الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«أنَّه (يعني المغيرةَ بنَ شُعْبَة) كانَ مع رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في سَفَرٍ، وأنه ذَهبَ لحاجةٍ لَه، وأنَّ مُغيرة جَعَلَ يَصُبُّ الماء عليه وهو يتوضأ، فغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، ومَسَحَ بِرَأْسِه، ومَسَحَ على الخُفَّينِ»


رواه البخاري برقم: (182)، واللفظ له، ومسلم برقم: (274)، من حديث المغيرة بن شُعبة -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«الخُفَّيْنِ»:
الخُفُّ: ما يَلْبَسُه الإنسان. العين، للخليل بن أحمد (4/ 143-144).
قال المجددي -رحمه الله-:
الخُفُّ: هو السَّاتِرُ للكَعْبَين فأكثرَ مِن جِلْدٍ ونحوه مِن شيءٍ ثَخِينٍ. التعريفات الفقهية (ص: 88).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الخُفُّ: هو قِشْرٌ مِن جِلْدٍ مَخْرُوزٍ، يَكونُ على الرِّجْلِ، يمكن مُتَابَعَةُ المشيِ عليه. المسالك في شرح موطأ مالك (2/ 148).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّه (يعني المغيرةَ بنَ شُعْبَةَ) كانَ مَعَ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في سَفَرٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أنَّه كانَ» أي: أنَّ المغيرةَ كان «مع رسول الله» -عليه الصلاة والسلام-. عمدة القاري (3/ 62).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أَدَّى عُرْوَةُ معنى كلام أبيه بعبارةِ نَفْسِه، وإلا فكان السياق يقتضي أن يقول: قال: إني كنتُ...
ويحتمل: أن يقال: هو الْتِفَاتٌ على رأيٍ، فيكون عُرْوَةُ أدَّى لفظَ أبيه، والضمير في قوله: «وأنه ذَهَبَ»، وفي قوله: «له» للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. فتح الباري (1/ 286).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«في سَفَرٍ» أي: في غزوة تبوك. منار القاري (1/ 263).

قوله: «وأنَّه ذَهَبَ لحاجةٍ لَهُ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أنَّه» أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (3/ 23).

قوله: «وأنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يصُبُّ الماءَ عليه وهو يَتَوَضَّأ»:
قال الكرمان -يرحمه الله-:
«وأنَّ مُغِيرَةَ» في بعضها: «المغيرة» باللام، وهو مِثْل الحارث في أنه عَلَمٌ يدخله لام التعريف على سبيل الجواز، لا مثل النجم للثريا؛ فإن التعريف باللام لازمٌ ثَمَّةَ. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (3/ 23).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«جَعَلَ يَصُبُّ الماءَ عليه» أي: شَرَعَ، مِن أفعالِ المقارَبة، وهو من كلام عروة، يحكي حالة أبيه. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (1/ 336).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«جَعَلَ يَصُبُّ» هذا من تأدية عروة معنى كلام المغيرة. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (2/ 236).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«وهو يتوضأ» أي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذهب لقضاء حاجته، فرافَقَهُ المغيرةُ يَحْمِلُ له الماء الذي يَسْتنجي منه ويتوضأ به. منار القاري (1/ 263).

قوله: «فغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«فغسل وجهه» تفصيلٌ لِمَا أَجْمَلَه في: «يتوضأ»، وكان الظاهر: تَوَضَّأ على وفق غَسَل، إلا أنه أتى به مضارعًا؛ استحضارًا لتلك الحالة. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (1/ 336).

