الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«مَن سَمِع بالدَّجَالِ فَلْيَنْأَ عنه، فوالله إنَّ الرَّجُل لَيأْتِيهِ وهو يَحْسَبُ أنَّه مُؤْمِنٌ فيَتْبَعُهُ؛ مما يُبْعَث به مِن الشُّبُهَاتِ، أو لِما يَبْعَثُ به مِن الشُّبُهَاتِ»، هكذا قال.


رواه أحمد برقم: (19875)، وأبو داود برقم: (4319)، واللفظ له، والطبراني في الكبير برقم: (550)، من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6301)، مشكاة المصابيح برقم: (5488)


مختصر شرح الحديث


 لمَّا كانت فِتْنةُ الدَّجَّالِ مِن أعظَمِ الفِتَنِ التي تمرُّ على الناسِ، وأشدِّها خَطَرًا على الإيمانِ، حذَّر النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن التَّعَرُّضِ لها، وبيَّن شدَّةَ ما يكونُ مَعَها مِن الشُّبُهَاتِ والفِتن التي قد تزل بها القلوبُ، فقال: «مَن سَمِع بالدَّجَّال فَلْيَنْأَ عنه»، أي: مَن سمع بخروج الدجال وظُهُورِه فَلْيَبْتَعِدْ عنه، ولا يُعرِّض نفْسَهُ لِفِتْنَتِهِ؛ فإنَّ ما يُجريه الله على يديه مِن الخَوَارِقِ والشُّبُهاتِ قد يُفْتَنُ به بعضُ الناس. وقوله: «فوالله إنَّ الرَّجلَ لَيَأْتِيهِ وهو يَحسبُ أنَّه مؤمنٌ فيتَّبِعُهُ؛ لِمَا يَبْعَثُ به مِن الشُّبهات»، أي: أنَّ الرَّجُلَ يأتي الدَّجَّالَ وهو يظنُّ أنَّه قويُّ الإيمان ثابتٌ عليه، وأنَّه لن يتَأَثَّرَ بشُبُهَاتِهِ التي يُلقيها، ثم لا يزال يُلبِّس عليه ويُظهر له مِن الخَوَارِقِ والفِتَنِ ما يُزَلْزِلُ يقينَه، حتى يتَّبِعَهُ، ويَقَع في ضلالِه.

وفي الحديث: تحذيرٌ من فتنةِ الدَّجال، وأنَّ فِتْنَتَهُ عامَّةٌ، حتى لِمَن يظنُّ في نفسِه قوَّةَ الإيمان؛ لِمَا يُجْرِيهِ اللهُ على يديه مِن الشُّبُهاتِ وخَوَارِقِ العَادَاتِ. وفيه: الحثُّ على البُعْدِ عن مَوَاطنِ الفِتَنِ والشُّبُهَاتِ؛ حفاظًا على الدِّين؛ فإنَّ السَّلامةَ لا يَعْدِلُها شيءٌ. وفيه: كمالُ نُصْحِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِأُمَّتِهِ، وحِرْصُه على بيانِ طريق النَّجاة.


غريب الحديث


«بالدَّجَّالِ»:
الدَّجَّالُ: المسيح الكذاب، ودَجْلُه: سِحْره وكَذِبه؛ لأنه يَدْجُل الحقَّ بالباطل، أي: يخْلِطُهُ، وهو رَجُل من اليهود يخرج في آخر هذه الأمَّةِ. العين، للفراهيدي (6/ 80).

