«إنَّ الإيمان لَيَأْرِزُ إلى المدينةِ كما تَأْرِزُ الحَيَّة إلى جُحْرِها».
رواه البخاري برقم: (1876)، ومسلم برقم: (147)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
غريب الحديث
«لَيَأْرِزُ»:
أَرَزَ يَأْرِزُ، أُرُوْزًا: إذا تَقَبَّضَ، ودَنَا بَعْضُه مِن بَعْضٍ. لسان العرب، لابن منظور (2/ 404).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الأُرُوزُ: الانْقِبَاضُ، يُقالُ: أَرَزَ الرَّجُل، إذا تَقَبَّضَ مِن بُخْلِه. شمس العلوم (1/ 236).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
(يَأْرِزُ) أي: يَنْضَمُّ إليها، ويَجْتَمِعُ بعضُه إلى بعضٍ فيها. النهاية (1/ 37).
«الحيَّة»:
الحَيَّةُ: الأَفْعَى، تُذَكَّر وتُؤنث، فيقال: هو الحيَّة، وهي الحيَّة. المصباح المنير، للفيومي (1/ 161).
«جُحْرِها»:
الجُحْرُ: للضَّبِّ واليَرْبُوعِ والحيَّة، والجمع: جِحَرَةٌ، مثل: عِنَبة. المصباح المنير (1/ 91).
قال ابن سيده -رحمه الله-:
الجُحْرُ: كلُّ شيءٍ تَحْتَفِرُه الهَوام والسِّبَاع لأنْفُسِها، والجمعُ: أَجْحَارٌ، وجِحَرة. المحكم والمحيط الأعظم (3/ 73).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إنَّ الإيمان لَيَأْرِزُ إلى المدينة»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إن الإيمان» أي: أهل الإيمان. عمدة القاري (10/ 240).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«إن الإيمان لَيَأْرِزُ» اللام في «لَيَأْرِزُ» للتوكيد، أي: أن أهل الإيمان لَتَنْضَمُّ وتَجْتَمِع «إلى المدينة». إرشاد الساري (3/ 336).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«لَيَأْرِزُ» أي: ينضَمُّ إليها وينقَبِضُ. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 134).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
معناه: ينضَمُّ ويجْتَمِعُ، وقيل: يَرْجِعُ، كما جاء في الحديث: «لَيَعُودَنَّ كلُّ إيمانٍ إلى المدينة». مطالع الأنوار على صحاح الآثار (1/ 237).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«إن الإيمان لَيَأْرِزُ إلى المدينة» أي: يجتمع إليها بهِجْرَةِ المهاجرين. كشف المشكل (3/ 398).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: أن الإيمان والدِّين إذا لم يُعْزُّهُ أحدٌ في سائر البلاد، يلْتَجِئ ويفِرُّ إلى المدينة؛ لأنه وطَنُه؛ لأن الإسلام ظَهَرَ وقَوِيَ في المدينة، يعني: لو لم يبقَ الإيمان في غير المدينة من البلاد لبَقِيَ في المدينة. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 264).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أو المراد: أن أهلَ الإيمان يَفِرُّونَ بإيمانهم إليها؛ وقايةً بها عليه، هذا إخبار عن آخر الزمان حين يَقِلُّ أهل الإسلام. شرح المصابيح (1/ 166).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هو إخبار عن آخرِ الزمانِ، أو إخبارٌ باسْتِبَاقِ أهلِ الإيمانِ إليها. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 434).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
أي: أنَّ المؤمنين كلما شَعَروا بالخوفِ على دِينهم، وأحَسُّوا بالخطر على إسلامهم لَجَأُوا إلى المدينة، وآوَوْا إليها، كما تَأْوِي الحيَّةُ عندما تَحُسُّ بالخطر إلى جُحْرِهَا؛ لِتَأْمَنَ فيهِ على نَفْسِها. منار القاري (3/ 193).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إلى المدينة» النبوية، يعني: يجتمع أهل الإيمان فيها وينضمُّون إليها.
وفيه: أن الإيمان يزيد وينقص. فيض القدير (2/ 324).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إلى المدينة» دار هجرته -صلى الله عليه وسلم- مِن مَبْدَئِه إلى يوم القيامة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 273).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
المراد بـ «المدينة»: جميع الشام، فإنها من الشام، وخُصَّتْ بالذِّكْرِ لِشَرفها. شرح المصابيح (1/ 166).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: المراد: المدينة وجوانبها، وحواليها؛ ليَشْمَلَ مَكَّة، فيُوافِقُ رِوايَةَ الحِجَاز، وهذا أظهر، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (1/ 243).