قوله: «ومَسَحَ بِرأْسِه، ومَسَحَ على الخُفَّينِ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«ومسح على الخفين» أعاد ذكر المسح ثانيًا دون الغسل؛ لأن المسح الثاني رخصةٌ والأول عزيمةٌ، فهما نوعان مختلفان. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (1/ 336).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: لِمَ كرَّرَ لفظ «مَسَحَ» ولم يكرر لفظ غَسَل؟
قلتُ: لأنه يريد بذكر المسح على الخفين بيانَ تأسيسِ قاعدةٍ شرعيةٍ، فصرَّحَ استقلالًا بالمسح عليهما، بخلاف قضية الغسل فإنها مقرَّرَة بنصِّ القرآن. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (3/ 23).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ومَسَحَ على الخفين» يعني: أنه ما غسله كسائر أعضائه، وإنما اكتفى بمسحه. البحر المحيط الثجاج (7/ 81).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ومسح على الخفين» فيه: بيان المسح على الخفين، وأنه لا يجوز أن يمسح واحدة ويغسل أخرى. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (2/ 236).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما بَالُهُ عَدَّى بـ«على»، ولم يُعَدِّ بالكلمة الإلصاقية؟
قلتُ: نظرًا إلى معنى الاستعلاء، كما لو قيل: مَسَحَ إلى الكَعْبِ، كان نظرًا إلى الانتهاء، وبحسب المقاصد تختلف صِلَاتُ الأفعالِ. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (3/ 23).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
استُدِلَّ منه على جواز المسح في السَّفَر، ومِن حديث جرير وحذيفة على جوازه في الحَضَرِ، وأنَّ إسلام جرير وغزوة تبوك بعد نزول المائدة سنة تسعٍ، ولهذا كان يُعْجِبُهم حديثُ جريرٍ؛ لِيَقْطَع به حُجَّة مَن زعم أنَّ آية الوضوء ناسخةٌ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمسح على الخفين. إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 89).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اتفق العلماء على جواز المسح على الخفين، ورُوِيَتْ فيه عن مالكٍ روايات، والذي استقر عليه مذهبه جَوازُه.
وقالت الخوارج: لا يجوز أصلًا؛ لأن القرآن لم يَرِدْ به.
وقالت الشيعة: لا يجوز؛ لأن عليًّا امتنع منه.
وحُجَّة الجماعة: ما روي فيه عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مِن الطُّرِق التي اشْتَهَرَتْ، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه في الحَضَر ولا في السفر، فمِمَّنْ نَقَل ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم-: عمر بن الخطاب، وعلي، وسعد، وابن مسعود، والمغيرة، وخزيمة بن ثابت، وابن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس، وعمرو بن العاص، وأبو أيوب، وأبو أمامة الباهلي، وسهل بن سعد، وقيس بن سعد، وأبو موسى الأشعري، وجابر، وأبو سعيد، وحذيفة، وعمار، وأبو مسعود الأنصاري، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو بكرة، وبلال، وصفوان بن عسال، وغيرهم، حتى قال الحسن البصري: "حدَّثَني سبعون من أصحاب محمدٍ أنه مَسَحَ على الخفين"، فجرى مجرى التواتر.
وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك سَنَة تسعٍ من الهجرة، فسَقَط بهذا قول من يقول: آية الوضوء مدنية، والمسحُ منسوخٌ بها؛ لأنه متقدِّم وغزوة تبوك آخر غزوة كانت بالمدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذا. شرح صحيح البخاري (1/ 304-305).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
