«ألا أُخبِرُكم بالتَّيسِ الـمُسْتَعَارِ؟» قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: «هو الـمُحلِّلُ، لعنَ اللهُ الـمُحلِّلَ والـمُحلَّلَ له».
رواه ابن ماجه برقم: (1936)، من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.
وفي رواية أخرى عند أحمد برقم: (4308)، والترمذي برقم: (1120)، والنسائي برقم: (3416)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- ولفظه: «لَعنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المُحِلَّ، والمُحَلَّلَ لهُ».
صحيح الجامع برقم: (2596)، (5101)، (صحيح) إرواء الغليل، رقم: (1897).
مختصر شرح الحديث
النكاحُ مِن أعظم مقاصد الشريعة، وهو هَديُ الرُّسُلِ -عليهم السلام-، وقد أُمِرَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالاقتداء بهم، ومِن أعظَمِ مقاصِدِهِ: الدوام؛ وقد نَهَتِ الشَّريعَةُ عن كلِّ ما يُخالف هذا المقصود، ومن ذلك: قولُه -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أُخبِرُكم بالتَّيسِ الـمُستَعارِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: هو الـمُحلِّلُ». وصورتُه: أن يتزوّجَ الرجلُ المرأةَ المطلَّقةَ ثلاثًا -وهي التي بَانَتْ مِن زَوْجِها بَيْنُونَةً كُبرى-؛ بقصدِ أنْ يُحِلَّها لزوجِها الأوّل، فشبَّهَهُ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالتَّيْسِ الذي يُستعارُ لأجل الضِّرابِ، وسمَّاه بذلك على طريقِ الاستعارةِ التصريحيةِ بجامعِ الدَّنَاءة؛ إشارةً إلى انحطاطِ فِعْلِهِ، وأنه بمنزلةِ حيوانٍ بَهِيْمِيٍّ دَنِيْءٍ. ثم قال رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لَعَنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له»، واللَّعنُ: الطَّرْدُ من رحمةِ الله، والمُحلِّلُ: هو الزوجُ الثاني الذي يتزوَّج المرأةَ بشرطِ أن يُطلِّقها بعد الوطءِ؛ ليُحِلَّها لزوجها الأوَّل؛ زعمًا منهم. وأمَّا المُحلَّلُ له: فهو الزوجُ الأوَّل، فكلاهما ملعُونانِ بِنصِّ الحديثِ.
وسُمِّيَ مُحلِّلًا باعتبارِ أنَّ قَصْدَهُ تَحْلِيلُها لِزَوْجِها الأوَّل، لا أنَّه يُثبِتُ الحِلَّ شرعًا؛ وإلّا لَمَا لَعَنَهما النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-.
وإنما اسْتَحَقَّا اللعنَ لِمَا في ذلك مِن هَتْكِ المروءَة، وقِلَّةِ الحَمِيَّة، والدلالة على خِسَّة النفس وسُقُوطِهَا، أما بالنسبة إلى المحلَّلِ له فظاهر، وأما بالنسبة إلى المحلِّل فَلِأَنهَّ يُهِيْنُ نفسَه بالوَطْءِ لغَرَضِ الغَير؛ ولذلك مثَّلَه -عليه الصلاة والسلام- بالتَّيْسِ المُستعار. وإنما خَصَّ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له باللَّعنِ دون المرأَةِ مع أنها طرفٌ في عَقدِ النكاح؛ لأنَّ المرأةَ غالبًا تَجْهَلُ ذلك، فإنْ عَلِمَتْ لُعِنَت، ولا فَرْقَ.
وفي الحديث: تحريمُ نكاحِ التَّحْلِيلِ، وتشديدُ الوعيدِ فيه باللعن، وأنه مِن كَبَائِرِ الذنوب.
وفيه: ذمُّ التَّحَايُلِ على أحكامِ الشرع، وبيانُ أن النكاحَ مَبْنَاهُ على الرغبةِ والدوام، وأنَّ المحلِّلَ والمحلَّلَ له شريكان في الإثم، كما يدلّ على أنَّ العِبرةَ في الأَنْكِحةِ بالمقاصدِ والنيّات.
غريب الحديث
«التَّيْسُ المُستَعَارُ»:
التَّيْسُ: الذَّكَرُ من المعْزِ، والظِّبَاءِ، والوُعُولِ إذا أتى عليه حَوْلٌ، والجمع: تيُوسٌ، وأَتْيُسٌ، وأَتْيَاسٌ. موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي، عبد اللطيف عاشور (ص: 120).
قال محمد عبد الغني المجددي -رحمه الله-:
وقد يُستعار (أي: لفظ التَّيس) لمن أَلْقى جِلْباب الحياء من وجهه فيتعرض للنساء؛ لأنَّ الشَّهوة في التَّيسِ كثيرة قلَّما يفتر عن الجِماع. إنجاح الحاجة (شرح سنن ابن ماجه للسيوطي وغيره) (ص: 139).
