«أتيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} التكاثر: 1، قال: يقولُ ابنُ آدمَ: مَالِي مَالِي، قال: وهل لكَ يا ابنَ آدمَ مِن مالِكَ إلا مَا أَكَلْتَ فأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأَبْلَيْتَ، أو تصدَّقتَ فأَمْضَيْتَ؟».
رواه مسلم برقم (2958)، من حديث عبد الله بن الشِّخِّيرِ -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند مسلم برقم: (2959)، مِن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «يقول العبد: مَالِي مَالِي، إنَّما له مِن مَالِه ثَلاثٌ: مَا أَكَلَ فأَفْنَى، أو لَبِسَ فأَبْلَى، أو أَعْطَى فاقْتَنَى، وما سِوى ذلك فهو ذاهبٌ وتَارِكُهُ للناسِ».
غريب الحديث
«فأمْضَيْتَ»:
يقال: أَمْضَيْتُ الأمرَ: أَنْفَذْتُهُ، وإذا قَضَى اللهُ شيئًا أَمْضَاهُ، أي: أَنْفَذَهُ. النظم المستعذب، للركبي (1/ 216).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«فَأَمْضَيْتَ» أي: أَنْفَذْتَ فيه عَطَاءَكَ، ولم تتوقف فيه. النهاية (4/ 339).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أتيتُ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} التكاثر: 1.
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أتيتُ النبيَّ وهو يقرأُ» جملة في محل الحال من المفعول، {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} التكاثر: 1، أي: السورة المسمّاة بما ذُكر؛ لكونه صَدْرَها. دليل الفالحين (4/ 416).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قوله: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} التكاثر: 1، يعني: شَغَلَكُم الإكثار من الدنيا، ومِن الالتِفَاتِ إليها عمّا هو الأَولى بكم مِن الاستعداد للآخرة، وهذا الخطابُ للجمهور؛ إذ جِنْسُ الإنسان على ذلك مَفْطُورٌ، كما قال -تعالى-: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ* وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} القيامة20-21، وكما قال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} آل عمران: 14. المفهم (7/ 110 - 111).
وقال ابن عطية -رحمه الله-:
أَلْهَى: معناه: شُغِلَ بِلَذَّاتِه، ومنه: لَهْوُ الحَديث والأصوات، واللَّهْوُ بالنساءِ، وهذا خبر فيه تَقْرِيعٌ وتوبيخٌ وتَحَسُّر، وقرأ ابن عباس وعمران الجوني وأبو صالح: {أَألْهَاكُمُ} على الاستفهام، والتكاثر: هي المفاخرة بالأموال والأولاد والعَدَدِ جُملةً، وهذا هِجِّيْرَى (أي عادة) أبناءِ الدنيا العَرَب وغيرهم، لا يَتَخَلَّصُ منهم إلا العلماء المتَّقُون، وقد قال الأعشى (السريع):
ولستُ بالأكْثَرِ مِنهم حصًى … وإنَّما العِزَّةُ للكَاثِرِ. المحرر الوجيز (5/ 518).
وقال الفخر الرازي -رحمه الله-:
يحتمل التكاثر بمعنى الْمُفاعلة؛ لأنه كمْ مِن اثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} الكهف: 34، ويحتمل تَكَلُّف الكثرة؛ فإنَّ الحريص يتكلف جميعَ عُمُرِهِ تَكْثِير مالِهِ.