«فَلْيَنْأَ»:
نَأَى يَنْأَى نَأْيًا إِذا بَعُد، والنَّأْيُ: البُعْدُ، والنَّائي: البعيد. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 249).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «مَن سَمِع بالدجال فَلْيَنْأَ عنه»:
قال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«‌مَن ‌سَمِعَ ‌بالدَّجَّالِ» أي: بِخُروجِه وظُهُورِه. عون المعبود (11/ 297).
وقال ابن أرسلان -رحمه الله-:
«مَن ‌سَمِعَ ‌بالدَّجَّال فَلْيَنْأ» بنون ساكنة بعدها همزة، أي: فليبعُد عنه ما استطاع. شرح سنن أبي داود (17/ 149).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يأمر (الرسول -صلى الله عليه وسلم-) مَن لَقِيَ الدَّجّالَ أن يثبت ويَصْبِرَ (كما في حديث: «يا عباد الله اثْبُتُوا»)؛ فإنَّ لَبْثَه في الأرض قليلٌ على ما يأتي، وأمَّا مَن سَمِعَ به ولم يَلْقَه فلْيَبْعُدْ عنه، ولْيَفِرَّ بنفسه، كما خرجه أبو داود من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن سمِع بالدجال ‌فَلْيَنْأَ ‌عنه» الحديث. المفهم (7/ 279).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «من سمع بالدجال فلينأ منه» أي: من سمع بخروج الدجال، فليبعد منه. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 434).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌فَلْيَنْأَ» بفتح الياء وسكون النون وفتح الهمزة، أمْرُ غائبٍ، مِن نَأَى يَنْأَى، حذف الألف للجزم، أي: فَلْيَبْعُدْ «منه» أي: مِن الدَّجال؛ لأن البُعد عن قُرْبه سُعْد، قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} هود: 113، والرُّكُونُ: أدْنَى الْمَيْل. مرقاة المفاتيح (8/ 3480).
وقال السندي -رحمه الله-:
«‌فَلْيَنْأَ»...، أي: فلْيَبْعُدْ عنه، وهكذا حُكْمُ كلِّ دَجَّال، فالبُعد عنه خير من قُرْبِه. فتح الودود (4/ 249).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«مَن سَمِعَ به ‌فَلْيَنْأَ ‌عنه»؛ فإن الإنسان قد يأتي إليه وهو مؤمن، فلا يزال به حتى يَتَّبِعه؛ بما يبعثُ في قلبه من الشُّبهاتِ. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 576).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فكلُّ أسبابِ الفِتن يجب على المرءِ الحذر منها، والبُعْد عنها. فتاوى نور على الدرب (22/ 2).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«‌فَلْيَنْأَ ‌عنه»...، ولا يقول: أنا مؤمن وعندي إيمان، فإنه يحصل بسبب ما معه من الفتن والخوارق شَكٌّ ورَيْبَةٌ، وقد يزول ما مع الإنسان من اليقين. شرح سنن أبي داود (485/ 10).