«المُحَلِّلَ»:
المُحَلِّلُ: اسم فاعل مِن حَلَّلَ الشيءَ: جعله حلالًا؛ لأنه حَلَّلَ الجُعْلَ بدخوله بينهما. المطلع على ألفاظ المقنع، للبعلي (ص: 322).
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
يقال: حلَّلْتُ له امرأته فأنا حالٌّ، وهو مَحْلُولٌ له، والمِحِلّ له، وقيل: سمَّاه مُحِلًّا بقصده إلى التحليل وإن كانت لا تَحِلُّ إذا كان هذا مِن قصده، كما يسمى الرَّجُل مشتريًا إذا قصدَ للشراء أو ساومه ولم يَشْتَرِ بَعْدُ. الغريبين في القرآن والحديث (2/ 486).
«المُحَلَّل لَه»:
هو المطلِّقُ. مجمع بحار الأنوار، للفَتَّنِي (1/ 566).
قال البرهان الحلبي -رحمه الله-:
المحلَّل له: هو بفتح اللام المشددة وهو الزوج الأول. الحواشي على سنن ابن ماجه (2/ 471).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «ألا أُخبِرُكم بالتَّيسِ الـمُستعارِ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أَلَا» أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم، «أُخْبِرُكُم بالتَّيْسِ الْمُسْتَعارِ؟» وهو ذَكَرُ الْمَعْزِ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 272).
وقال الشيخ ابن جبرين -رحمه الله-:
وصَفَ المحلِّلَ بالتَّيْسِ المستعار، أي: أنه شَبِيْهٌ بالتَّيْسِ الذي هو ذَكَر الْمَعْزِ، بمعنى: أن الزوج الأول يَسْتَعِيْرُه ويُدخِلُه على زوجته، ويجامعها ثم يفارقها، فأصبح كأنه تَيْسٌ مُستعار، هذا هو المحلِّل الذي يَنْكِحُها حتى يُحِلِّلَها للزَّوج الذي طلَّقها، يَبِيْتُ معها ليلةً أو لَيْلَتَيْنِ ثم يُطَلِّقها ولا رغبة له فيها. شرح عمدة الأحكام (60/ 25).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
سمَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- المحلِّل: التيس المستعار؛ لأنه ليس زوجًا في الحقيقة؛ فلذا شبَّهَهُ بالتيس المستعار لِيَنْزُوَ على الأنثى مِن الْمَعْزِ. الجامع لفوائد بلوغ المرام (2/ 380).
قوله: «قالوا: بلى، يا رسولَ اللهِ، قال: «هو الـمُحلِّلُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالوا» أي: قال الحاضرون عنده -صلى الله عليه وسلم-: «بلى» أخبِرنا «يا رسول الله، قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هو» أي: ذلك التَّيْسُ «المحلِّل» الذي يتزوج المرأة المطلقة ثلاثًا؛ ليُحَلِّلها لمطلِّقها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 272).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«المحلِّل»: الذي تزوَّج مطلَّقةَ الغير ثلاثًا على قَصْد أن يُطلِّقها بعد الوطء؛ لِيَحِلَّ على الـمُطلِّق نكاحها، وكأنَّه يُحِلُّه على الزوج الأول بالنكاح والوَطْءِ.
والمحلَّل له: هو الزوج الأول. تحفة الأبرار (2/ 392).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
سألت عن الحديث: «لعن الـمُحِل والمحلَّل له» وقلت: ما وجه هذا الكلام؟ وقد عَلِمْنَا أنه إذا كان مُحِلًّا لها أنه حلال، فكيف يُلعَن مِن أجْلِهَا، ولا تكون محلَّلَة؟
معنى الـمُحِل: القاصد بالتزويج لها إلى التحليل، وهو لا رغبة له فيها، ولا يريد التمسك بها، وإذا كانت هذه نيَّته لم تكُ له، ولا لِبَعْلِهَا الأوَّل إذا عاوَدَهَا حلالًا، فسُمِّي - بالقصد إلى التحليل بتزويجها- مُحِلًّا، وهذا كما سُمِّي الرجل مُشتريًا إذا قصد الشراء، أو سَاوَمَ وهو لم يَشْتَرِ بعد، وكما قال: «لا يَبِعْ أحدُكم على بَيْعِ أَخِيه» فسماه بَيعًا بالقَصْد والطلب...، وكما يقال للمُقْبِلِين إلى مكة: حاجٌّ، ولم يحجُّوا، فيُسَمَّون بالقصد للحَجِّ: حاجًّا. المسائل والأجوبة (ص305).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لفظ التحليل في هذه الأحاديث يُحتمل أن يكون مع الشرط، كما قال الشافعي، وهو الأظهر فيه؛ لأن إرادة المرأة إذا لم تَقْدَحْ في العقد ولها فيه حَظٌّ فالنَّاكح كذلك، والـمُطلِّق أحْرَى ألَّا يُرَاعى، فلم يبقَ إلَّا أن يكون معنى الحديث: إظهار الشرط، فيكون كنكاح المتعة، ويَبْطُلُ، هذا هو الصحيح، والله أعلم.