واعلم أنَّ التفاخر والتكاثر شيءٌ واحدٌ، ونظير هذه الآية: قوله -تعالى-: {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} الحديد: 20... مُطْلَقُ التكاثر ليس بمذموم، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة هو المحمود، وهو أصل الخيرات، فالألف واللام في {التَّكَاثُر} ليسا للاستغراق، بل للمعهود السابق، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها؛ فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله -تعالى- وعبوديته. مفاتيح الغيب (32/ 269 - 270).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} التكاثر: 1، أُخلصت هذه السورة للوعد والوعيد والتهديد، وكفى بها موعظةً لمَن عَقَلَها، فقوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ}؛ أي: شَغَلَكُم على وجْهٍ لا تُعذَرُونَ فيه؛ فإنَّ الإلهاءَ عن الشيءِ هو الاشتغالُ عنه، فإنْ كانَ بقَصْدٍ فهو مَحَلُّ التَّكْلِيفِ، وإن كان بغير قصدٍ كقوله -صلى الله عليه وسلم- في الخَمِيْصَةِ: «إنها أَلْهَتْنِي آنفًا عن صلاتي» كان صاحبُه معذورًا، وهو نوع من النسيان، وفي الحديث: «فَلَهَا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصَّبِيِّ» أي: ذُهِلَ عنه، ويقال: لَهَا بالشيءِ أي: اشْتَغَلَ به، ولَهَا عنه، إذا انْصَرَفَ عنه، واللَّهْوُ للقلب، واللَّعِب للجوارحِ؛ ولهذا يُجمع بينهما؛ ولهذا كأنه قوله: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} التكاثر: 1 أَبْلَغَ في الذمِّ مِن (شَغَلَكُم)؛ فإنَّ العامِل قد يَستعمل جوارحه بما يَعمل وقَلْبُه غير لاهٍ بهِ؛ فاللَّهْوُ هو ذُهولٌ وإعراضٌ، والتكاثُر تَفَاعُل مِن الكَثْرَة، أي مُكَاثَرَةُ بعضكم لبعضٍ، وأَعْرَضَ عن ذكر الْمُتَكَاثَرِ بِه إرادةً لإطلاقه وعمومه، وأنَّ كلَّ ما يُكاثِرُ به العبدُ غيره سِوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفعِ مَعَادِهِ فهو دَاخِلٌ في هذا التكاثر، فالتكاثرُ في كل شيءٍ مِن مالٍ، أو جاهٍ، أو رئاسةٍ، أو نِسوةٍ، أو حديثٍ، أو علمٍ -ولا سيّما إذا لم يحتج إليه-، والتكاثر في الكتب، والتصانيف، وكثرة المسائل، وتفريعها، وتوليدها، والتكاثر أن يَطْلب الرَّجُل أن يكون أكثرَ مِن غيره، وهذا مذموم؛ إلا فيما يُقَرِّب إلى الله؛ فالتكاثر فيه مُنَافَسةٌ في الخيرات، ومسابَقة إليها. الفوائد (ص 43).
قوله: «قال: يقولُ ابنُ آدمَ: مَالِي مَالِي»، وفي لفظ «يقول العبدُ: مَالِي مَالِي».
قال ابن علان -رحمه الله-:
«قال» أي: النبيّ بعد إتمامها (أي سورة التكاثر) كما عند النسائي: «حتى خَتَمَهَا»: «يقول ابن آدم» أتى بصيغة المضارع إيماءً إلى أن هذا القول دَيْدَنُه ودَأبُه بحسب طَبْعِهِ: «مالي مالي» أي: مالي هو الذي أَعْتَنِي به وأَهْتَمُّ، فالتكرار لفظًا للتعظيم والاهتمام. دليل الفالحين (4/ 416).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي» أي: يغترُّ بنسبة المال إليه، وكونه في يديه، حتى ربما يُعْجَبُ به ويَفْخَرُ به، ولعلَّه ممّن تَعِبَ هو في جَمْعِهِ، ويصل غيره إلى نَفْعُهُ. المفهم (7/ 111).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يقول العبدُ» أي: مع أن العبدَ وما في يده لمولاه، ولا ينبغي له أن يَنْسِبَ إلى نفسه شيئًا ...: «مالي مالي» أي: مالي كذا، مالي كذا، والمعنى يعُدُّه افتخارًا، أو يَذْكُره احتقارًا، أو لم يَعرف المقصودَ من المال، ولا ما يترتب عليه المال من الوبال. مرقاة المفاتيح (8/ 3234).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال -صلى الله عليه وسلم-: «يقول ابن آدم» أراد النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بهذا تفسير هذه الآية الكريمة، فبيّن أن المراد بالتكاثر: هو التكاثر في الأموال، وللمفسرين أقوال في معناها، ولكن هذا التفسير هو الصواب المقدَّم على غيره؛ لأن الله -تعالى- جعل بيان كتابِه إليه -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} النحل: 44. النحل: 44. البحر المحيط الثجاج (45/ 53 - 54).
قوله: «وهَلْ لكَ يا ابنَ آدمَ من مالِكَ» وفي لفظ «إنَّما لهُ مِن مَالِهِ ثلاثٌ».