مسح الخفين ثابت بالنصوص الصريحة الصحيحة، وقد رواه الجمُّ الغَفِيرُ مِن الصحابة، وقد ذَكَرْتُ في تخريجي لأحاديث الرافعي عِدَّةَ مَن رواه من الصحابة، فوصَلْتُهم إلى ثمانين صحابيًا، وهو مِن الْمُهِمَّات فسَارِعْ إليه، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة -رضوان الله عليهم-، ولا يُنْكِرُه إلا مُبتَدِعٌ، والذي استقر عليه مذهب مالك جوازه، وإن حُكي عنه روايات في ذلك. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (4/ 355).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واستَدَلَّ البخاري مِن صَبِّ الماءِ عليه عند الوضوء أنه يجوز للرَّجُل أن يُوَضِّئَهُ غيرُه؛ لأنه لَمَّا لَزِمَ المتَوَضِّئَ اغترافُ الماء من الإناء لأعضائه وجاز له أن يكفيه ذلك غيرُه، بدليل صَبِّ أسامةَ الماء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لوضوئه، والاغترافُ بعضُ عملِ الوضوءِ، فكذلك يجوز سائر الوضوء. شرح صحيح البخاري (1/ 278-279).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وتَعَقَّبَهُ (أي: ابنَ بطال) ابنُ المنير: بأن الاغتراف من الوسائل لا من المقاصد؛ لأنه لو اغترف ثم نوى أن يتوضأ جاز، ولو كان الاغتراف عملًا مستقلًا لكان قد قدَّم النيَّة عليه، وذلك لا يجوز.
وحاصله: التفرقة بين الإعانة بالصَّبِّ وبين الإعانة بمباشرة الغير لغسل الأعضاء، وهذا هو الفرق الذي أشرنا إليه قبل. فتح الباري (1/ 286).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
واستَدَلَّ البخاري مِن هذا الحديث على جواز تَوْضِئَةِ الرَّجُل لغيره؛ لأنه لَمَّا جاز له أن يكفيه غَرْفَ الماء لوضوئه فكذلك سائر الوضوء، وهو مِن باب القُربات التي يجوز أن يَعْمَلَها الرَّجُل عن غيره؛ ولإجماعهم على جواز تَوْضِئَةِ المريض وتَيْمِيْمِهِ إذا عجز عن ذلك، بخلاف الصلاة.
ويحتمل: أنَّ صبَّ المغيرةِ كان لِضِيقِ فَمِ الإْدَاوَةِ، ويُشْبِهُ إنْ كانت لحمل الماء للشُّرب فلم يمكن الوضوء منها، ولم يكن مِيْضَأَة، ولا مطْهَرة، كما جاء في حديث غيره، وكذلك يختلف حكم الأواني، فما يمكن إدخالُ اليدِ فيه كان حُكْمُه وضْعُه على اليمينِ، وما ضاق عن ذلك كان حُكْمُه وضْعُه على اليسار؛ ليُفْرِغَ منه على اليمين ويُمِيْلُهُ بيَسَارِه، فهذا اختيار أهل العلم. إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 85).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وقد ثبت أيضًا في حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- أنه صبَّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وضوئه حين انصرف مِن عرفة، وقد جاء في أحاديث ليست بثابتة النهي عن الاستعانة، قال أصحابنا: الاستعانة ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يستعين بغيره في إحضار الماء، فلا كراهة فيه ولا نَقْص.
والثاني: أن يستعين به في غسل الأعضاء، ويباشر الأجنبيُّ بنفسه غَسْلَ الأعضاء، فهذا مكروه إلا لحاجة.
والثالث: أن يَصُبَّ عليه، فهذا الأَولى تَرْكُه، وهل يسمى مكروهًا؟ فيه وجهان، قال أصحابنا وغيرهم: وإذا صَبَّ عليه وَقَفَ الصابُّ على يَسارِ المتوضِّئِ، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 169).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقول المغيرة في صفة وضوئه: «فغَسَلَ وجْهَهُ ويديه ومَسَحَ برأسِه...» ولم يذكر من السنن شيئًا، ليس فيه أنه لم يفعلها -صلى الله عليه وسلم-، لكنَّ المغيرة أخبر بالفرائض، وصارت سُنَنُها في طَيِّهَا، وبحكم التَّبَعِ لها، وقد ذَكَرَ في بعضها ابْتِدَاءَه بغَسْلِ الكَفَّين. إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 85-86).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فيه: بيان جواز المسح على الخُفِّ، وأنه لا يجوز غَسْلُ إحدى الرِّجْلَين ومسح الأخرى. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (3/ 23).
وقال العيني -رحمه الله-:
بيان استنباط الأحكام:
منها: جواز الاستعانة بغيره في الوضوء، لكنَّ مَن يدَّعِي أن الكراهة مختصَّة بغير المشقَّة والاحتياجِ لا يتم له الاستدلال بهذا الحديث؛ لأنه كان في السفر.
الثاني: فيه حكم مسح الرأس.
الثالث: فيه جواز المسح على الخفين...
الرابع: فيه مِن الأدب خِدْمَة الصغيرِ للكبيرِ، ولو كان لا يَأْمُرُ بذلك. عمدة القاري (3/ 62).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: الرد على مَن زَعَم أنَّ المسح على الخفين منسوخٌ بآية الوضوء التي في المائدة؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق، وسيأتي حديث جرير البجلي في معنى ذلك. فتح الباري(1/٣٠٨).  


إبلاغ عن خطأ