ويُحتمل أن يكون إذا نوى أن يُحِلَّها لزوجها كان محلِّلًا؛ لقوله: «الأعمال بالنية».
وقد روي عن عمر بن الخطاب في هذا تغليظ شديد، قوله: "لا أُوْتَى بِمحلِّل ولا مُحلَّل، إلَّا رجمتهما"، وقال ابن عمر: "التحليل سِفَاح".
ولا يَحْتمِل قول ابن عمر إلَّا التغليظ؛ لأنَّه قد صحَّ عنه أنَّه وَضَعَ الحدَّ عن الواطِئِ فرْجًا حرامًا قد جَهِل تحريمه، وعَذَرَه بالجهالة، فالمتأوِّل أولى بذلك، ولا خلاف أنه لا رجم عليه. التمهيد (8/331، 332).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
سمَّاه محلِّلًا على حسب ظنه؛ فإنَّ مَنْ تزوَّج المطلَّقة ثلاثًا بقصدِ الطلاقِ أو شَرْطِهِ، ظَنَّ أنَّ تزوُّجَه إياها ووَطْأها يُحِلّها لزوجها الأول، وليس تسميتُه محلِّلًا على أنه مُثْبتٌ للحِلِّ في الواقع، ويؤيده قولُ ابن عمر: «كنَّا نَعُدُّ هذا سفاحًا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-». مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 269).
قوله: «لعنَ اللهُ الـمُحلِّلَ والـمُحلَّلَ له»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «المحلِّل» بكسر اللام الأولى: الزوج الثاني للمُطلَّقة ثلاثًا.
والـمُحلَّل له: الزوج الأول. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 105).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المحلِّل والمحلَّل» (كما في لفظ) قيل: هو أن يُطلِّق الرجل امرأته ثلاثًا، فيتزوجها رجل آخر على شريطة أن يُطَلِّقها بعد مواقعته إياها؛ لتَحِلّ للزوج الأول، يُقال: حلَّلْتُ له امرأته، فأنا حَالٌّ، وهو مَحْلُولٌ له، وفيه ثلاث لغات: حلَلْتها، بالتخفيف، وحلَّلْتها بالتشديد، وأحلَلْتها، وروي: «لعن الله الـمُحِلَّ والْمُحَلَّ له» قيل: سماه مُحِلًّا لقصده إلى التحليل، وإن كانت لا تَحِلُّ إذا كان قَصَدَهُ. الميسر (3/ 777).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
إنما لَعَنَهُما لِمَا في ذلك مِن هَتْكِ المروءة، وقِلَّةِ الحَمِيَّة، والدلالة على خِسَّة النفس وسقوطها، أما بالنسبة إلى المحلَّل له فظاهر، وأما بالنسبة إلى المحلِّل فلأنه يهين نفسه بالوطء لغرض الغير؛ فإنَّه إنما يطؤها ليُعَرِّضها لِوَطْءِ المحلَّل له؛ ولذلك مثَّلَه -عليه الصلاة والسلام-: «بالتيس المستعار». تحفة الأبرار (2/ 392).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
خَصَّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- باللعنة المحلِّل والمحلَّل له دون المرأة؛ لأن الغالب جَهْلُهَا بذلك، قال (نجم الدين بن الرفعة) في المطلب: فإن عَلِمَت وفَعَلَت لُعِنَت، وفي حديث عقبة بن عامر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟...» الحديث، قيل: وإنما لَعَنَ رسول اللّه مع حصول التحلل؛ لأن الْتِمَاسَ ذلك هَتْكٌ للمروءة، والْمُلْتَمِسُ ذلك هو المحلَّل له، وإعارة التيس للوطء لغرض الغير -أيضًا- رذيلة؛ ولذلك شبَّهَهُ بالتيس المستعار، وإنَّما يكون كالتيس المستعار إذا سَبَق الْتِمَاسٌ مِن الـمُطلِّق، والعرب تُعيِّر بإعارة التيس، قال الشاعر:
"وشر منيحة تيس مُعار".
وإنَّهم إذا مَدَحُوا شخصًا قالوا: إنَّما هو كبش، وإذا ذمُّوه قالوا: هو تَيْسٌ. فتح القريب المجيب (5/ 46).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال الشُّمُنِّيُّ (تقي الدين أحد فقهاء الأحناف): فإن قلتَ: ما معنى لَعْنَهُما؟
قلتُ: معنى اللعن على المحلِّل؛ لأنه نكاح على قصد الفراق، والنّكاح شُرِع للدَّوام، وصار كالتَّيس المستعار.
واللعن على المحلَّلِ له؛ لأنه صار سببًا لمثل هذا النّكاح، والمراد: إظهار خَسَاسَتِهِمَا؛ لأن الطبع السليم يَنْفُر عن فعلهما، لا حقيقة اللعن؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- ما بُعث لعَّانًا...