قوله: «كما تَأْرِزُ الحيَّة إلى جُحْرِها»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «كما تَأْرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِهَا» يعني: كما تَفِرُّ الحية إلى ثُقْبَتِها حين يقصدها أحد بالقتل. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 264).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلى جُحْرِهَا» أي: ثُقْبِهَا. مرقاة المفاتيح (1/ 243).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الجُحْرُ: الكُوَّةُ. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (12/ 550).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
حُجْرُ الحيَّة: هو الذي خَرَجت منه، فلذلك تَأْرِزُ إليه، فقال: أَرَزَتِ الحيَّة إلى جُحْرها تَأْرِزُ أرْزًا، إذا انْضَمَّتْ واجْتَمَعَ بعضُها إلى بعضٍ فيه. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 239).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كما تَأْرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِهَا» أي: أنها كما تَنْتَشِرُ مِن جُحرها في طلب ما تعيش به، فإذا رَاعَها (أي: أفزعها) شيءٌ رَجَعت إلى جُحْرها، كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمنٌ له من نفسه سائق إلى المدينة؛ لمحبته في النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيشمل ذلك جميع الأزمنة. فتح الباري (4/ 93).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: كما تنْضَمُّ وتَلْجَأُ إليه إذا انتشرت في طلب ما تعيش به فَرَاعَهَا شيءٌ فرجعت إلى جُحْرِها، فكذلك أهل الإيمان. فيض القدير (2/ 324).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وجْهُ الشَّبَهِ: السُّرعة؛ لأنَّ الحيَّة ليس لها رِجل، فهي تُسرع إلى الْمَأْمَن. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (4/ 238).
وقال المناوي -رحمه الله-:
شبَّهَ انْضِمَامَهم إليها بانضمام الحية إذا رَجعت؛ لأن حَرَكَتَها أشقُّ؛ لِمَشْيِهَا على بطنها، والهجرة إليها كانت مَشَقَّة كما يشير إليه لفظ «يَأْرِزُ» الذي حروفه شديدة، دون تَنْضَمّ. فيض القدير (2/ 324).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
لعل تخصيص هذه الدابة بالتشبيه بها لأنها أشد أَرزًا، أي: انضمامًا وانقباضًا وإسراعًا؛ ولأنها لا يمكن إخراجها عن جُحْرِها بعد دخولها. لمعات التنقيح (1/ 477).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
لم أَزَل أتفكر ما وجه الشَّبَهِ بين الدِّين والحيَّة حتى شُبِّهَ بِها، فرأيتُ في حياة الحيوان أنَّ مِن خَصائصِ الحيَّة الرجوعَ إلى جُحرها، ولو قَطَعَت الصحاري والبراري، وهذا هو حال الدِّين؛ يأرز إلى المدينة، مع انتشاره بين خَوَافِقِ السماء والأرض. فيض الباري على صحيح البخاري (3/ 316).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفي التشبيه رمزٌ إلى أنهم ينْضَمُّون إليها بلا عِوَجٍ، كدخول الحية جُحْرَها، فإنه بلا عِوَجٍ. فيض القدير (2/ 324).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ومعناه: أن الإيمان أولًا وآخرًا بهذه الصِّفة؛ لأنه في أوَّل الإسلام كان كلُّ مَن خَلُصَ إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة، إما مهاجرًا مستوطنًا لها، وإما مُتَشَوِّقًا ومُتَقَربًا إلى الله تعالى لرؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- ومُتعلمًا منه، ومتبركًا بلُقْياه، ثم بعده هكذا في زمان (الخلفاء) -رضى الله عنهم-، وأَخْذ سِيرة العَدل منهم، والاقتداء بجمهور الصحابة -رضى الله عنهم- فيها، ثم مَن بعدهم مِن علمائها الذين كانوا سُرُجَ الوقت، وأئمةَ الهُدى، وأَخْذِ السنن المنشرة بها عنهم، فكان كلُّ ثابت الإيمان، ومُنْشَرح الصدر به يَرْحَل إليها، ويَفِدُ عليها. إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/ 457).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قال الداودي: كان هذا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والقَرْنِ الذي يَلِيْهِ، ومَن يَلِيه -أيضًا- حيث كان الأمر مستقيمًا. مصابيح الجامع (4/ 298).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا منه -صلى الله عليه وسلم- إخبارٌ بما كان في عَصْرِه، وعَصْرِ مَن يَلِيه من أصحابه وتابعيهم؛ مِن حيث إنَّ المدينةَ دار هِجْرتهم ومُقامهم ومقصدهم، وموضع رِحْلَتِهم في طلب العلم والدِّين، ومرجعهم فيما يحتاجون إليه من مُهِمَّات دِينهم ووقائعهم، حتى لقد حَصَلَ للمدينةِ مِن الخصوصيةِ بذلك ما لا يوجد في غيرها. المفهم (1/ 364).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وقيل: هذا في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لاجتماع الصحابة في ذلك الزمان فيها. شرح المصابيح (1/ 166).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قيل: يُحتمل أن يكون هذا إخبارًا منه -صلى الله عليه وسلم- عما كان في ابتداء الهجرة.
