الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«فَضْلُ صلاة الجميع على صلاة الواحد خَمْسٌ وعشرون درجة، ‌وتَجْتَمِعُ ‌ملائكةُ ‌الليلِ، ‌وملائكةُ ‌النهار في صلاة الصبح، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} الإسراء: 78».


رواه البخاري برقم: (4717)، ومسلم برقم: (649)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند البخاري برقم: (645)، ومسلم برقم: (650)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنه -: «صلاةُ ‌الجماعةِ ‌تَفْضُلُ ‌صلاةَ ‌الفَذِّ ‌بسَبْعٍ ‌وعِشْرِين ‌درجةً».  


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


{مَشْهُودًا}:
أَي مَحْضُورٌ يَحضُره ...يعني: صلاة الفجر يحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار. لسان العرب، لابن منظور(3/ 240).

«الفَذِّ»:
أي: المُنفردِ المُصلِّي وحده. مطالع الأنوار لابن قرقول(5/ 207).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «فَضْلُ صلاةِ الجَمِيْعِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: فضل صلاة الواحد في جماعة على صلاته منفردًا. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 495).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «صلاة الجميع» أي: في الجميع، يعني: صلاة الجماعة. الكواكب الدراري (4/ 139).
وقال السندي -رحمه الله-:
الإضافة لأدنى ملابسة، أي: صلاة أحدكم مع الجمع أي الجماعة، أو بحذف المضاف أي صلاة آحاد الجميع، وإلا فليس المطلوب تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاته باعتبار الحالين. حاشية السندي على سنن النسائي (1/ 241).

قوله: «على صلاة الواحد»:
قال الهرري -رحمه الله-:
أي منفردًا. الكوكب الوهاج (9/ 82).

