الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

كُنَّا نَمُرُّ على هشام بن عامر نأتي عِمْران بن حُصين، فقال ذاتَ يومٍ: إنَّكُم لَتُجاوِزُونِي إِلى رِجَالٍ مَا كانوا بأحْضَرَ لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنِّي، ولا أَعْلَمَ بحَدِيثِهِ منِّي، سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «مَا بينَ خَلْقِ آدَمَ إلى قِيامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِن الدَّجَّالِ».


رواه مسلم برقم: (2946) من حديث هشام بن عامر -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند مسلم: «أَمْرٌ أَكبرُ مِنَ الدَّجَّالِ».
وفي رواية عند أحمد برقم: (16265)، وابنَ أبي شيبة برقم: (37471)، والحاكم برقم: (8610)، والطبراني برقم: (450) بلفظ: «فِتْنَةٌ أكبرُ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ».
صححه محققو مسند الإمام أحمد. 


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«لَتُجَاوِزُونِي»:
جَاز المكان، يَجُوزه جَوْزًا، وجَوَازًا وجِوَازًا: سار فيه، وأَجَازه بالألف: قَطَعَهُ. المصباح المنير، للفيومي (1/ 114).

«الدَّجَّال»:
المسيح الكذاب، واشتقاقه مِن الدَّجْلِ، وهو التَّمْوِيهُ والسِّحْرُ. شمس العلوم، للحميري (4/ 2035).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الدَّجَّال في الحديث، هو الذي يَظْهَر في آخرِ الزَّمان يدَّعي الأُلوهِية، وفَعَّالٌ مِن أَبْنِيَةِ المبالغة: أي: يَكْثُرُ مِنه الكذبُ والتَّلبِيسُ. النهاية (2/ 102).
وقال الهروي -رحمه الله-:
قال أبو العباس: سُمِّي دجَّالًا لِضرْبِه (أي: سَيْرِهِ) في الأرض، وقطْعِهِ أكثرَ نواحيها، يُقال: دَجَلَ الرَّجُل إذا فعل ذلك، قال أبو بكر: وسمعته مرة أخرى يقول: سُمِّي دجالًا لتَمْوِيهِهِ على الناس وتَلْبِيسِهِ، يقال: دَجَلَ إذا مَوَّه ولبَّس، وقال غيره: الدَّجَل شِدَّةُ طَلْيِ الجَربِ بالقَطِرَان، وبَعِيْرٌ مُدَجَّلٌ إذا كان مَطْلِيًّا بالقَطِرَان، ومنه يقال: دَجَّل فُلانٌ الحقَّ ببَاطِلِهِ إذا غَطَّاهُ، ومن ذلك أُخِذَ الدَّجَّالُ، ودَجَلُهُ سِحْرُهُ وكَذِبُهُ، وكلُّ كَذَّابٍ دَجَّالٌ. الغريبين في القرآن والحديث (2/ 619).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «كنَّا نَمُرُّ على هشامِ بن عامرٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كنا نَمُرُّ على هشامِ بن عامر» بن أمَيَّة الأنصاري النَّجَّاري البصري ابن عم أنس بن مالك، له ولأبيه صُحبة، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديثَ منها في الفتن. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (26/ 306).
قوله: «نأتي عِمْرَانَ بنَ حُصَينٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«نأتي عمران بن حصين» العَدَوِيّ. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (26/ 307).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: لِيَسْمَعُوا حدِيثَه. البحر المحيط الثجاج (44/ 669).
قوله: «فقال ذات يومٍ: إنَّكُم لَتُجَاوِزُونِي إلى رِجَالٍ ما كانوا بأَحْضَرَ لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- مِنِّي، ولا أَعْلَمَ بحديثِه مِنِّي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» لنا هشام بن عامر «ذات يوم: إنكم» أيها الرهط، «لَتُجَاوِزُونِي» أي: لتَمُرُّونَ عليَّ مَاشِينَ «إلى رجالٍ» من الصحابة؛ لأَخْذِ الحديثِ مِنهم «ما كانوا بأَحْضَرَ» أي: أكثر حُضُورًا «لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- مِنِّي، ولا» بـ «أَعْلَمَ بحدِيثِهِ منِّي». الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (26/ 307).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
يعني: أنَّ هؤلاء الناس يَتْرُكُونه إلى مَن لا يكون أكثرَ عِلْمًا ولا صحبةً للنبي -صلى الله عليه وسلم– منه، يريد بذلك عِمْرانَ ونحوه، وفي رواية الحاكم: «فقال هشام: إن هؤلاء يَجْتَازُونَ إلى رَجُلٍ قد كنَّا أَكْثَرَ مُشَاهَدةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه، وأَحْفَظَ عنه».
قال الجامع -عفا الله عنه-: هذا الذي قاله هشام بن عامر -رضي الله عنهما- هو عَيْنُ النصيحة، وهو عين الإنصاف، وليس مِن بابِ الحَسَد، ولا الاسْتِخْفَافِ بقَدْرِ عمران -رضي الله عنه-، وإنما هو إرشادٌ لهؤلاء الذين قَصَّرُوا، وتركوا الاستفادة منه، واتَّجَهُوا إلى غيره، مع أنه أعلى منه، وهكذا ينبغي للعالِمِ إذا رأى مِن طلابِ العلْمِ تقصيرًا في الاستفادة منه، واشتغالًا بغيره ممن ليس في دَرَجَتِهِ عِلْمًا، أو عُلُوِّ سَنَدٍ، فينَبِّهَهُم على تقصيرهم.
ولا يُتَوَهَّم أن هذا يكون حَسَدًا، أو مدحًا للنفس، أو نحو ذلك، فقد قال يوسف -عليه السلام-: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} يوسف: 55، فمَدَحَ نفسه بالحفظ والعِلْم؛ ليستفيد منه الناس، فهكذا ينبغي للعالِمِ أن يتَأَسَّى به، وله في ذلك الأجر العظيم، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (44/ 670).