ويحتمل: أنه أخبر عن آخر الزمان حين يَقِلُّ الإسلامُ، فينْضَمُّ إلى المدينة، فيَبْقَى فيها، شبَّهَ الإيمانَ وفِرَارَ الناس مِن آفاتِ المخَالِفِين والتِجَاءَهُم إلى المدينة بانْضِمَامِ الحيَّة في جُحْرِها، ولعل هذه الدابة أشدّ فرارًا وانضمامًا من غيرها، فشُبِّهَ بها بمجرد هذا المعنى؛ فإن المماثلة يَكْفِي في اعتبارها بعضُ الأوصاف، والله أعلم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 627).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- معلقًا:
الأصح: أنه إخبار عن زمان الدجال، كما يدل عليه الأحاديث، والله أعلم. لمعات التنقيح (1/ 477).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقال أبو مصعب الزبيري في معنى هذا الحديث: إن المراد بالمدينة: أهل المدينة، وأنه تنبيهٌ على صحةِ مَذْهَبِهم، وسلامَتِهم مِن البدَعِ والمحدَثَاتِ، واقْتِدائِهم بالسُّنَن، فالإيمان مُجْتَمِع عندهم حيث كانوا، ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهم، واتَّبَع سَبِيلَهم. إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/ 458).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
الإيمان إنما خرج من المدينة وإليها يرجع، فأراد أن الإيمان بالمدينة آمَنُ ما كان على نفسه، كما أنَّ الحيةَ آمَنُ ما تَكُونُ إذا أَرَزَتْ إلى حُجْرِها؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد وعد بأنَّ على أَنْقَابِها الملائكة يَحْرُسُونها مِن الدَّجَّال، وأنَّ الطَّاعُون لا يَدْخُلها. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 239).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: فيه أن المدينة لا يأتيها إلا المؤمن، وإنما يَسُوقُه إليها إيمانه، ومحبَّتُه في النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكأنَّ الإيمان يَرْجِعُ إليها كما خرج منها أولًا، ومنها ينتشر كانتشار الحيَّة من جُحْرِها، ثم إذا رَاعَها (أي: أفزعها) شيء رجعت إلى جُحْرِها، فكذلك الإيمان لَمَّا دَخَلَتْهُ الدَّوَاخِلُ لم يَقْصِدِ المدينةَ إلا مؤمنٌ صحيح الإيمان. شرح صحيح البخاري (4/ 548).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وفيه: دلالةٌ على استمرار أهل المدينة إلى آخر الزمان على الشريعة والدِّين القويم، ولا دلالة فيه على أن إجماعهم حُجَّة؛ لأن هذا إنما يدل على تَمَسُّكِهم بالشريعة، وعدمِ دخولِ البدعةِ إليهم، والإجماع: اتفاق المجتهدين، ومِن البَيِّن أنَّ الأوَّل لا يستلزمه. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (4/ 238).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه: حُجَّةٌ على صحة مذهب مالكٍ في تَمَسُّكِهِ بعملِ أهلِ المدينةِ، وكوْنِهِ حُجَّة شرعية. المفهم (1/ 364).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا القرطبي:
هذا إنْ سَلِمَ اخْتُصَّ بعصر النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن، وانتشار الصحابة في البلاد، ولا سيما في أواخر الثانية وهَلُمَّ جرَّا، فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. فتح الباري (4/ 93).
وقال العيني -رحمه الله- معلقًا القرطبي:
أما بعد ذلك فقد تَغَيَّرَت الأحوالُ، وكَثُرَتِ البِدع، خصوصًا في زماننا هذا على ما لا يخفى. عمدة القاري (10/ 240).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دل هذا الحديث على أن المدينة قَلْعَةُ الإيمان، وحِصْنُه الحَصِين، الذي يأوي إليه المسلمون عند اشتداد الفتن؛ حفاظًا على دينهم.
وفيه: دليل على وجوب الهجرة على مَن خَاف الفتنة على دِينه. منار القاري (3/ 193).