قال الزيلعي في التخريج: استَدَلَّ المصنف بهذا الحديث على كراهية النكاح المشروط به التحليل، وظاهره التحريم كما هو مذهب أحمد، لكن يقال: لَمَّا سمَّاه محلِّلًا دلَّ على صحة النّكاح؛ لأن المحلِّل هو الْمِثْبِتُ للحِلّ، فلو كان فاسدًا لما سمَّاه مُحلِّلًا، اهـ.
وظاهره أنه اعتراض ثم جوابه، أما الاعتراض فمَنْشَؤُه عدم معرفة اصطلاح أصحابنا (الحنفية)؛ وذلك إنهم لا يُطلقون اسم الحرام إلَّا على مَنْعٍ ثَبَتَ بقطعي، فإذا ثَبَت بظنِّي سمُّوه مكروهًا، وهو مع ذلك سبب للعقاب، وأما الجواب: فكلامه فيه يقتضي تلازم الحرمة والفساد، وليس كذلك؛ إذ قد يُحْكَمُ بالصحة مع لزوم الإثم في العبادات، فضلًا عن غيرها، خصوصًا على ما يعطي كلامه من تسمية المانع الثابت بظنِّي حرامًا. مرقاة المفاتيح (5/ 2150).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لَعَنَ المحلِّلَ» (كما في لفظ) أي: قال لعنة الله عليه، والخبر هنا بمعنى الدعاء، ويجوز أن يكون خبرًا بمعنى الخبر، يعني: خبر حقيقي؛ وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُوحَى إليه ويُبلَّغ من الله، فيمكن أن يكون قول الرسول: «لعنةُ الله على المحلِّلِ» خبرًا عن الله لا دعاء. فتح ذي الجلال والإكرام (4/505، 506).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا، وقال: ينبغي أن يُرمى (يُلقى ويُطرح) بهذا الباب من قول أصحاب الرأي.
قال جارود: قال وكيع: وقال سفيان: إذا تزوج الرَّجُلُ المرأةَ لِيُحَلِّلها ثم بدا له أن يُمْسِكَها فلا يَحِلُّ له أن يُمْسِكها حتى يتزوجها بنكاحٍ جديدٍ. سنن الترمذي (2/ 414).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
لا فائدة في اللعنة إلا إفساد النكاح والتحذير منه. التوضيح (25/ 491).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
ليس في الحديث ما يدل على بُطْلَانِ العَقْدِ، كما قيل، بل لو استُدِلَّ به على صحته من حيث إنه سُمِّي العاقد مُحلِّلًا، وذلك إنما يكون إذا كان العقد صحيحًا، فإنَّ الفاسد لا يحلِّل، هذا إذا أُطلِق العقد، فإنْ شَرَط فيه الطلاق بعد الدخول ففيه خلاف، والأظهر بُطْلَانُه. الكاشف (7/2348، 2349).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختلفوا في عُقْدَةِ نكاح الْمُحِلِّ: فقال مالك في الموطأ وغيره: إنَّه لا يُحِلُّها إلا نكاحُ رغبة، وإنَّه إنْ قَصَدَ التحليل لم تَحِلَّ له، وسواءٌ عَلِمَا أو لم يَعْلَمَا لا تَحِلُّ، ويُفسخ نكاح مَن قَصَد إلى التحليل، ولا يُقَرُّ على نكاحه قبل الدخول وبعده، وقال الثوري والأوزاعي والليث في ذلك نحو قول مالك.
وقد روي عن الثوري في نكاح المحلِّل ونكاح الخِيَار أنه قال: "النكاح جائز والشرط باطل"، وهو قول ابن أبي ليلى في نكاح المحلِّل، ونكاح المتعة أَبْطَلَ الشرطَ في ذلك وأجاز النكاح، وهو قول الأوزاعي أيضًا، أنه قال في نكاح المحلل: بئس ما صنع، والنكاح جائز.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: النكاح جائز، وله أن يقيم على نكاحه ذلك. الاستذكار (5/ 448)
وقال المظهري -رحمه الله-:
فإنْ شرطَ في وقت العقد التحليلَ بأنْ قال الوليُّ للزوج الثاني: إني أُزوِّجُك ابنتي، أو: زوَّجتُك ابنتي أو أختي على أنك إذا وطِئتَها أو حلَّلْتَها فـلا نكاحَ بينها وبينك، أو: زوَّجتُكها؛ لتُحلِّلَها للزَّوج الأول، فإذا شُرِطَ هذا الشرطُ مقترنًا بالعقد فالنكاحُ باطلٌ بالاتفاق، وهذا الحديثُ مُتوجِّهٌ لمن فعلَ نكاحًا على هذه الصورة، وإن شُرِطَ هذا الشرطُ قبل العقد، ولم يُشترَطْ مقترنًا بالعقد، بل عُقِدَ النكاحُ مع الزوج الثاني بأنْ قال الولي: زوَّجتُك ابنتي أو أختي بكذا دينارًا، فقال الزوج: قَبِلْتُ نكاحَها، صحَّ هذا النكاحُ، ويجوز للزوج الأول أن يَنكحَ هذه المرأةَ بعد أن يُطلِّقَها الزوجُ الثاني وتنقضي عدَّتُها منه، إلا أنَّه مكروهٌ، هذا عند الشافعي وأبي حنيفة، وأمَّا عند مالكٍ وأحمدَ فلا يجوز. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 105).
قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ :
نِكاحُ المُحلِّلِ حرامٌ باطلٌ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ والنخعيُّ، وقتادةُ، ومالكٌ، والليثُ، والثوريُّ، وابنُ المباركِ، والشافعيُّ، وسواءٌ قال: زوَّجتُكها إلى أن تطأها. أو شرطَ أنَّه إذا أحلَّها فلا نكاحَ بينهما، أو أنَّه إذا أحلَّها للأوَّلِ طلَّقها.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّه يصحُّ النكاحُ، ويبطلُ الشرطُ. وقال الشافعيُّ في الصورتينِ الأُولَيَيْنِ: لا يصحُّ. وفي الثالثةِ على قولين. ولنا، ما رُويَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: «لعنَ اللهُ المُحلِّلَ، والمُحلَّلَ له.» رواه أبو داود، وابنُ ماجه، والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ عليه عند أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم منهم عمرُ بنُ الخطابِ، وعثمانُ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ. وهو قولُ الفقهاءِ من التابعين. ورُويَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وقال ابنُ مسعودٍ: «المُحلِّلُ والمُحلَّلُ له ملعونٌ، على لسانِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.» وروى ابنُ ماجه، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «ألا أُخبرُكم بالتيسِ المُستعارِ؟. قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: هو المُحلِّلُ. لعنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له.» وروى الأثرمُ، بإسنادِه عن قبيصةَ بنِ جابرٍ، قال: سمعتُ عمرَ، وهو يخطبُ الناسَ، وهو يقول: واللهِ لا أُوتى بمُحلٍّ ولا مُحلَّلٍ له إلا رجمتهما. ولأنَّه نكاحٌ إلى مُدَّةٍ، أو فيه شرطٌ يمنعُ بقاءَه فأشبه نكاحَ المُتعةِ. المغني(7/180).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلفوا في عَقْدِ نكاح الْمُحَلِّلِ، فقال مالك: لا يُحِلُّها إلا نكاحُ رغبةٍ، وإن قَصَدَ التحليلَ لم يُحِلَّها، وسواء عَلِمَ ذلك الزوجان أو لم يَعْلَمَا لا تَحِلُّ، ويفسخ قبل الدخول وبعده، وهذا قول الليث، والثوري، والأوزاعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: النكاح جائز، وله أن يقيم على نكاحه، وهو قول عطاء والحَكَم.
وقال القاسم، وسالم، وعروة، والشعبي: لا بأس أن يتزوَّجها ليُحَلِّلَها إذا لم يعلم بذلك الزوجان، وهو مأجور بذلك، وهو قول ربيعة، ويحيى بن سعيد.
والحُجَّة لمالك: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لَعَنَ الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّل له» من حديث علي، وابن مسعود، وعقبة بن عامر، وفي حديث عقبة: «أَلَا أَدُلُّكُم على التَّيْسِ المسْتَعَارِ؟» وهو المحلِّل، ولا فائدة لِلَعْنة إلَّا إفساد النكاح والتحذير منه، وقد سئل ابن عمر عن نكاح المحلِّل فقال: "ذلك السِّفَاح".
واحتج الكوفيون بعموم قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} البقرة: 230، وقد وُجِدَ الشرط، وعَقْدُ الثاني على شرائطه بعد تحليلها للأول، فلا فرق بين أن ينوي التحليل أم لا، قالوا: ألا ترى أنَّ عقد النكاح يبيح الوطء ويوجب الصداق والنفقة وتحليل الطلاق؟! ولا فرق بين أن ينوي ذلك، فيقول: أَنْكَحُ لِأَطَأَ، وبين أن لا ينوي ذلك. شرح صحيح البخاري (7/ 481).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختلفوا هل تَحِلُّ للزوج الأول إذا تزوجها ليُحِلَّها؟
فمرة قالوا: لا تحل له بهذا النكاح، ومرة قالوا: تحل له بذلك العقد إذا كان معه وطءٌ أو طلاق.
وروى الحسن بن زياد عن زيد: إذا شُرِطَ تحليلها للأول فالنكاح جائز والشرط باطل، ويكونان مُحْصَنَين بهذا التزويج إذا وَطِئَ.
وقال أبو يوسف: النكاح على هذا الشرط فاسد، ولها مهر الْمِثْلِ، لا يحصنها...
وقال الشافعي: إذا تزوجها لِيُحِلَّها وأَظْهَرَ ذلك فقال: أَتَزَوَّجُكِ لِأُحِلّكِ ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك، فهذا ضرب من نكاح المتعة، وهو فاسد لا يُقَرّ عليه، ولا يحل له الوطء على هذا، وإن وَطِئَ لم يكن وَطْؤُهُ تحليلًا.