قال ابن علان -رحمه الله-:
«وهَلْ لَكَ» المعطوف عليه مخاطَبٌ مُقَدَّر، أي: أَتَقُولُ ذلكَ «يا ابنَ آدمَ» وتَهْتَمَّ بِأَمْرِهِ؟ وهل لك مِن دنياك التي اهْتَمَمْتَ بأمرها، واحْتَفَلْتَ بشأنها، والاستفهام فيه للإنكار، أي: مالك منها على الحقيقة «إلا ما أَكَلْتَ فأَفْنَيْتَ». دليل الفالحين (4/ 416).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وإنّ مَا لَهُ من مَالِهِ»، «ما» الأُولى موصولة، و«له» صِلَتُه، و «مِن مَالِهِ» متعلق بالصِّلَةِ، و «ثلاث» خبر، وإنما أنّثه على تأويل المنافع. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3280).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
ثم أخبر بالأَوْجُهِ التي يُنتفع بالمال فيها، وافتَتَح الكلام بـ «إنما» التي هي للتحقيق والحصر، فقال: «إنما له مِن مالِهِ ثلاثٌ» وذكر الحديث. المفهم (7/ 111).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
المعنى أن الذي يحصل له مِن مَالِهِ ثَلاثُ منافعٍ في الجملة، لكن منفعةً واحدةً منها حقيقةٌ باقيةٌ، والباقي منها صُوْرِيَّةٌ فانيةٌ ... «قال» أُعِيدَ للتأكيد ودفعًا لتَوَهُّم أن يكون مِن قولِ الراوي، «وهل لك» أي: وهل يحصل لك من المال وينفعك في المآل «يا ابن آدم». مرقاة المفاتيح (8/ 3234 - 3235).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهل لك يا ابن آدم» هذا خطاب لكلِّ مَن يصلح له الخطاب. البحر المحيط الثجاج (45/ 54).
قوله: «إلا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ»، وفي لفظ: «مَا أَكَلَ فَأَفْنَى»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما أَكَلَ» أي: ما استَعْمَل من جنس المأكولات والمشروبات، ففيه تغليبٌ أو اكتفاءٌ، «فأَفْنَى» أي: فأَعْدَمَهُمَا. مرقاة المفاتيح (8/ 3234).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا ما أكلتَ فأفنيتَ» فوصَلَ نفعُ ذلك إلى أَجْزَاءِ البدنِ واستَقَامَ به أمرُها. دليل الفالحين (4/ 416).
وقال السندي -رحمه الله-:
أشار بقوله «فأفنيتَ» «فأَبْلَيتَ» إلى أن ما أُكل أو لُبس فهو قليل الجدوى، لا يرجع إلى عاقبة. حاشية على سنن النسائي (6/ 238).
قوله: «أو لَبِسْتَ فأَبْلَيْتَ»، وفي لفظ: «أو لَبِسَ فَأَبْلَى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ذَكَرَ الثاني بقوله: «أو لبسَ» أو فرشَ «فَأَبْلَى» أي أَخْلَقَ وجَعَله باليًا خَلِقًا. الكوكب الوهاج (26/ 334).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أو لَبِسْتَ» بكسر الموحدة «فأَبْلَيتَ» من الإِبْلَاءِ: إخْلَاقُ الجَدِيدِ. دليل الفالحين (4/ 416).
قوله: «أو تَصَدَّقتَ فأَمْضَيْتَ»، وفي لفظ: «أو أَعْطَى فَاقْتَنَى»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أو تَصَدَّقْتَ» على محتاجٍ قاصدًا وجه الله -تعالى-، «فأَمْضَيت» ... والمراد: أمضيتَ التصدق ونَجَّزْتَه، فأَبْقَيت ثوابَه مدَّخرًا لك عند المولى.