قوله: «سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما بَيْنَ خَلْقِ آدمَ إِلى قِيَامِ السَّاعَةِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ما» هذه نافية، أي: ليس فتنة أعظم منها. شرح المصابيح (5/ 559).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«بَيْنَ خَلْقِ آدمَ» ظرفٌ اعتباريٌّ متعلِّق بمحذوفِ خبرٍ مُقَدَّم، «إلى قيامِ الساعةِ» متعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ به الظَّرفُ. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (26/ 307).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والمعنى: ليس فيما بينهما فتنة ... مرقاة المفاتيح (8/ 3452).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
المعنى: ليس بينهما خَلْقٌ أعْظَمُ فتنة مِن الدَّجال؛ لِعِظَمِ فِتْنَتِه، وبَلِيَّتِه، ولِشِدَّةِ تَلْبِيسِه، ومِحْنَتِه. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (26/ 307).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ما بين خَلْقِ آدمَ إلى قيامِ السَّاعَةِ» أي: لا يوجد في هذه المدة الْمَدِيدَةِ. فيض القدير (5/ 433).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما بين خَلْقِ آدمَ إلى قيامِ الساعةِ» من الحوادث العظيمة الْمُهْلِكَة للدِّينِ. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 370).

قوله: «خَلْقٌ أَكْبَرُ مِن الدَّجَّالِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أكبرُ» أي: أعظمَ «مِن الدَّجَالِ». مرقاة المفاتيح (8/ 3452).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد: أَكْبَرُ فتنةً، وأعظم شوكةً. شرح صحيح مسلم (18/ 87).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«خَلْقٌ أَكْبَرُ» مبتدأ مؤخر وصِفَتُه، وسَوَّغَ الابتداءَ بالنَّكِرة تَقَدُّمُ الخبر الظَّرْفِي عليه، أو وَصَفَهُ بِنَكِرةٍ لإفادته التخصيص، والتقدير: ما خَلْقٌ أكبرُ مِن الدَّجّالِ مَوجُودِين بينَ خلقِ آدمَ إلى قيامِ الساعةِ. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (26/ 307).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الدَّجَّال: أي: الكذَّاب، سُمِّي الدجال كذابًا لأنه يُغَطِّي الحق ببَاطِلِهِ، وقيل: لأنه يُغَطِّي على الناسِ كُفْرَهُ بكَذِبِه وتَمْوِيْهِهِ وتَلْبِيسِهِ عليهم. شرح رياض الصالحين (ص: 207).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
وسُمِّي دَجَّالًا: لكثرة دَجْلِهِ، فهي صيغة مبالغة، والدَّجْلُ: الكذِبُ والتَّمْوِيهُ، وقد وردت الأخبار الصحيحة بخروجه في آخر الزمان مِن ناحيةِ المشرق، وخروجُه مِن أشراط الساعة العِظَام، نسأل الله أن يعيذنا ويعصمنا منه. منحة العلام شرح بلوغ (ص: 141).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مِنَ الدجَّال» لِعِظَمِ فِتْنَتِه وبَلِيَّتِه، ولِشِدَّةِ تَلْبِيسِه ومِحْنَتِه. مرقاة المفاتيح (8/ 3452).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لأن تَلْبِيسَه عظيم، وتمْوِيهَهُ وفتْنَتَه كقِطَعِ الليل البَهِيمِ، تَدَعُ اللبيبَ حَيرانًا، والصاحيَ الفَطِنَ سَكْرانًا، لكن ما يظهر مِن فتنته ليس له حقيقة، بل تَخْيِيلٌ منه وشَعْبَذَة، كما يَفْعَلُه السَّحرة والمتَشَعْبِذُونَ. فيض القدير (5/ 433).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أَكْبَرُ مِن الدَّجَّالِ» أي: أَكْبَرُ فتنةً على الأديانِ، وأعظَمُ شَوْكةً، وأخْطَرُ على رسالات الرسل مِن الدَّجال. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (10/ 554).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