قال: وإن تزوَّجَها تزويجًا مطلقًا لم يشترط، ولا اشْتُرِطَ عليه التحليل إلا أنه نواه وقَصَدَه فللشافعي في كتابه القديم العراقي في ذلك قولان:
أحدهما: مثل قول مالك، والآخر مثل قول أبي حنيفة.
ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصري أن النكاح صحيح إذا لم يَشْتَرِط التحليل في قوله، وهو قول داود، وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري: إذا هَمَّ أحدُ الثلاثة بالتحليل فَسَدَ النكاح...
قال أبو عمر: روي عن النبي -عليه السلام- أنه لَعَنَ الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّل له، من حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر...
قال أبو عمر: معلوم أن إرادة المرأة المطلقة للتحليل لا معنى لها إذا لم يجامعها الرجل على ذلك؛ لأن الطلاق ليس بيدها فوجب ألا تَقْدَحَ إرادتُها في عقد النكاح، وكذلك الْمُطَلِّق أَحْرَى ألا يُرَاعَى؛ لأنه لا مَدْخَل له في إمساك الزوج الثاني ولا في طلاقه إذا خالفه في ذلك، فلم تَبْقَ إلا إرادة الزوج الناكح، فإنْ ظَهَرَ ذلك بالشرط عُلِمَ أنه مُحَلِّلٌ دخَلَ تحت اللعنة المنصوص عليها في الحديث.
ولا فائدة لِلَّعْنَةِ إلا إفساد النكاح والتحذير منه، والمنعُ يكون حينئذٍ في حكم نكاح المتعة كما قال الشافعي، ويكون مُحَلِّلًا فيَفْسُدُ نكاحُه.
وها هنا يكون إجماعًا مِن الْمُشَدِّدِ والْمُرَخِّصِ، وهو اليقين - إن شاء الله تعالى-.
وقد روي عن عمر بن الخطاب في نكاح الْمُحَلِّلِ أنه قال: "لا أُوْتَى بِمُحَلِّلٍ ولا مَحَلَّلٍ له إلا رَجَمْتُهُمَا".
قال الطحاوي: ويحتمل أن يكون (اللعنُ) تشديدًا وتغليظًا وتحذيرًا؛ لئلا يُوَاقِعَ ذلك أحدٌ كنحو ما هَمَّ به النبي -عليه السلام- أن يُحَرِّقَ على مَن تَخَلَّف عن صلاة الجماعة بُيُوتَهُم.
وإنما تأَوَّلْنَا هذا على عمر -رضي الله عنه- لأنه قد صحَّ عنه أنه دَرَأَ الحدَّ عن رجلٍ وَطِئَ غيرَ امرأَتَه وهو يظن أنها امرأته، وإذا بَطَلَ الحَدُّ بالجهالة بَطَلَ بالتأويل؛ لأن الْمُتَأَوِّلَ عند نفسه مُصِيبٌ، وهو في معنى الجاهل - إن شاء الله عز وجل-، وكذلك القول في قول ابن عمر إذ سئل عن نكاح المحَلِّلِ فقال: "لا أعلم ذلك إلا السِّفَاح".
قال أبو عمر: ليس الحدود كالنكاح في هذا؛ لأن الحدَّ ربما دُرِئَ بالشبهة، والنكاح إذا وقع على غير سُنَّة وطابق النهي فَسَدَ؛ لأن الأصل أن الفُرُوجَ محظورة فلا تُسْتَبَاحُ إلا على الوجه المباح لا المحظور المنهيِّ عنه، ولَعْنُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّل له كَلَعْنِهِ آكلَ الرِّبَا ومُوْكِلَهُ ولا يَنْعَقِدُ بشيءٍ من ذلك، ويفسخُ أبدًا، وبالله التوفيق. الاستذكار (5/ 450)
وقال السفاريني -رحمه الله-:
ولفظ عبد الرزاق عن معمر، والزهري عن عبد الملك بن المغيرة، قال: سئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: "ذاك السِّفاح"، وفي رواية: "كلاهما زانٍ"، يعني: الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّل له، وإن مَكَثَ عشرين سنة، أو نحو ذلك، إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحللها له.
وسئل ابن عباس -رضي الله عنهما- عن رجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فقال: "عَصَى اللهَ فأَنْدَمَهُ، وأَطَاعَ الشيطانَ فلم يجعل له مَخْرجًا، قال: كيف ترى في رَجُلٍ يُحَلِّلُها؟ قال: مَن يُخَادِعِ الله يَخْدَعْهُ".
