الجمعة 28 ذو القعدة 1447 | 2026-05-15

A a

كان مالكُ بن الحُوَيرث يأتينا إلى مُصلَّانا هذا، فأُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فقُلنا له: تَقَدَّمْ فصَلِّهْ، فقال لنا: قدِّموا رجلًا مِنكم يُصلِّي بكم، وسأُحدِّثكم لِمَ لا أُصلِّي بِكم؛ سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: «مَن زَارَ قومًا فلا ‌يَؤُمَّهم، ولْيَؤُمَّهم رَجلٌ منهم».  


رواه أحمد برقم (20532) وأبو داود برقم: (596) والترمذي برقم: (356) والنسائي برقم: (787)، ولم يذكر القصة.
صحيح الجامع برقم: (6271)، صحيح أبي داود برقم: (609).


غريب الحديث


«زَارَ»:
يُقال: زَارَهُ زِيَارة وزَوْرًا: قَصَدَهُ...، والزِّيارةُ في العُرْف: قصدُ الْمَزُورِ إكرامًا له، واستئناسًا به. المصباح المنير، للفيومي (1/ 260).
«فلا ‌يَؤُمَّهم»:
يَؤُمُّ القومَ: يَقْدُمُهُم. لسان العرب، لابن منظور (12/ 26).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «مَن زَارَ قومًا فلا ‌يَؤُمَّهم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن زَارَ قومًا فلا ‌يَؤُمَّهم» أي: لا يُصَلِّي بهم إمامًا في موضعهم، فيُكْرَهُ بغير إِذْنِهم. فيض القدير (6/ 141).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
النهي في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا يَؤُمَّهُم» للكراهة. الأزهار مخطوط لوح (165).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن زَارَ قومًا» القوم يختص بالرجال، فإذا كان الْمَزُورُ نِسَاءً، والزائر رجلًا، كان أحقَّ بالإمامة «فلا يَؤُمَّهُم» لا يُصَلِّي بهم إمامًا في منزلهم، أو في مسجدهم إلا بإذنهم، كما في بعض الأحاديث. التنوير (10/ 244).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
يتعيَّن حَمْلُ النَّهي فيه على مَن أَمَّهُم بغير إذنهم، وإذن إِمَامِهم الراتب؛ للخبر السابق: «لا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سُلْطَانِهِ إلا بإذنه».
فإنْ قلتَ: سياق مالك (بن الحويرث) يقتضي أنَّه فَهِمَ من الخبر العموم؛ لأنَّه ساقه لهم بَعْد طَلَبِهِم منه أنْ يَؤُمَّهُم.
قلتُ: قد يُجاب بأنَّه فَهِمَ اجتهادًا منه: أنَّ علة النهي التأدُّب معهم، فلذا امتنع من التقدُّم عليهم، وساق الخبر المحتمِل لذلك، لكنَّ حَمْلَهُ على ما ذَكَرْتُه أَولى؛ لِمَا علمتَ من الخبر الآخر. فتح الإله (4/399).