قوله: «خمسٌ وعشرون درجةً»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: جزءًا من الثواب. الكوكب الوهاج (9/ 82).
وقال ابن رجب -رحمه الله- (بعد أن ساق أحاديث تضعيف صلاة الجماعة):
المراد بهذه الأجزاء والأضعاف والدَّرَج: معنى واحد -والله أعلم-، وهو: أن صلاة الفَذِّ لها ثوابٌ مُقَدَّرٌ معلوم عند الله، تزيد صلاة الجماعة على ثواب صلاة الفذ خمسةً وعشرين، أو سبعة وعشرين. فتح الباري (6/ 15).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «درجةً» تمييز العدد المذكور، وفي الروايات كلها التعبير بـ«درجة»، أو حذف التمييز، إلا طرق حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ففي بعضها «ضِعْفًا»، وفي بعضها «جزءًا»، وفي بعضها «درجة»، وفي بعضها «صلاة»، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس -رضي الله عنه-، والظاهر أن ذلك مِن تَصَرُّف الرواة، ويحتمل: أن يكون ذلك من التَّفَنُّنِ في العبارة. البحر المحيط الثجاج (14/ 188).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
السر في الأعداد خَفِيٌّ لا يَعْلَمُ حقيقتها إلا الله، نعم، يحتمل: أن يقال في مناسبة الخَمْسِ والعشرين: أن صلوات اليوم والليلة خمس، فإذا ضُرِبَتْ في نفسها بلغت ذلك، فأُرِيْدَ تضعيف ثوابها على الانفراد بذلك؛ لمناسبته من جنس الأصل، ويحتمل: أن الأربعة لما كانت تؤلَّف منها العشرة، فيقال: واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة، ومن العشرات المئات، ومن المئات الألوف، فكانت أصل جميع مراتب العدد، ومع ذلك زِيْدَ عليها واحد مبالغة، ثم ضعفت بعدد الصلوات الخمس مبالغة أخرى. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (3/ 263).
وقال النووي -رحمه الله-:
في رواية: «إن صلاة الجماعة تَفْضُلُ صلاة المنفرد بخمسةٍ وعشرين جزءًا»، وفي رواية: «بخمس وعشرين درجة»، وفي رواية: «بسبع وعشرين درجة» والجمع بينها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا منافاة بينها، فذِكْرُ القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطلٌ عند جمهور الأصوليين.
والثاني: أن يكون أَخْبَرَ أولًا بالقليل ثم أَعْلَمَهُ الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها.
الثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيأتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك، فهذه هي الأجوبة المعتمدة، وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا غفلة من قائله، فإن في الصحيحين: «سبعًا وعشرين درجة» «وخمسًا وعشرين درجة» فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (5/ 151).
وقال الكوراني -رحمه الله- متعقبًا:
وقيل: التفاوت إنما هو باعتبار حال المصلي، وكثرة الجماعة، وشرف البقعة، وعلى حسب الخشوع والخضوع، وفيه نظر؛ لأن ذلك التفاوت لا ينحصر في عدد، بل يصل إلى مرتبة لا يعلمها غير الله؛ لقوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} البقرة: 261.
فالصواب: أن سبعًا وعشرين لكل من صلى بالجماعة حيث كان، سواء كانت الجماعة قليلًا أو كثيرًا، وأما تلك الزيادات مفوَّضة إلى علم الله تعالى. الكوثر الجاري (2/ 162).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
...واختُلف في أيهما أرجح؟ فقيل: رواية الخَمْسِ؛ لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبعِ؛ لأن فيها زيادةً مِنْ عَدْلٍ حافظٍ... ثم إن الحكمةَ في هذا العدد الخاص غير محقَّقَةِ المعنى، ونَقَلَ الطيبي عن التوربشتي ما حاصله: إن ذلك لا يُدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوة التي قَصَرَتْ علوم الأَلِبَّاء عن إدراك حقيقتها كلها، ثم قال: ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مُصْطَفِّيْنَ كصفوف الملائكة، والاقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك. فتح الباري (2/ 132-133).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وقد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة، قال ابن الجوزي: وما جاؤوا بطائل... وقد نقَّحْتُ ما وقفتُ عليه من ذلك، وحذفتُ ما لا يختص بصلاة الجماعة، فأولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله، كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة، سادسها: انتظار الجماعة، سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، ثامنها: شهادتهم له، تاسعها: إجابة الإقامة، عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفرُّ عند الإقامة، حادي عاشرها: الوقوف منتظرًا إحرامَ الإمام أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها، ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك، ثالث عشرها: تسوية الصفوف وسدُّ فُرَجِهَا، رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده، خامس عشرها: الأمن من السهو غالبًا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه، سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبًا، سابع عشرها: تحسين الهيئة غالبًا، ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به، تاسع عشرها: التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض، العشرون: إظهار شعائر الإسلام، الحادي والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل، الثاني والعشرون: السلامة مِن صفة النفاق ومِن إساءة غيره الظن بأنه تَرَكَ الصلاة رأسًا، الثالث والعشرون: ردُّ السلام على الإمام، الرابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعَوْد بركة الكامل على الناقص، الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات، فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمرٌ أو ترغيب يخصه، وبقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما: الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، والتأمين عند تأمينه؛ ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية، والله أعلم.
تنبيهات:
الأول: مقتضى الخصال التي ذكرتُها: اختصاص التضعيف بالتجمُّع في المسجد، وهو الراجح في نظري كما سيأتي البحث فيه، وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكرته ثلاثة أشياء وهي: المشي والدخول والتحية، فيمكن أن تُعَوَّضَ من بعض ما ذُكِرَ مما يشتمل على خصلتين متقاربتين أُقِيْمَتَا مقام خصلة واحدة كالأخيرتين؛ لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة عود بركة الكامل على الناقص، وكذا فائدة قيام نظام الألفة غير فائدة حصول التعاهد، وكذا فائدة أَمْنِ المأمومين من السهو غالبًا غير تنبيه الإمام إذا سها، فهذه ثلاثة يمكن أن يُعَوَّضَ بها الثلاثة المذكورة فيحصل المطلوب.
الثاني: (و) لا يَرِدُ على الخصال التي ذكرتها كون بعض الخصال يختصُّ ببعضِ مَن صلى جماعة دون بعضٍ كالتبكير في أول الوقت وانتظار الجماعة وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك؛ لأن أجر ذلك يحصل لقاصده بمجرد النية ولو لم يقع كما سبق والله أعلم.
الثالث: معنى الدرجة أو الجزء: حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمُجْمَعِ، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مُبَيَّنًا في بعض الروايات. فتح الباري (2/ 133-134).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والذي تستريح إليه النفس: أن التضعيف إلى خمس وعشرين عامٌّ في الجماعات في أي مكان، مع تقرير نوعٍ زائدٍ من الفضل للجماعة في المسجد، ونوعٍ أكثر زيادة من الفضل للجماعة في مسجد الجماعة. وهذا الرأي يعمُّ كلَّ الأحاديث مطلقها ومقيدها، خصوصًا ورواية البخاري التي قارَنَتْ بين المسجد وبين البيت والسوق جاءت بلفظ المضاعفة، وقد تُطلق المضاعفة على الْمِثْلَيْنِ كما تطلق على المثل. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (3/ 377).