ومُلَخَّصُه: مَا لَكَ مِن دنياك إلا ما انتفعتَ به في دنياكَ؛ بأن أكلتَ أو لبستَ، أو أخّرتَ بأن تصدّقتَ، وما عدا ذلك من باقي المال فإنما أنت فيه بمنزلة الخادم الخازن لغيره. دليل الفالحين (4/ 416).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«أو تصدّقتَ فأمضيتَ»، أي: أَرَدْتَ التصدق فأمضيتَ الوصية بذلك، أو تصدّقت بالفعل فقدّمتَ لآخرتك، يريد أن الأحوط أن لا يَرْتَكِنَ على الوصيّة، بل يَدْفَع الصدقة لمستحِقِّها بالفعل. الفتح الرباني (19/ 307).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
إذا تصدق الإنسان أَبْقَى، كما جاء عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، أنه ذُبِحَ عندها شاةٌ، وجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: «يا رسول الله! انْتَهَتِ الشاةُ وقَسّمْنَاهَا ولم يَبْقَ إلا رِجْلُها ، فقال: لقد بَقِيَتْ كلُّها إلا رِجْلها»، هي تقول: نَفِدَتْ كلُّها ولم يبقَ منها إلا رِجْلُها، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: بل بَقِيَتْ كلُّها إلا الرِّجْلَ هِذِهِ؛ لأن الذي وُزِّعَ قرضٌ حسنٌ عند الله، وهي وديعة وأمانة يُنَمِّيها المولى -سبحانه-: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} الحديد: 11. شرح الأربعين النووية (82/ 5).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «أو أَعْطَى فاقْتَنَى» كذا هو عند جماعتهم، وعند ابن ماهان (أبو العلاء البغدادي ثم المصري أحد رواة صحيح مسلم): «فَأَقْنَى» وهو المعروف في الحديث، ومعناه: أَرْضَى، ويقال: أَعْطَاهُ قُنْيَةً مِن المال يُقْتَنَى؛ لقوله تعالى: {أَغْنَى وَأَقْنَى} النجم: 48، وأما «اقْتَنَى» فيكون بمعنى: ادَّخَرَ لآخرته. إكمال المعلم (8/ 512).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أوْ أَعْطَى فاقْتَنَى» هكذا هو في مُعظم النُّسَخِ ولِمُعْظَمِ الرواةِ: «فاقتنى» بالتاء، ومعناها: ادَّخَرَه لآخرته، أي: ادَّخَرَ ثوابَه، وفي بعضها: «فأَقْنَى» بحذف التاء. شرح مسلم (18/ 94).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو أعطى»، أي: لله -تعالى- «فاقْتَنَى» أي: جعله قُنْيَةً وذَخيرةً للعُقْبَى ... «أو تَصَدَّقتَ فأمضيتَ» أي: فأَمْضَيْتَه، مِن الإِفْنَاءِ والإِبْلَاءِ، وأَبْقَيتَه لنفسك يوم الجزاء، قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} النحل: 96، وقال عز وجل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} الحديد: 11. مرقاة المفاتيح (8/ 3234 - 3235).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فاقْتَنَى»، أي: جَمَع وادَّخَر، أشار إلى أنَّ جَمْعَ المالَ في الحقيقة هو أن يُعطي ويتصَدَّقَ؛ لأنه ادَّخَر ثوابَه لِنَفسه ليوم الحاجة. لمعات التنقيح (8/ 408).
قوله: «وما سِوى ذلك فهو ذاهبٌ وتَارِكُهُ للناسِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وما سوى ذلك»، أي: وما عدا ما ذُكِر مِن سائر أنواع المال مِن المواشي والعَقَار والخدم والنقود والجواهر ونحو ذلك، «فهو» أي: العبدُ «ذاهبٌ» أي: عنه «وتَارِكُهُ للناسِ» أي: مِن الورثةِ أو غيرهم بلا فائدةٍ راجعةٍ إليه، مع أن مطالبةَ المحاسبةَ والمعاقبةَ عليه. مرقاة المفاتيح (8/ 3234).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وما سوى ذلك» المذكور من الأوجه الثلاثة؛ كاقتنائه وادّخاره بلا صَرْفٍ وإنفاقٍ في الخيرات، وإخراجِ حقوقِ الله -تعالى- عنه، وكإنفاقه في المحرمات والمكروهات، والاعتداء به على الغير، «فهو» أي: فالعبد «ذاهبٌ» عنه بالموت، «وتَارِكُهُ للناسِ» أي: لِوَرَثَتِهِ، فلم يحصل له في جَمْعِهِ فائدةٌ، والعياذ بالله من ذلك. الكوكب الوهاج (26/ 334).