«كنتُ أُطيِّبُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قبلَ أن يُحرِمَ، ويومَ النحرِ قبلَ أن يطوفَ بالبيتِ بِطِيْبٍ فيه مِسْكٌ».
رواه البخاري برقم: (1539)، ومسلم برقم: (1191) واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظٍ للبخاري: «لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ».
وفي لفظ للنسائي في الكبرى برقم: (3653): «ولِحِلِّهِ بعدَما رمى جمرةَ العَقَبَةِ قبلَ أن يطوفَ بالبيتِ».
وفي لفظ له برقم: (2688): «لا يُشْبِهُ طِيْبَكُمْ هَذَا»، تعني: ليس له بَقَاءٌ. صحيح سنن النسائي برقم: (2515)، (2518).
مختصر شرح الحديث
غريب الحديث
«مِسْكٌ»:
طِيْبٌ معروفٌ، وهو مُعْرَبٌ، والعَرَبُ تُسَمِّيْهِ الْمَشْمُومُ، وهو عندهم أفضل الطِّيبِ. المصباح المنير، للفيومي (2/ 573).
«جمرةَ»:
معروفة، وهي موضع رمي الجِمَار بمكَّة، وهي ثلاث جَمَراتٍ، والجَمْرَةُ الكبرَى بالْعقبَةِ، وطَرَفُهَا أقْصَى منى، وَسميت الكُبرى؛ لأنَّها تُرْمَى يوم النَّحْر، قاله الدَّاودِيّ. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 168).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
سُمِّيت الجمرةُ جمرةً لاجتماع الذي فيها مِن الحصى، يقال: استَجْمَرُوا: إذا تَجَمَّعُوا. حلية الفقهاء (ص: 120).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قولها: «كنتُ أطيِّبُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قبلَ أن يُحرِمَ»، وفي لفظ البخاري: «لِإِحرامِهِ حِينَ يُحرِمُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كنتُ أُطَيِّبُ» أي: أُعَطِّرُ، «رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه» أي: لأجل دخوله في الإحرام، أو لأجل إحرام حَجِّهِ، «قبل أن يُحْرِمَ». مرقاة المفاتيح (5/ 1756).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«كنتُ أُطَيِّبُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه»؛ أي: عند إحرامه، فاللام للتوقيت، كقوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء: 78؛ أي: عند دُلُوكِ الشمس، وكذلك قولها: «وَلِحِلِّهِ»، فليست للتعليل هنا بالاتفاق؛ لأنهما كانا يكونان علة للتَّطَيُّبِ؛ أعني: الإحرام والحِلَّ، بل هو نقيضُ مقصودِ الشَّرْعِ من الْمُحَرَّمِ قطعًا، وهذه الرواية -أعني: «لإحرامه»- مفسِّرة للرواية الأخرى التي قالت فيها: «لِحَرَمِهِ»... وهذا الطيب الذي ذكرته عائشة كان دُهْنًا له أثر فيه مِسْكٌ، وبهذا يجتمع خلاف الروايات في ذلك؛ وإنما كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- تَطَيَّبَ للطواف على نسائه في بيوتهن بالمدينة، في ليلةِ اليومِ الذي خَرَجَ في بَقِيَّتِه إلى ذي الحُلَيْفَةِ، فإنه بات بها، وأصبح مُحْرِمًا مِن صبيحة ليلتها، كما قد ذكرنا آنفًا، وأَحْرَمَ بعد أن صلى الظهر، كما ظَهَرَ من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- الآتي: «فاغْتَسَلَ وغَسَلَ ما كان عليه من الطِّيْبِ، غير أنه بَقِيَ عليه ما تَعَذَّرَ إزالتُه بعد الغُسْلِ مِن الرائحةِ». المفهم (3/ 274).