قوله: «‌وتجتمع ‌ملائكة ‌الليل»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«وتجتمع الملائكة» لأن الفجر وقت صعودهم بعمل الليل، ووقت نزول طائفة أخرى لضبط عمل النهار. الكواكب الدراري (5/ 40).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وهؤلاء الملائكة، يحتمل: أنهم الْمُعَقِّبَات، وهم الحَفَظَةُ، ويحتمل: أنهم كَتَبَةُ الأعمال. فتح الباري (4/ 327).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قيل: هم الحَفَظَة، وقيل: غيرهم، وأُيِّدَ بأنَّ الحفظة لم يُنْقَل أنهم يفارقونه، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنهم لو كانوا الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: «كيف تركتم عبادي؟»، ثم المراد باجتماعهم: أنهم يشهدون الصلاة في جماعة، أو هو أعم. فيض القدير (4/ 435).

قوله: «‌وملائكة ‌النهار»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وملائكة النهار» الذين ينزلون من السماء عِوَضًا عن ملائكة الليل الذين يصعدون إليها. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 495).

قوله: «في صلاة الصبح»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«في صلاة الفجر» متعلق بـ«تجتمع»، فيحتمل: أنهم يصلون مع المسلمين، وأنه تتوفر جمع جماعة الفجر بفريقي الملائكة، ويحتمل: أن المراد أنهم يشهدون الصلاة وإن لم يصلوا. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 495).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
ووجه اختصاصه (يعني: اجتماع الملائكة) بصلاة الفجر: أنه جَعَلَ بُعْدَ الممشى سببًا في زيادة الأجر؛ لأجل المشقة، والمشي لصلاة الفجر أشقُّ منه لغيرها؛ لمصادفة ذلك الظُّلْمَة، ووقت النومة المشتهاة طبعًا، قاله ابن المنير. مصابيح الجامع (2/ 298).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وليس في هذا (يعني: في ذكر الفجر دون العصر) دفع لاجتماعهم في صلاة العصر؛ لأن المسكوت عنه قد يكون في معنى المذكور سواء، ويكون بخلافه. التمهيد (19/ 51).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال (يعني: ابن عبد البر): ويحتمل: أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية، وبَحْثُهُ الأول مُتَّجِهٌ؛ لأنه لا سبيل إلى ادِّعَاء توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة، ولِمَ لا يقال: إن رواية مَن لم يَذكر سؤال الذين أقاموا في النهار واقع من تقصير بعض الرواة. فتح الباري (2/ 36).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قال عياض: والحكمة في اجتماع الملائكة في هاتين الصلاتين: من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم؛ بأن جعل اجتماع ملائكة في حال طاعةِ عبادِهِ لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/ 380).

قوله: «يقول أبو هريرة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال أبو هريرة» -رضي الله عنه-، ظاهر هذا أنه من قول أبي هريرة -رضي الله عنه-، وليس من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن أَخْرَجَ الترمذي في التفسير، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} الإسراء: 78، قال: «تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا ظاهر في كونه مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويمكن أن يجمع بينهما: بأنَّ أبا هريرة -رضي الله عنه- كان تارةً يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتارة يَذْكُرُهُ عن نفسه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (14/ 189).