قوله:«ولْيَؤُمَّهم رَجلٌ منهم»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«ولْيَؤُمَّهم رجلٌ منهم» يعني: صاحبُ البيت أحقُّ بالإمامة مِن أَضْيَافِهِ. المفاتيح (2/ 236).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «ولْيَؤُمَّهم» للاستحباب. الأزهار مخطوط لوح (165).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ولْيَؤُمَّهم» ندبًا «رجلٌ منهم» حيث كان في الْمَزُورِيْنَ من هو أهل للإمامة، فالساكن بحقٍّ أَولى بالإمامة من غيره كَزَائِرِهِ، ولا ينافيه خبر البخاري عن عِتبان أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- زَارَهُ وأمَّه بِبَيْتِهِ؛ لأنه بإذن عِتْبَان؛ ولأن الكلام في غير الإمام الأعظم.
قال العراقي (زين الدين في شرح الترمذي): وعموم الحديث يقتضي أنَّ صاحب المنزل يُقدَّم وإنْ كان ولد الزائر، وهو كذلك.
قال: وقضية التعبير بالقوم الذي هو للرجال أنَّ الرجل إذا زار النساء يَؤُمَّهُنَّ؛ إذ لا حَقَّ لهنَّ في إمامة الرجال. فيض القدير (6/ 141).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولْيَؤُمَّهم رجلٌ منهم» مِن الْمَزُورِيْنَ، وإنْ كان الزائر أَعْلَمَ وأَفْضَلَ، فيكون هذا مُخَصِّصًا لحديث: «يؤمُّ القوم أَقْرَؤُهُمْ لكتاب الله...» الحديث، وسواء كان المنزل الذي فيه الْمَزُورُ مِلْكًا أو غيره، وظاهره أنَّه عامٌّ ولو كان الزائر الإِمام الأعظم، فيُعارض حديث: «يُؤَمُّ الرَّجلُ في سُلْطانِه» إلا أنْ يُخَصَّ هذا به، أو ذلك بهذا يحتمل. التنوير (10/ 244).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
العمل على هذا (الحديث) عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، قالوا: ‌صاحِبُ ‌الْمَنْزِلِ ‌أَحَقُّ ‌بالإمامة ‌من ‌الزائر.
وقال بعض أهل العلم: إذا أَذِنَ له فلا بأس أنْ يصلي به، وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث، وشدَّد في أنْ لا يُصَلِّي أحدٌ بصاحبِ المنزل، وإنْ أَذِنَ له صاحب المنزل، قال: وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم، يقول: يصلي بهم رجل منهم. سنن الترمذي (2/ 188).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
زيارة النبي -عليه السلام- لعِتْبَانَ، وصلاتُه لهم في منزله، وليس الإمام كغيره، لكن إذا كان الرجل من أهل العلم والفضل، فالأفضل لصاحب المنزل أنْ يُقدِّمه، وإنْ اسْتَوَيَا فمِن حُسْنِ الأدب: أنْ يَعْرِضَ عليه. عارضة الأحوذي (1/129-130).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: ‌«مَن ‌زار ‌قومًا فلا يَؤُمَّهُم» ظاهره أنَّ الإمامة حقٌّ للمَزُورِ، وأنَّ الزائر منهيٌّ عن التقدُّم لها، ولو أذن له، وبه قال بعضهم، ومنهم إسحاق.
وذهب الجمهور إلى أنَّ الزائر يتقدَّم لها إنْ أُذِنَ له، وهو الأقرب للجمع بين الأحاديث، والنهي في حديث الباب وإنْ كان مطلقًا لكنه مقيَّد بعدم إذن ربّ المنزل للزائر، كما تقدَّم عن أبي مسعود البدري، وفيه: «ولا يُؤَمَّ الرَّجُلُ في بيته ولا في سِلطانه إلا بإذنه»، ومُقَيَّدٌ أيضًا بما رواه المصنف (أبو داود) عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يَحِلُّ لرَجُلٍ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أنْ يَؤُمَّ قومًا إلا بإذنهم» الحديث.
