تعالى، ويزيد ذلك وضوحًا إشارته -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى عينه لتحقيق الوصف، يعني: أن لله عينين سالمتين من كل عيبٍ كاملتين، بخلاف الدَّجَّال الفاقد لإحدى عينيه، وذلك من أعظم الأدلة على كذبه. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 285).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
بهذا الحديث استدل أهل السنة على أن لله عينين تليقان بكمال الله وجلاله كما في سائر الصفات، فكلها من باب واحد، فكون الله له عينان والمخلوق له عينيان لا يدل على التشابه والتماثل، بل الأمر كما قال الله -عز وجل-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، فأثبت السمع والبصر ونفي المشابهة، فكل صفة لله -عز وجل- تثبت له ويعتقد معها أنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11، فتثبت إثباتًا مع التنزيه، فأهل السنة مثبتة وليسوا معطلة، ومع إثباتهم ليسوا مشبهة، بل هم مثبتة منزهة، والإثبات والتنزيه قد جاءا في هذه الآية الكريمة من سورة الشورى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، فأثبت السمع والبصر ونفي المشابهة، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وكذلك يقال في جميع الصفات. شرح سنن أبي داود (485/ 5).