وقال العراقي -رحمه الله-:
حقيقة قولها: «كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-»: تَطْيِيبُ بدنه، ولا يتناول ذلك تَطْيِيبَ ثيابه، وقد دل على اختصاص ذلك ببدنه الرواية التي فيها: «حتى أَجِدَ وَبِيْصَ الطِّيْبِ في رأسه ولحيته»، وقد اتفق أصحابنا الشافعية على أنه لا يستحب تَطْيِيبُ الثياب عند إرادة الإحرام، وشذ المتولي فحكى قولًا باستحبابه وصححه في المحرر والمنهاج، وفي جوازه عندهم، والأصح الجواز، فإذا قلنا بجوازه فَنَزَعَهُ ثم لَبِسَهُ ففي وجوب الفدية وجهان، صحَّحَ البغوي وغيره الوجوب. طرح التثريب (5/ 76).
وقال النووي -رحمه الله-:
المختار الذي عليه الأكثرون والمحقِّقُون من الأصوليين: أنَّ لَفْظَة «كان» لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماضٍ يدل على وقوعه مرة، فإنْ دلَّ دليلٌ على التكرار عُمِلَ به، وإلا فلا تَقْتَضِيْهِ بِوَضْعِهَا، وقد قالت عائشة -رضي الله عنها-: «كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لِحِلِّهِ قبل أن يطوف»، ومعلوم أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يحج بعد أن صَحِبَتْهُ عائشة إلا حَجَّةً واحدة وهي حجة الوداع، فاستَعْمَلَتْ «كان» في مرة واحدة، ولا يقال: لعلها طَيَّبَتْهُ في إحرامه بعُمْرَةٍ؛ لأن المعتمر لا يحلّ له الطِّيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت أنها استَعْمَلَتْ «كان» في مرة واحدة كما قاله الأصوليون. شرح مسلم (6/ 21).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
وتُعُقّب بأن المدَّعَى تِكْرَارُهُ إنما هو التَّطَيُّب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرر التَّطَيُّبُ لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرة واحدة، ولا يخفى ما فيه، وقال النووي في موضع آخر: المختار أنها لا تَقْتَضِي تكرارًا ولا استمرارًا، وكذا قال الفخر في المحصول، وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، قال: ولهذا اسْتَفَدْنَا مِن قولهم: كان حاتمٌ يُقْرِي الضيفَ، أن ذلك كان يتكرر منه، وقال جماعة من المحققين: إنها تقتضي التكرار ظهورًا وقد تقع قرينة تدل على عدمه، لكن يُسْتَفَاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى: أنها كانت تُكَرِّرُ فِعل التَّطَيُّبِ لو تكرر منه فعل الإحرام؛ لِمَا اطَّلَعَتْ عليه مِن استِحْبَابِهِ لذلك، على أن هذه اللفظة لم تتفق الرواة عنها عليها، فسيأتي للبخاري من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك فيه هنا بلفظ: «طَيَّبْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-» وسائر الطُّرق ليس فيها صيغة "كان"، والله أعلم. فتح الباري (3/ 398).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: استحباب التَّطَيُّبِ عند الإحرام، وقد اختَلَف فيه السلف والخَلَفُ، ومذهب الشافعي وكثيرين استحبابه، ومذهب مالك في آخرين كراهيَّتَه. شرح مسلم (1/ 134).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستُدِلَّ به على استحباب التطَيُّب عند إرادة الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام، وأنه لا يضر بقاءُ لَوْنِهِ ورائحتِهِ، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهو قول الجمهور، وعن مالك: يحرم ولكن لا فدية، وفي رواية عنه: تجب، وقال محمد بن الحسن: يُكْرَهُ أن يَتَطَيَّبَ قبل الإحرام بما يبقى عينُه بَعْدَه، واحتج المالكية بأمور: منها: أنه -صلى الله عليه