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن الإنسان يقول: «مالي مالي»؛ لقلة تحريره نُطْقَه؛ لأنه ليس له مِن ماله على الحقيقة إلا ما قد فَرَغَ منه، إما بأكل أو لبس أو إعطاء، فذلك الذي يُحَقَّقُ أنَّه له، فأما ما عدا ذلك، فيجوز أن يكون له، ويجوز أن يكون لغيره؛ بأنْ يأخذَهُ مِن يدِهِ ... وليس قوله: «أَكَلَ فأَفْنَى» مما يدل على أنه لا ثواب له فيه؛ فإنَّ المؤمنَ يُثابُ على ما يأكله بحسب النية فيه، وكذلك يثاب على ما يلبسه بحسب النية فيه، ولكن هذان نُشَاهد فيهما الفَنَاءَ والبِلى من حيث الصورة، وما أعطاه فقد اقتناه فصار قُنْيَةً له وذخرًا. الإفصاح (8/ 162 - 163).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
هو عامّ فيمَن يبلغ بهم حبّ الدنيا والحرص على الإكثار فيها حتى يغفلوا عن طاعة الله، فيموتوا على ذلك، يقال لهم هذا في الآخرة إذا خَفَّتْ موازينهم: شُغلتُم بالإكثار من الدنيا عن طاعة الله حتى مُتُّم. لباب التفاسير (ص 3663).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
لا ينتفع العبدُ مِن ماله إلا بما قدَّمَه لنفسه، وأنفقه في سبيل الله- عز وجل-، فأما ما أَكَله ولَبِسَه فإنَّه لا له ولا عليه، إلا أن يكون فيه نيَّةٌ صالحةٌ، وقيل: بل يُثاب عليه مطلقًا، فأما ما أنفقه في المعاصي فهو عليه لا له، وكذلك ما أَمْسَكَهُ ولم يؤدِّ حقَّ الله -عز وجل- منه؛ فإنه يمثَّل له شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُه، وهو يفر منه، حتى يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ (يعني بِشِدْقَيْهِ)، ويقول: أنا مَالُكَ! أنا كَنْزُكَ! ويُلْقِمَهُ يدَه فيَقْضَمُها قَضْمَ الفَحْلِ. وإن كان المكنوز ذهبًا أو فضة جُعِلَ صفائحَ، فأُحْمِي عليها، ثم كُوِيَ بها جَبِينُه وجَبْهتُه وجَنْبُه. جزء فيه الكلام على حديث يتبع الميت ثلاث (2/ 427).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه: تحريضٌ على الزهد عن جمع الدنيا، والعُرُوضِ عنها، وتحريضٌ على الاقتصار على ما تدعو إليه ضرورة الحياة، وادِّخَار ما عداه عند الله، وما أحسنَ قولُ بعضهم: "اجعل ما عندك ذخيرةً لك عند الله، واجعل الله ذخيرةً لأَوْلادِكَ"!. دليل الفالحين (4/ 416).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده: ... بيان كراهة تأخير الوصية، ووجه الاستدلال به: أنه لما ذمّ الله -تعالى- في هذه الآية التفاخر بالأموال حتى يأتيه الموت، عَرَفْنَا أنه لا يجوز تأخير ما يتعلق بالمال من الحقوق الواجبة أو المستحبة، بل ينبغي المبادرة إلى إيصالها إلى مستحقها قبل فوات الأوان.
ومنها: أن السُّنَّة هي المبينة للمراد مِن مُجْمَلِ الكتابِ، فإذا كان هناك آراء لأهل العلم في معنى آية، ننظر فيما وردت به السُّنة القولية أو الفعلية، فنقدِّمه على سائر مُحْتَمل الكلام؛ لأن الله -تعالى- جعل بيان كتابه إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: أنَّ مال الإنسان الحقيقي هو الذي انتفع به في حياته، إمّا بما يعود نفعه إليه حالًا كالأكل والشرب واللباس، أو مآلًا كالتصدق به وصلة الرحم، وسائر وجوه البر، وأما ما عدا ذلك فهو لِوَرَثَتِه، لا يناله منه شيءٌ، بل إنما يلحقُه تبِعَاتُه، فيَحَاسَب إن كان حلالًا، من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ ويعاقب إن كان حرامًا.
فالواجب على العاقل أن يتنبَّه لهذه الدقائق، فإنَّ الندم بعد فوات الأوان هو عين الخُسران. ذخيرة العقبى (30/ 84).