وسئل عثمان -رضي الله عنه- عن رجل تزوَّج امرأةً يُحلِّلها لزوجها، ففرَّق بينهما، وقال: لا تَرْجِعُ إليه إلا على نكاحِ رغبةٍ غير دُلْسَةٍ (أي خديعة)، ولا استهزاء بكتاب. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (5/ 350)
وقال العيني -رحمه الله-:
في (التلويح): لفظ النكاح في جميع القرآن العظيم أُرِيدَ به العقدُ لا الوَطْءُ، إلَّا في قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} البقرة: 230، فإنه أريد بلفظ النكاح العقد والوطء جميعًا؛ بدليل حديث العُسَيْلَةِ (يقصد حديث الرُّمَيْصَاء حين اشتكت زَوْجَها أنَّه لا يَصِلُ إليها، فقال: يا رسولَ الله، هي كاذبة، ولكنَّها تريدُ أن تَرْجِعَ إلى زَوجِها الأوَّل، فقال: «ليس ذلك لها حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ»)، فإن العُسَيْلَةَ هنا: الوطء، وفيه نظر؛ لأن لفظ النكاح أُسْنِدَ إلى المرأة، فلو أُرْيدَ به الوطء لكان المعنى: حتى تطأ زوجًا غيره، وهذا فاسد؛ لأن المرأة موطوءَةٌ لا واطِئةٌ، والرجل واطِئٌ، بل معناه أيضًا: العقْد، ووجب الوطء بحديث العُسيلة؛ فإنَّه خبر مشهور يجوز به الزيادة على النَّص، وهذا لا خلاف فيه إلَّا لسعيد بن المسيب، فإنه قال: العقد الصحيح كافٍ، ويحصل به التحليل للزوج الأول، ولم يوافقه على هذا أحد إلا طائفةٌ من الخوارج، وذكر في كتاب القُنْيَةِ لأبي الرجاء مختار بن محمود الزاهدي: إن سعيد بن المسيب رجع عن مذهبه هذا، فلو قضى به قاضٍ لا ينفذ قضاؤه، وإن أفتى به أَحَدٌ عُزِّر.
وقال الحسن البصري: الإنزال شَرْطٌ، لا تَحِلُّ للأول حتى يَطَأَهَا الثاني «وطئًا» فيه إنزال، وزعم أن معنى العُسَيلَةَ الإنزال، وخالَفَهُ سائر الفقهاء، فقالوا: التقاء الختانين يُحِلُّها للزوج الأول، وهو ما يُفسد الصوم والحج ويوجب الحَدَّ والغسل، ويحصّن الزوجين، ويكمل الصداق. عمدة القاري (20/ 236).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلفوا في صفة الوطء الذي يُحِلُّ المطلقةَ ثلاثًا، فقال مالك: لا يُحِلُّها إلا الوطءُ المباحُ، فإنْ وقع الوطء في صومٍ أو اعتكافٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ، لم تَحِلَّ المطلقة ثلاثًا، ولا يُحِلُّ الذمِّية عنده وطءُ الذِّمِّي، ولا الصبي إذا لم يكن بالغًا.
وقال الكوفيون، والأوزاعي، والشافعي: يُحِلُّها وَطْءُ كلِّ زَوْجٍ بنكاحٍ صحيحٍ، وكذلك لو أصابها مُحْرِمَةً أو صائمة أو حائضًا، أو وَطِئها مراهقٌ لم يحتلم تَحِلُّ بذلك كله، وتَحِلُّ الذمِّية للمسلم بوطء زوجٍ ذمي، وبهذا كله قال ابن الماجشون وبعض المدنيين؛ لأنه زوج. شرح صحيح البخاري (7/ 480).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إذا كان ذلك عن شرطٍ بينهما فالنكاح فاسد؛ لأنه عَقْدٌ تَنَاهَى إلى مدة، كنكاح المتعة.
وإذا لم يكن ذلك شرطًا، وكان نِيَّةً وعَقِيدةً فهو مكروهٌ، فإنْ أصابَها الزوجُ ثم طلَّقَها وانقضت العِدَّة فقد حلَّت للزوج الأول، وقد كره غير واحد من العلماء أن يُضْمِرَا أو يَنْوِيَا أو أحدُهما التحليل وإن لم يشترطاه.
وقال إبراهيم النخعي: لا يُحَلِّلُها لزوجها الأول إلَّاّ أن يكون نكاح رغبة، فإن كان نيَّة أحد الثلاثة -الزوج الأول، أو الثاني، أو المرأة- أنه مُحَلِّلٌ فالنكاح باطل، ولا تحل للأول.
وقال سفيان الثوري: إذا تزوجها وهو يريد أن يُحِلَّها لزوجها ثم بدا له أن يُمْسِكَها، لا يعجبني إلَّا أن يفارقها ويستأنفَ نكاحًا جديدًا، وكذلك قال أحمد بن حنبل، وقال مالك بن أنس: يفرَّق بينهما على كل حال. معالم السنن (3/193، 194).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وصحَّ أن المحلِّلَ الملعون هو الذي يتزوجها ببيان أنه إنما يتزوجها ليُحِلَّها ثم يُطَلِّقها، ويعقدان النكاح على هذا، فهذا حرام مفسوخ أبدًا؛ لأنهما تشارطا شرطًا يلتزمانه ليس في كتاب الله تعالى إباحة التزامه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «كلُّ شَرْطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ». المحلى بالآثار (9/ 433).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
سمعت شيخ الإسلام يقول: نكاحُ المتعة خيرٌ من نكاح التحليل من عشرة أوجه:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعًا في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يُشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتَّعُوا على عهد النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- ولم يكن في الصحابة محلِّل قط.