وسلم- اغتسل بعد أن تَطَيَّبَ؛ لقوله في رواية ابن المنتشر المتقدمة في الغسل: «ثم طاف بنسائه، ثم أصبح مُحْرِمًا»؛ فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطِّيْبِ أَثَرٌ، ويَرُدُّهُ قوله في الرواية الماضية أيضًا: «ثم أصبح مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا» فهو ظاهر في أنَّ نَضْحَ الطِّيْبِ -وهو ظُهُورُ رائِحَتِهِ- كان في حالِ إِحْرَامِه، ودعوى بعضُهُم أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا والتقدير: طاف على نسائه يَنْضَحُ طِيبًا ثم أصبح مُحْرِمًا، خلاف الظاهر، ويَرُدُّهُ قوله في رواية الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عند مسلم: «كان إذا أراد أن يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بأَطْيَبِ ما يجد، ثم أَرَاهُ في رأسه ولحيته بعد ذلك»، وللنسائي وابن حبان: «رأيتُ الطِّيْبَ في مَفْرِقِهِ بعد ثلاثٍ وهو مُحْرِمٌ» وقال بعضهم: إنَّ الوَبِيْصَ كان بقايا الدهن الْمُطَيَّب الذي تَطَيَّبَ به فزال وبقي أثرُه من غير رائحة، ويَرُدُّه قول عائشة: «يَنْضَحُ طِيبًا»، وقال بعضهم: بقي أَثَرُهُ لا عَيْنُه، قال ابن العربي: ليس في شيء مِن طُرق حديث عائشة أنَّ عَيْنَهُ بَقِيَتْ انتهى، وقد روى أبو داود وابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: «كنا نُضَمِّخُ وُجُوهَنَا بالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ قبل أن نُحْرِمَ ثم نُحْرِمُ فنَعْرَقُ فيَسِيْلُ على وجوهنا ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يَنْهَانَا»، فهذا صريح في بقاء عين الطيب، ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا مُحْرِمِين، وقال بعضهم: كان ذلك طِيبًا لا رائحة له؛ تَمَسُّكًا برواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة: «بِطِيْبٍ لا يُشْبِهُ طِيْبَكُم» قال بعض رواته: يعني: لا بقاء له، أخرجه النسائي، ويَرُدُّ هذا التأويلَ ما في الذي قبله، ولِمُسْلم من رواية منصور بن زاذان عن عبد الرحمن بن القاسم: «بِطِيْبٍ فيه مِسْكٌ»، وله من طريق الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم: «كأَنِّي أَنْظُرُ إلى وَبِيْصِ المسك»، وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: «بأَطْيَبِ ما أَجِدُ»، وللطحاوي والدارقطني من طريق نافع عن ابن عمر عن عائشة: «بالغَالِيَةِ الجَيِّدَةِ»، وهذا يدل على أن قولها: «بِطِيْبٍ لا يُشْبِهُ طِيْبَكُم» أي: أَطْيَبَ منه، لا كما فهِمَه القائل -يعني: ليس له بقاء-، وادَّعى بعضهم أن ذلك مِن خصائصه -صلى الله عليه وسلم- قاله المهلب وأبو الحسن القصار وأبو الفرج من المالكية، قال بعضهم: لأن الطِّيب مِن دواعي النكاح فنَهَى الناسَ عنه، وكان هو أَمْلَكَ الناسِ لِإِرْبِهِ ففَعَلَه، ورجَّحَه ابن العربي بكثرةِ ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقد ثبت عنه أنه قال: «حُبِّبَ إليَّ النساءُ والطِّيبُ» أخرجه النسائي من حديث أنس، وتُعُقِّبَ بأن الخصائص لا تَثْبُتُ بالقياس، وقال المهلب: إنما خُصَّ بذلك لِمُبَاشَرَتِهِ الملائكة لأجل الوحي، وتُعُقِّبَ بأنه فرع ثبوت الخصوصية وكيف بها، ويَرُدُّها حديثُ عائشة بنت طلحة المتقدم، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت: «طَيَّبْتُ أَبِي بالمسك لِإِحْرَامِه حين أَحْرَمَ»، وبقولها: «طَيَّبْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بيديَّ هاتين» أخرجه الشيخان من طريق عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عنها، وسيأتي من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: «وأَشَارَتْ بِيَدَيْهَا»، واعتذر بعضُ المالكية بأن عَمَلَ أهلِ المدينة على خلافه، وتُعُقِّبَ بما رواه النسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لما حَجَّ جمع ناسًا من أهل العلم منهم القاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن التطيُّب قبل الإفاضة؟ فكلهم أَمَرَ به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين قد اتفقوا على ذلك، فكيف يُدَّعَى مع ذلك العَمَلُ على خِلافِهِ؟! فتح الباري (3/ 398- 399).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
قد تبين مما تقدم من التحقيقات أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز استعمال الطِّيب عند إرادة الإحرام، ولو كان يبقى أَثَرُهُ بعد الإحرام هو الحق؛ لكونه سنةً ثابتةً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا ثبتت السُّنة بطل القياس، ولقد أحسن مَن قال، وأجاد في المقال:
إذا جالت خيولُ النصِّ يومًا *** تُجَارِي في ميادينِ الكفاحِ
غدت شُبَهُ القِيَاسِيِّينَ صَرْعَى *** تطيرُ رؤوسهنّ مع الرياحِ
والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (22/ 205).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد شَبَّهَ بعضُ الفقهاء الطِّيب قبل الإحرام بالْوَاطِئِ قبل الفجر يُصْبح جُنبًا بعد الفجر، ولم يكن له أن يُنْشِئَ الجنابة بعد الفجر، وهو قياس صحيح إن شاء الله، ولكنَّ الكاره للمُحْرِم أن يشمَّ الطِّيب بعد إحرامه إذا أجاز التطيب قبل الإحرام، مُنَاقض تارك للقياس؛ لأنّ الاستمتاع من رائحة الطِّيب لمن تطيب قبل إحرامه أكثر مِن شَمِّهِ مِن غيره، والله أعلم، وهم لا يُجِيْزُونَ مَسَّ الطيب اليابس ولا حَمْلُه في الخِرَقِ إذا ظهر ريحه، وهذا كله دليل على صحة قول مَن كَرِهَ الطِّيب للمُحْرِم، وهو الاحتياط، وبالله التوفيق. التمهيد (2/ 285- 286).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ظاهره يقتضي أنها كانت تُطَيِّبُه بما يقع عليه اسم طِيب مما له رائحة، وقد يحتمل أن يكون مِن الطِّيب الذي لا تَبْقَى رائحتُه، وقد رُوي ذلك مفسَّرًا أنها قالت: «طَيَّبْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لإِحْلَالِهِ، وطَيَّبْتُهُ لإِحْرَامِهِ طِيْبًا لا يُشْبِهُ طِيْبَكُم هذا» يحتمل أن تريد ليس لرائحته بقاء...
وقال القاضي أبو الحسن: إن ذلك عند مالك على الكراهية لا على التحريم، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي: ليس بممنوع لأحد يريد الإحرام، والدليل على منع ذلك لغير النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال للذي سأله، وقد أَحْرَمَ بعمرةٍ وهو لابسٌ جُبَّةً مُضَمّخًا بِطِيبٍ: «اغْسِلْ عنْكَ الطِّيب، وانْزعِْ الجُبَّةَ، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجَّتِكَ»، فأَمَر السائل بغسل طيبٍ تَطَيَّب به قبل إحرامه، وخَلْعِ مَخِيْطٍ لَبِسَهُ قبل إحرامه، وهذا نص في موضع الخلاف، فإما أن يكون ما طُيِّبَ به -صلى الله عليه وسلم- مما لا تبقى له رائحة بعد الإحرام فيُجْمَعُ بين الحديثين، ويكون حُكْمُهُ في ذلك حُكْمَها، وإما أن يكون ما تُطُيِّبَ به -صلى الله عليه وسلم- قبل إحرامه مما تبقى ريحه فيكون حُكْمُهُ في ذلك مُخَالفًا لِحُكْمِهَا حين أمر الواجد منها بغسله ولم يغسله هو في حقه ولذلك وجد؛ لأن الطيب من دواعي النكاح الْمُحَرَّمِ على الْمُحْرِمِ، وهو -صلى الله عليه وسلم- معصوم ونحن غير معصومين. المنتقى شرح الموطأ (2/ 201).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