وذلك أنه لا ينجو من فتنته إلا النَّزْرُ اليَسِير. تطريز رياض الصالحين (ص: 1031).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وذلك بسبب ما يَخْلُقُ اللهُ معه مِن الخَوارِقِ العظيمة التي تَبْهر العقول، وتُحَيِّرُ الألبابَ، فقد وردَ أنَّ مَعه جنةً ونارًا، جَنَّتُه نَارَهُ، ونَارُهُ جنَّتَه، وأنَّ معه أنهارَ الماء، وجبال الخُبز، ويأمر السماء أن تُمْطِرَ فتُمْطِرَ، والأرضَ أن تُنْبِتَ فتُنْبِتَ، وتَتْبَعهُ كنوزُ الأرض، ويَقْطَعُ الأرض بسرعةٍ عظيمةٍ كسرعة الغَيْث اسْتَدْبَرَتْهُ الريحُ، إلى غير ذلك مِن الخوارق، وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة. شرح رياض الصالحين (ص: 206).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «خَلْقٌ أَكْبَرُ مِن الدَّجّالِ» تفسيره الحديث الذي بعده، وفيه: «أَمْرٌ أَكْبَرُ مِن الدجال» فهو كِبَرُ الشأن، وعِظَم الفتنةِ، لا كِبَر الجسم، هذا الأظهر، وقد يحتمل: أنه يشير إلى عِظَمِ الجسم. إكمال المعلم (8/ 504).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا: كِبَرُ الخِلْقَةِ والجِسم، و...أنه يرْكَبُ حمارًا عَرْضُ ما بين أُذُنَيه أربعون ذراعًا، وهذا يقتضي أن يكون هذا الحمار أَكْبَر حمارٍ في الدنيا، فراكِبُه ينبغي أن يكون أكبر إنسان في الدنيا، وكذا قال تميم -رضي الله عنه - في خبر الجَسَّاسَة: «فإذا أَعْظَم إنْسانٍ رأَيْنَاهُ..»، غير أنه قد تقدم من حديث أبي داود في وصف الدجال: «أنه قَصِيْرٌ أفْحَجُ (أي: بعيد ما بين الساقين)»، وإنما يكون قصيرًا بالنسبة إلى نوع الإنسان، فمقتضى ذلك: أن يكون فيهم من هو أطْوَلُ منه، ولهذا قيل: إنَّ وصْفَهُ بالأَكْبَريَّةِ إنما يعني بذلك عِظَمَ فتْنَتِهِ، وكِبَرَ مِحْنَتِه؛ إذ ليس بين يدي الساعةِ أعْظَم ولا أكبر منها.
ويحتمل أن يريد به: أنه ينتفخ أحيانًا حتى يكون في عين الناظر إليه أكبرَ من كلِّ نوعِ الإنسان، كما ... في شأن ابن صَيَّادٍ أنه انتفخ عن غَضَبِهِ حتى مَلأ الطريق، والله أعلم بحقيقة ذلك. المفهم (7/ 291).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فيه وجهان:
أحدهما: عِظَمُ خَلْقِهِ؛ فقد أخبرنا ابن الحصين (ثم ساق إسناده إلى) جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يَخْرُجُ الدَّجالُ وله حِمارٌ يَرْكَبُه، عَرْضُ ما بين أُذُنَيهِ أربعون ذراعًا».
والثاني: عِظَمُ فِتْنَتِهِ؛ فإنه يقتل شخصًا ثم يُحْيِيهِ، ومعه مِثَال جَنَّةٍ ونارٍ، ويأمر السماء فتُمْطِر فيما يرى الناس، إلى غير ذلك من الفتن. كشف المشكل (4/ 227).

قوله في رواية: «أَمْرٌ أَكْبَرُ مِن الدَّجَّالِ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أَمْرٌ أَكْبَرُ مِن الدَّجَّالِ» أي: في باب الفتنة والابتلاء، والإضلال والاستدراج. لمعات التنقيح (8/ 685).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أَمْرٌ أكبرُ مِن الدجَّال» أي: لِعَظِيمِ فِتْنَتِه، وفَظِيعِ بَلِيَّتِه، وليست بَلِيَّتُه وفِتْنَتُه وخوفُ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- على أمَّته منه مِن قِبَلِ شُبْهَةٍ تَلْحَقُ المؤمنينَ الموقِنين العارِفِين بالله تعالى وصفاته، فإذا المؤمنون عرفوا الله تعالى معرفةً لا تَتَخَالَجُهُم فيها الظنون، ولا تعترضهم الشبهة؛ لأنه تعالى لا يُشْبِه شيئًا، ولا يُشْبِهُهُ شيء، وأنه ليس كمثله شيءٌ، وأنَّ أوصاف الحَدَثِ عنه مَنْفِيَّة -سبحانه وتعالى- وتَنَزَّه عن ذلك. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 409).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أَمْرٌ أعظمُ مِن الدجَّال» يعني: لِشِدَّةِ البلاءِ به؛ ولِمَا يأتي به مِن الخَوارِقِ المقرونَةِ بدَعْوَاهُ الإلهية. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 371).


إبلاغ عن خطأ