قوله: «فوالله إنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وهو يَحْسَبُ أنه مؤمنٌ فيَتَّبِعهُ؛ مما يُبْعَث به من الشُّبهات، أو لِما يبعث به من الشُّبهات»، هكذا قال:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فوالله إنَّ الرَّجُل لَيَأْتِيهِ وهو» أي: الرجل «يحسب» بكسر السين وفتحها أي: يظنُّ «أنه» أي: الرجل بنفسه «مؤمن، فيتبعه» بالتخفيف ويُشدَّد أي: فيُطِيعُ الدَّجَّالَ؛ «مما يَبْعَثُ به» بضم أوله ويفتح، أي: مِن أَجْلِ ما يُثِيرُه ويُبَاشِرُه «مِن الشبهات» أي: المشكلات، كالسِّحْر وإحياء الموتى وغير ذلك؛ فيصير تَابِعُه كافرًا وهو لا يدري. مرقاة المفاتيح (8/ 3480).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فوالله إنَّ الرَّجُل لَيَأْتِيهِ وهو يحسب أنه مؤمن، فيَتَّبِعه؛ مما يَبْعَثُ به مِن الشبهات» يعني: أن الرجل الذي يحسب أنه مؤمن يأتي الدَّجّال فيَتَّبعه؛ مِن أجلِ ما يَبْعَثُ به، أي: يثيره من الشبهات؛ يعني: السحر، أو إحياء الأموات، وغير ذلك، فإذا أَكَّد رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- باتِّبَاعِ بعض أمَّتِه الدجال باليمين بالله سبحانه، فينبغي لمن سمع خروجه أن لا يَأْمَنَ مِن فِتْنَتِهِ، ويَبْعُدَ منه بُعْدَ الْمَشْرِقَين؛ حتى لا يقع في تلك الفتنة، فإنها عظيمة، بل أعظم الفِتَنِ، وتهْلِكُ مَن تهْلِك، والمعصوم مَن عَصَمَه الله سبحانه وتعالى. المفاتيح (5/432، 435).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «مما يَبْعَثُ به» يعني: يحسب الشخص أن نفسه مؤمن، فيَتَّبعه لأجل ما يثيره من الشبهات، أي: السحر وإحياء الميت وغير ذلك، فيصير كافرًا وهو لا يدري. الكاشف (11/ 3468).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وهو يحسب أنه مؤمن» مُوحِّد لله تعالى «فيَتَّبعه» على ضلالةٍ؛ «مما» أي: مِن كثرة ما «يُبعَث» بضم أوله وفتح ثالثه «به» أي: مما ينثره من الشبهات في كل شيء يُريه، فقد لَبَّسَه «مِن الشبهات» المشْتَبِهَة على مَن رآها أنه على الحق، كإحيائه الأموات حتى يتبعه، ويدخل فيما هو فيه من الخطأ، وفي بعضها إسقاط «به».
«أو لِمَا» شكٌّ مِن الراوي، أي: يتَّبِعه لأجل ما «يبعث به من الشبهات» يعني: أن الرجل يَحْسَب أنه مؤمن بالله فيَتَّبعه مِن أجلِ ما يظهر معه من الشبهات الْمُخَيِّلة لِسِحْرِه وتَمْويهِهِ مِن إحياء الأموات وغير. شرح سنن أبي داود (17/ 149).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فيتبعه» أي: ويرتَدّ عن دِينه...، «هكذا قال» وهذا قول بعض الرواة؛ قاله احتياطًا وورعًا. بذل المجهود (12/ 370).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «فو الله إنَّ الرَّجُل لَيَأْتِيه وهو يَحْسَب أنه مؤمنٌ فيَتَّبعه؛ لما يَبْعَث به من الشبهات» يعني: يظن الإنسان أنه يَسْلَمُ مِن فتنته، ولكن إذا رأى تلك الأمور الْمَهُولَةِ الخَارِقَة للعادة تغيَّر عما كان عليه من اليقين، ووقع في الفتنة، وإذا ابتعد عنه ولم يتَّصِلْ به ولم يَقْرَبْهُ، فإنَّ ذلك أَسْلَمُ له. شرح سنن أبي داود (485/ 10).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
مِن حِكْمَةِ الله -عز وجل-: أنه يعطيه آياتٍ فيها فِتَنٌ عظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يَدْعُوهم فيتَّبعونه فيُصْبِحُون وقد نَبَتَتْ أراضيهم، وشَبِعت مواشيهم، فتعود إليهم أَوْفَرَ ما تكون لبنًا وأَسْبَغَ ضروعًا، يعني: أنهم يعيشون برغدٍ؛ لأنهم اتبعوه.
ويأتي القومَ فيدعوهم فلا يتَّبعونه فيُصْبِحُون مُمْحِلِينَ ليس في أراضيهم شيءٌ، وهذه فِتنة عظيمة ولا سيما في الأعراب، ويمرُّ بالخَرِبَة فيقول: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فتُخرج كنُوزَها تَتَبْعُه كيَعَاسِيبِ النَّحلِ مِن ذهبٍ وفضَّة وغيرها بدون آلات وبدون أيِّ شيء، فِتنة من الله -عز وجل-، فهذه حاله ومعاملته مع أهل الدُّنيا لمن يريد التمتُّع بالدنيا أو يبأس فيها.
ومِن فِتنته: أن الله تعالى جَعَلَ معه مثل الجنة والنَّار، بحسب رؤيا العين، لكنَّ جَنَّتَه نارٌ، ونَارَهُ جنَّة، مَن أطاعه أدخله هذه الجنَّة فيما يرى النَّاسُ، ولكنها نار محرقة والعياذ بالله، ومَن عَصَاه أَدْخَله النارَ فيما يراه النَّاسُ، ولكنها جَنَّةٌ وماءٌ عَذْبٌ طيِّب؛ إذًا يحتاج الأمرُ إلى تَثْبِيتٍ مِن الله -عز وجل- إنْ لم يثبِّت اللَّهُ المرءَ هَلَكَ وضلَّ.
ومِن فِتْنَتِهِ: أنه يَخرجُ إليه شابٌ فيقول له: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فيدعوه فيأبى أن يتبعه، فيَضْربه ويَشُجّه في المرَّة الأولى، ثم يقتله، ويمرُّ بين شِقَّيهِ، ثم يدعوه فيقوم يتهلَّلُ وجهه، ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يأتي لِيَقْتُلَه فلا يُسلَّط عليه، ويعجزُ عن قتله، ولن يُسلَّط على أحد بعدَه، فهذا من أعظم النَّاس شهادة عند الله؛ لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا يتصوَّر رهبته إلا مَن باشره، يُصرِّحُ على الملأ إعذارًا وإنذارًا بأنك أنت الدَّجَّال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله. الشرح الممتع (3/193، 194).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
«فوالله إنَّ الرَّجُل لَيَأْتِيهِ وهو يَحْسَبُ أنه مؤمن فيَتَّبِعه؛ بما يبعث به من الشبهات» وهكذا نقول لك أيها الشاب بالنسبة لذهابك إلى بلاد الكُفر: تظن أنك تَقْوَى على التَّخَلُّصِ مِن البلاءِ بما في قَلْبِك مِن الإيمانِ وأنتَ في بلادِ الإسلامِ، ولكن إذا حَلَلْتَ في بلادِ الكُفْرِ فقَدْ تتغَيَّر الحالُ، فابْعُدْ عن الشرِّ تَقْرُب مِن السلامة.الضياء اللامع(2/ 360).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يستفاد من هذا الحديث: الابتعادُ عن أهلِ البِدَعِ ومُجَالَسَتِهم؛ لكونهم دَجَاجِلَة؛ وخوفًا من شُبُهَاتهم، فالإنسان الذي ليس عنده بصيرةٌ قد يتأثَّر بما عندهم من الفصاحة والبلاغة، إلا مَن عَصَمَ الله؛ ولهذا فالابتعاد عنهم أمر مطلوب.
والحكمة من خروج الدجال: أن يتبيَّن الموفَّق من المخذول، ويتبيَّن من هو قوي الإيمان ممن هو ضعيف الإيمان. شرح سنن أبي داود (485/ 10).


إبلاغ عن خطأ