إن شاء الْمُحْرِمُ أن يتَطَيَّبَ في بدنه فهو حَسَنٌ، ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعله ولم يأمر به الناس، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر أحدًا بعبارة بعينها. مجموع الفتاوى (26/ 107).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلف الفقهاء فيمَن تَطَيَّبَ بعد إحرامه جاهلًا أو ناسيًا؛ فكان مالك يرى الفدية على كل مَن قصد إلى التطيب بعد إحرامه، عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا، إذا تعلق بيده أو ببدنه شيء منه، والطِّيْبُ: المسك، والكافور، والزعفران، والوَرْسُ، وكل ما كان معروفًا عند الناس بأنه طِيْبٌ لِطِيْبِ رائحته، وأما شَمُّ الرياحين، والْمُرُورِ في سوق الطِّيب -وإن كان ذلك مكروهًا عنده- فإنه لا شيء على مَن وصل إليه رائحته إذا لم يَعْلَقْ بيديه أو بدنه منه شيء، وقال الشافعي: إن تطيب جاهلًا أو ناسيًا فلا شيء عليه، وإن تطيب عامدًا فعليه الفدية، قال: والفرق في التطيب بين الجاهل والعامد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الأعرابي وقد أَحْرَمَ وعليه خَلُوقٌ بِنَزْعِ الجُبَّةِ وغَسْلِ الصُّفْرَةِ، ولم يأمره بفديةٍ، ولو كانت عليه فدية لأَمَرَه بها كما أمره بنزع الجُبَّة، لم يختلف قول الشافعي في الجاهل، واختَلف قوله في الناسي يَلْبَسُ أو يَتَطَيَّب ناسيًا؛ فمرَّة أَوْجَبَ عليه الفدية، ومرَّةً لم يرَ عليه فِدْيَة. التمهيد (2/ 286).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيُسْتَفَادُ مِن حديث عائشة: أن استدامة الطِّيب للمُحْرِم ليست حرامًا وهذا صحيح، والعلماء أخذوا من هذا قاعدة وقالوا: إن الاستدامة أقوى من الابتداء، فالطِّيب للمُحْرم استدامته جائزة وابتداؤه لا يجوز، (و) الرَّجْعَةُ للمحرم -يعني: إذا راجع زوجته وقد طلقها- جائزة، وابتداء عقد النكاح لا يجوز، وهذه القاعدة صحيحة وسليمة.
وقول عائشة: «كنتُ أطيّب» يستفاد منه: أنه يجوز للرجل أن يستخدم زوجته في حوائجه الخاصة كالتطيب. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 376).
قولها: «ويومَ النحرِ قبلَ أن يطوف بالبيتِ»، وفي لفظ النسائي: «ولِحِلِّهِ بعدما رمى جمرةَ العقبةِ قبلَ أن يطوفَ بالبيتِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ويوم النحر» يعني: كنتُ أطيّبه يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، «قبل أن يطوف بالبيت» أي: طواف الزيارة. شرح المصابيح (3/ 315).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «ولإِحْلَالِهِ قبل أن يطوف بالبيت» أي: كنتُ أُطَيّبه لخروجه من الإحرام برمي جمرة العقبة والحلق قبل أن يطوف بالكعبة طواف الإفاضة، فإنَّ المحْرِم إذا رمى جمرة العقبة وحَلَقَ أو قَصَّر له كل شيء من محظورات الإحرام إلا النساء، وهذا هو التحلل الأول. المنهل العذب المورود (10/ 292).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقولها: «ولِحِلِّهِ قبلَ أن يطوف بالبيت»؛ أي: عند حِلِّهِ، وقد نَصَّتْ على أن ذلك قبل طواف الإفاضة، وذلك إنما كان بعد جمرة العقبة. المفهم (3/ 275).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولِحِلِّهِ» أي: تَحَلُّلِهِ مِن محظورات الإحرام بعد أن يرمي ويَحْلُق «قبل أن يطوف بالبيت» طواف الإفاضة. إرشاد الساري (3/ 107).