قوله: «اقرؤوا إن شئتم: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} الإسراء: 78»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«اقرءوا إن شئتم» أي: إن أردتم أن تعرفوا مِصْدَاقَ ذلك من كتاب الله تعالى، فاقرؤوا هذه الآية «{ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} الإسراء: 78» بالنصب عطفًا على الصلاة، من قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء: 78، أي: وأقم قرآن الفجر، أو منصوب على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجر، على رأي من يقول: إن أسماء الأفعال تعمل مقدرة، ويُقَدَّر على رأي غيرهم: الْزَمْ قرآنَ الفجر، «{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ} الإسراء: 78» أي: صلاة الصبح، سميت قرآنًا، وهو القراءة؛ لأنها ركن منها، لا تجوز الصلاة إلا بها، كما سُميت ركوعًا، وسجودًا، وقنوتًا -أي: قيامًا-، وإنما خَصَّ القراءة بالتسمية هنا للحث على تطويل القراءة فيها. البحر المحيط الثجاج (14/ 189).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ومعنى {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} الإسراء: 78: القراءة في صلاة الفجر. التمهيد (19/ 51).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} الإسراء: 78» كناية عن صلاة الفجر؛ لأن الصلاة مستلزمة للقرآن. الكواكب الدراري (5/ 40).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفائدة تسمية الصبح بالقرآن: الحث على طول القراءة فيها، فيَسمع القرآن، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 901).

قوله: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ}:
قال ابن رجب -رحمه الله-:
يعني: صلاة الصبح، يتدارك فيه الحَرَسَان ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار. فتح الباري (4/ 327).