الثالث: أنَّ نكاحَ المتعة مُخْتلَف فيه بين الصحابة، فأباحه ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنه، وأباحه عبد الله بن مسعود...، فهذا قول ابن مسعود وابن عباس في المتعة، وذاك قولهما وروايتهما في نكاح التحليل.
الرابع: أنَّ رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- لم يَجِئْ عنه في لعن المستمتِع والمستمتَع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلِّل والمحلَّل له، وعن الصحابة ما قد تقدم.
الخامس: أنَّ المستمتِع له غرضٌ صحيح في المرأة، ولها غرضٌ أن تقيم معه مدة النكاح، فغرضه المقصود بالنكاح مُدَّة، والمحلِّل لا غرض له سوى أنه مستعار للضِّراب كالتَّيس، فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: "مسمار نارٍ في حدود الله"، وهذه التسمية مطابقة للمعنى....
السادس: أن المستمتِع لم يَحْتَل على تحليل ما حرَّم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنَّما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهرًا وباطنًا، والمحلِّل ماكِرٌ مُخَادِعٌ، متَّخذ آيات الله هزوًا، ولذلك جاء في وعيده ولَعْنِهِ ما لم يَجْئِ في وعيد المستمتِع مثله، ولا قريب منه.
السابع: أن المستمتِع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سرُّ النكاح ومقصوده، فيريد بنكاحه حِلَّها له، ولا يطؤها حرامًا، والمحلِّل لا يريد حِلَّها لنفسه، وإنما يريد حِلَّها لغيره، ولهذا سُمِّي مُحَلِّلًا....
الثامن: أنَّ الفِطَر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نِفَارٍ، وتُعَيِّر به أعظم تعيير، حتى إن كثيرًا من النساء تعيِّر المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا، ونكاح المتعة لا تَنْفِرُ منه الفِطَرُ والعقول، ولو نَفَرَتْ منه لم يُبَح في أول الإسلام.
التاسع: أن نكاح المتعة يُشْبِهُ إجارة الدابة مُدَّةً للركوب، وإجارةَ الدار مدةً للانتفاع والسُّكنى، وإجارةَ العبد للخدمة مدةً، ونحو ذلك، مما للباذل فيه غرض صحيح، ولكن لـمَّا دَخَلَهُ التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح الذي شُرع بوصف الدوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلِّل؛ فإنه لا يُشْبِهُ شيئًا من ذلك، ولهذا شبَّهَه الصحابة -رضى الله عنهم- بالسِّفَاح، وشبَّهُوهُ باستعارةِ التَّيْسِ للضِّراب.
العاشر: أن الله سبحانه نَصَبَ هذه الأسباب كالبيع والإجارة، والهبة والنكاح، مُفْضِيةً إلى أحكام جعلها مسبّبات لها ومقتضيات، فجعل البيعَ سببًا لِمِلْكِ الرَّقبة، الإجارة سببًا لِمِلْكِ المنفعة أو الانتفاع، والنكاحَ سببًا لِمِلْكِ البُضْع وحِل الوطء، والمحلِّل مناقِضٌ معاكس لشرع الله تعالى ودينه؛ فإنه جعل نكاحَه سببًا لتمليك المطلِّق البُضْعَ وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من مِلْكِهِ هو للبُضْعِ، وحِلِّه له، ولا له غرض في ذلك، ولا دخل عليه، وإنَّما قَصَدَ به أمرًا آخر لم يُشْرَعْ له ذلك السبب، ولم يجعل طريقًا له.
الحادي عشر: أن المحلِّل من جنس المنافق؛ فإن المنافق يُظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وهو في الباطن غير ملتزم له، وكذلك المحلِّل يُظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسمّي المهر، ويشهد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك...
الثاني عشر: أن نكاح المحلِّل لا يُشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطون في أنكحتهم أمورًا مُنْكَرَةً، ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل، ولا يفعلونه...، فلما بَعَثَ الله تعالى محمدًا -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- بالحق هَدَم نكاح الجاهلية كله، إلَّا نكاح الناس اليوم، ومعلوم أن نكاح المحلِّل ليس من نكاح الناس. إغاثة اللهفان (1/277، 280).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث) من الفقه: طرْح المسألة على الـمُتعلِّم، وابتداؤه بها، وعَرْضُها على من يرجو حِفْظَها وحَمْلَها. المسالك (3/ 131).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
في الحديث فوائد؛ منها: ...
1 - تحريم الاحتيال؛ لاستحلال الحرام.
2 - في الحديث شاهد لقاعدة سَدِّ الذرائع. الجامع لفوائد بلوغ المرام (2/380، 381).