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أن يَطُوفَ بالبيت» الحِلُّ: الخروج من الإحرام؛ يعني: إذا رمى المحْرِمُ يومَ العيد سبع حصيات بجمرة العقبة جاز أن يَطَّيَّبَ بما شاء من الطيب قبل أن يطوف طواف الفرض. المفاتيح (3/ 265).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولِحِلِّهِ قبلَ أن يطوف بالبيت» أي: لأجل إِحْلَالِهِ مِن إحرامه قبل أن يطوف طواف الإفاضة، وسيأتي في اللباس من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: «قبل أن يفيض» وللنسائي من هذا الوجه: «وحين يريدُ أنْ يَزُورَ البيتَ» ولمسلم نحوه من طريق عَمْرَةَ عن عائشة، وللنسائي من طريق ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة: «ولِحِلِّهِ بعد ما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت»، واستدل به على حِلِّ الطِّيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمر امتناع الجماع ومُتَعَلَّقَاتِه على الطواف بالبيت، وهو دالٌّ على أن للحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ، فمَن قال: إنَّ الحَلْقَ نسُكٌ -كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية- يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه، ويؤخَذُ ذلك مِن كَوْنِه -صلى الله عليه وسلم- في حجَّتِه رمَى ثم حَلَقَ ثم طافَ، فلولا أنَّ الطِّيب بعد الرمي والحَلْقِ لِمَا اقتصرت على الطواف في قولها: «قبل أن يطوف بالبيت»، قال النووي في شرح المهذب: ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسكٍ إلا الشافعي، وهو في رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، واستدل به على جواز استدامة الطيب بعد الإحرام، وخالف الحنفيةُ فأوجبوا فيه الفدية؛ قياسًا على اللُّبْسِ، وتُعُقِّب بأن استدامة اللُّبْسِ لُبْسٌ، واستدامة الطيب ليس بطيبٍ، ويظهر ذلك بما لو حَلَفَ، وقد تقدم التعقب على من زعم أن المراد: بَرِيْقُ الدهن أو أَثَرُ الطِّيب الذي لا رائحة له بما فيه كفاية. فتح الباري (3/ 399- 400).
وقال الديوبندي -رحمه الله-:
قوله: «ولِحِلِّهِ قبلَ أن يطوف... إلخ»، قيل: إنَّ الْمُحَلِّلَ عندنا هو الحَلْقُ، وإنما يظهر تحليله في حق الجماع بعد طواف الزيارة، وقيل: بل الْمُحَلِّلُ اثنان: الحلق، والطواف؛ فالأول: مُحَلِّلٌ لجميع المحظورات غير الجماع؛ والثاني: مُحَلِّلٌ للجماع، وكيفما كان يحل له بعد الحلق كل شيء إلا الجماع، وقيل: إلا الجماع والطيب، وهو رواية شاذة. فيض الباري (3/ 183).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأما الطيب للحِلِّ بعد رمي جمرة العقبة فرخَّص فيه ابن عباس وابن الزبير وعائشة، والنخعي وخارجة بن زيد، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وأبي ثور على ظاهر حديث عائشة، وكرهه سالم، وهو قول مالك، قيل لابن القاسم: فإنْ فَعَلَ أَفَتَرَى عليه الفدية؟ قال: لا أرى عليه شيئًا؛ لِمَا جاء في ذلك، رواها أبو ثابت عنه، وقال ابن المنذر: أجمع عوامُّ العلماء أنَّ للمُحْرِمِ أن يأكل الزيت والسمن والشَّيْرَجَ (هو دهن السمسم، وقد يطلق على الدهن الأبيض)، وأن له أن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته، فإنْ استعمله في رأسه ولحيته افتدى، وأجمعوا أن الطيب لا يجوز له استعماله في بدنه، ففَرَّقُوا بين الطِّيب والزيت في هذا الوجه، فقياس هذا أن يكون المحرم ممنوعًا من استعمال الطيب في رأسه كما مُنع في بدنه، وأن يجب له استعمال السمن والزيت في رأسه كما أُبِيْحَ له في بدنه، وكلهم أَوْجَبَ في دهن البَنَفْسَجِ الفدية إلا الشافعي فإنه قال: ليس بطيبٍ، وإنما يُستعمل للمنفعة. شرح صحيح البخاري (4/ 209).