قوله: «{كَانَ مَشْهُودًا} الإسراء: 78»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«{كَانَ مَشْهُودًا} الإسراء: 78» أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. إرشاد الساري (7/ 209).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«{مَشْهُودًا} الإسراء: 78» محضورًا فيه. الكواكب الدراري (5/ 40).
وقال السندي -رحمه الله-:
ولا يخفي أن طائفةً من الملائكة على البَدَلِيَّةِ تشهد الصلوات كلها، وكِلْتَا الطائفتين لا يحضرون صلاة الفجر أو العصر بتمامهما أيضًا؛ لقولهم: «تركناهم وهم يصلُّون»، فكأنهم يشهدون القرآن جميعًا، ثم تَذْهَبُ طائفة عند تمام الركعة الثانية من الفجر، أو الرابعة من العصر قبل الفراغ من الصلاة فليتأمل، والله تعالى أعلم. حاشية السندي على سنن النسائي (1/ 242).
قال العنيني -رحمه الله-:
يعني: تشهده ملائكة الليل والنهار، أو يشهده الكثير من المصلِّين في العادة، أو مِن حقِّه أن يكون مشهودًا بالجماعة الكثيرة. نخب الأفكار (3/ 348).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قد بيَّن في هذا الباب المعنى الذي أوجب التفضيل لشهود الفجر في جماعة، وهو اجتماع ملائكة الليل والنهار فيها، ولقد قال عمر بن الخطاب: "لَأَنْ أَشْهَدَ الفجر في جماعةٍ أحب إليَّ من أن أقوم ليلة"، وقد روى أبو هريرة عن الرسول أن ملائكة الليل والنهار يجتمعون في صلاة العصر أيضًا، قال المهلب: فلما خَصَّ الفجر بشهود الملائكة لها، وكان مثل ذلك في صلاة العصر، وأشبهت الفجر في هذه الفضيلة، أمر الرسول بالمحافظة على العصر؛ ليكون مَن حَضَرَهُمَا تَرفع الملائكة عمله، وتشفع له.
قال المؤلف (يعني: نفسه): ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة في الفجر والعصر هما الدرجتان الزائدتان على الخمسة والعشرين جزءًا في سائر الصلوات التي لا تجتمع الملائكة فيها، والله أعلم، وإنما قلت هذا من قول أبي هريرة: سمعت الرسول يقول: «تفضل صلاة الجماعة صلاةَ أحدكم وَحْدَهُ بخمسة وعشرين جزءًا، وتَجْتَمِعُ ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر»، فذَكَرَ اجتماع الملائكة في الفجر بواو فاصلة، واستأنف الكلام، وقَطَعَهُ من الجملة المتقدمة، فدلَّ ذلك على أن اجتماع الملائكة يوجب فضلًا ودرجة زائدة على الخمسة وعشرين، فصارتا درجتين للفجر والعصر، ليستا لغيرهما من الصلوات. شرح صحيح البخاري (2/ 278-279).
وقال النووي -رحمه الله-:
واحتج أصحابنا والجمهور بهذه الأحاديث على أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة خلافًا لداود، ولا فرضًا على الأعيان خلافًا لجماعة من العلماء، والمختار أنها فرض كفاية، وقيل: سنة. شرح صحيح مسلم (5/ 151).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي رحمه الله:
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة:
قال الإمام البخاري -رحمه الله- في "صحيحه": "باب وجوب صلاة الجماعة"، وقال الحسن: إنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عن العِشَاء في الجماعة؛ شفقةً عليه لم يُطِعْهَا، ثم أورد حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الآتي في الباب: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس...» الحديث.
قال الحافظ -رحمه الله-: هكذا بَتَّ الحكمَ في هذه المسألة، وكأنَّ ذلك لقوة دليلها عنده، لكنْ أَطْلَقَ الوجوب، وهو أعم من كونه وجوب عين، أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يُشْعِرُ بكونه يريد أنه وجوب عين؛ لما عُرِفَ من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم؛ لتوضيحها، وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب...
وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود ومَنْ تَبِعَهُ فجعلها شرطًا في صحة الصلاة...
وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة...
قال الحافظ: والذي يظهر لي: أن الحديث ورد في المنافقين؛ لقوله في صدر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «ليس صلاةٌ أَثْقَل على المنافقين من العشاء والفجر...» الحديث، ولقوله: «لو يعلم أحدهم...» إلخ؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: «لا يشهدون العِشَاء في الجميع»، وقوله في حديث أسامة: «لا يشهدون الجماعة».
وأَصْرَحُ من ذلك: قوله في رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عند أبي داود: «ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علَّة»، فهذا يدل على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي.
وأيضًا فقوله في رواية المقبري: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية» يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في ذم مَن تخلف عنها...
والحاصل: أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون على عدم الفرضية قد عَرَفْتَ ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام... (و) صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا عليهن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. البحر المحيط الثجاج (14/ 192-200).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: ما يدل على أن ملائكة الليل لا ينصرفون حتى تحضر ملائكة النهار، فيُسَلِّمُونَ الآدمي إليهم ويرتحلون؛ ليَعْلَمَ الآدمي أنه ليس بمخلى ولا لحظة. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 130).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفي هذا الإخبار: حث على جماعة الفجر. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 495-496).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن صلاة المنفرد صحيحة. البحر المحيط الثجاج (14/ 188).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده:
منها: بيان تأكيد صلاة الجماعة، وفضلها، والحث عليها.
ومنها: أن فيه بيان أن أقل الجماعة اثنان؛ لأنه جعل هذا الفضل لغير المنفرد، وما زاد على المنفرد فهو جماعة، وقد يقال: إنما رَتَّبَ هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرُّض لنفي درجة متوسطة بين المنفرد والجماعة، كصلاة الاثنين مثلًا، ولكن قد ورد في غير حديث التصريح بكون الاثنين جماعة.
ومنها: أنه استَدَلَّ به بعض المالكية للمشهور عن مالك، أنه لا فضل لجماعة على جماعة؛ لأنه جعل الجماعات كلها بسبع وعشرين، وخمس وعشرين، ولم يفرِّق بين جماعة وجماعة. البحر المحيط الثجاج (14/ 190-191).

ولمزيد من الفائدة ينظر فضل صلاة الجماعة ومضاعفة أجرها بتوسع 


إبلاغ عن خطأ