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقولها: «ولحِلِّه»: فأما بعد تمام النسك والحِلاق وطواف الإفاضة وتمام عمل الحج فلا خلاف فيه ولا كراهة، وهذا يأتي على قولها في بعض الأحاديث: «لِحِلِّهِ»، وأما على أكثر الروايات: «ولحلِّه قبل أن يفيض»، وإنما يكون بعد رمي جمرة العقبة، فكرهه مالكٌ ولم يَرَ عليه دمًا، وعامة العلماء على جواز ذلك حينئذٍ، وحُجَّتُهم هذا الحديث. إكمال المعلم (4/ 193).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقولها: «ولِحِلِّهِ قبلَ أن يطوف بالبيت» يستفاد منه: أنَّ الْمُحْرِمَ يحِلُّ في الحج قبل أن يطوف البيت، ولكن هذا الحِلَّ هو التحلل الأول أو الأصغر كما يعبِّر عنه بعض الناس، أما الثاني فلا يكون إلا بعد الطواف والسعي.
ويستفاد من الحديث: أنه لا حِلَّ قبل الطواف، وأنه لا يحِلُّ التحلل الأول برمي جمرة العقبة كما قال به كثير من أهل العلم، فالصواب: أنه لا يحل إلا بالرمي والحلق أولًا؛ لأنه ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كان ذكر الحلق ضعيفًا، ولكن يؤيده حديث عائشة هذا فإنها قالت: «ولِحِلِّهِ قبل أن يطوف»، ولو كان يحلّ قبل الحلق لقالت: ولِحِلِّهِ قبل أن يحلق.
ثانيًا: أننا إذا قلنا: لا تحل إلا بعد الحلق كان ذلك أحوط، فإنه لو أخّر الحلّ إلى ما بعد الحلق لم يقل أحد: إنك آثم، ولو حلّ قبل أن يحلق لقال له كثير من العلماء: إنك آثم، فيكون هذا أحوط وأبرأ للذمة.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يتطيب عند حِلِّهِ وهذه سُنَّة، كثير من الناس إما أنه يجهلها أو يفرط فيها. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 376).
وقال عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على استحباب الطيب بعد التحلل الأول وقبل الطواف بالبيت.
ويستفاد من ذلك: استحباب التجمُّل والتطيُّب عند الذهاب إلى العبادات في المساجد، ولا سيما المجامع الكبيرة، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأعراف: 31، والله تعالى أعلم. منحة العلام (5/ 221).
قولها: «بطيبٍ فيه مِسْكٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بطيبٍ» متعلق بـ«أُطيّب»، «فيه مسك» يدل على طهارته، وجاء في رواية متفق عليه أيضًا أنه «ذَرِيْرَة» ولا تنافي؛ إذ لا مانع أنهم كانوا يخلطون الذريرة بالمسك، وفي القاموس: الذّرُورُ عطر كالذَّرِيْرَةِ. مرقاة المفاتيح (5/ 1756).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: جواز استعمال المسك والتطيُّب به وطهارته، وقد ذكر بعضهم الإجماع عليه. إكمال المعلم (4/ 190).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
1-استحباب الطيب قُبَيْلَ عَقْدِ الإحرام؛ ليبقى أثره معه أثناء إحرامه.
2-الحكمة في تحريم الطيب على المحرم هي: البعد عن التنعم، وملاذ الحياة الدنيا، وأن يجمع همه لمقاصد الآخرة.
3-ولاية المرأة شؤون زوجها الخاصة، وقيامها عليها، وأنَّ هذا من حسن العشرة.
4-استحباب التجَمُّل والتطَيُّب عند الذهاب إلى العبادات في المساجد، لا سيما المجامع الكبيرة، فقد قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأعراف: 31. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 73).