ومحل الخلاف: إذا كان الْمَزُورُ أهلًا للإمامة، فإنْ لم يكن أَهْلًا لها، كالمرأة إذا كان الزائر رجلًا، والجاهل إذا كان الزائر عالِمًا، فلا حقَّ له في الإمامة. المنهل العذب المورود (4/ 319).
‌وقال أبو البركات ابن تيمية -رحمه الله-:
وأكثر ‌أهل ‌العلم ‌أنه ‌لا ‌بأس ‌بإمامة الزائر بإذن رب المكان؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي مسعود: «إلا بإذنه». منتقى الأخبار (1/ 505).
وقال ابن بطال -رحمه الله-: في شرح باب إذا زار الإمامُ قومًا فأَمَّهُمْ:
فيه: عِتْبَانُ بن مالك قال: استأذن النبيُّ -عليه السلام- فأذنتُ له، فقال: «أين تُحِبُّ أن أُصَلِّيَ مِن بَيْتِكَ؟» فأشَّرت له إلى المكان الذي أُحِبُّ، فقام، وصففنا خلفه، ثم سَلَّم فسَلَّمْنَا.
هذا الباب ردٌّ لما رُوي عن النبي أنه قال: «مَن زارَ قومًا فلا يَؤُمَّهُم»، رواه وكيع عن أبان العطار، عن بديل بن ميسرة، عن أبي عطية، عن رجل منهم قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا في مصلانا هذا، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فقلنا له: تقدَّم، فقال: لا، لِيَتَقَدَّمْ بعضكم، حتى أُحَدِّثَكُم لِمَ لا أَتَقَدَّمُ؛ سمعتُ رسول الله يقول: «مَن زار قومًا فلا يَؤُمَّهُم، ولْيَؤُمَّهُم رجلٌ منهم» وهذا إسناد ليس بقائم؛ لأن أبا عطية مجهول يرويه عن مجهول، وصلاته -عليه السلام- في بيت عِتْبَان مخالِفٌ له.
ويمكن الجمع بين الحديثين: وذلك أنه يُحمل قولُه -عليه السلام-: «مَن زارَ قومًا فلا يَؤُمَّهُم» لو صحَّ أنْ يكون إعلامًا منه أنَّ صاحب الدار أَولى بالإمامة فيه مِن الدَّاخِلين عليه، إلا أن يشاء صاحبُ الدَّار أنْ يُقدِّم غيره ممن هو أفضل منه، فإنه يُستحب له ذلك، بدليل تقديم عِتْبَان بن مالك في بيته للنبي -عليه السلام-، وحَمْلُ الحَدِيثين على فائدتين أَوْلى مِن تَضَادِّهما.
وقد روى ابن القاسم، عن مالك أنه: يُستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه مَن هو أفضل منه أن يُقَدِّمَه للصلاة، ولا خلاف بين العلماء في أنَّ صاحب الدار أَولى بالإمامة منه، وقد رُوي عن أبي موسى الأشعري أنه أمَّ ابن مسعود وحذيفة في داره، وفعله ابن عمر بمولى، فصلى خلف الموالي.
وقال عطاء: صاحب الدار يَؤُمُّ مَن جَاءَه، وهو قول مالك والشافعي، ولم أجد فيه خلافًا. شرح صحيح البخاري (2/ 307- 308).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: (باب إذا زار الإمامُ قومًا ‌فَأَمَّهُمْ) قيل: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه مرفوعًا: «‌مَن ‌زار ‌قومًا فلا يَؤُمَّهُم، ولْيَؤُمَّهُم رجلٌ منهم» محمول على مَن عدا الإمامَ الأعظم، وقال ابن المنير: مراده أنَّ الإمام الأعظم ومَن يجري مجراه إذا حضر بمكانٍ مملوكٍ لا يتقدم عليه مَالِكُ الدار أو المنفعة، ولكن ينبغي للمالك أنْ يأذن له؛ ليجمع بين الحَقَّيْنِ: حق الإمام في التقدُّم، وحق المالك في منع التصرُّف بغير إذنه. انتهى ملخصًا.
ويحتمل أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعود المتقدِّم: «ولا يُؤَمَّ الرَّجُلُ في سلطانه، ولا يُجْلَسُ على تَكْرُمَتِهِ إلا بإذنه» فإنَّ مالِكَ الشيء سلطان عليه، والإمام الأعظم سلطان على المالك. فتح الباري (2/ 172).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في إمامة الزائر؛ فذهب إلى منعه مطلقًا: إسحاق بن راهويه، وذهب الجمهور إلى جوازها إذا أذن المزور...
الراجح: قول أكثر أهل العلم، وهو أنه يجوز للزائر أنْ يَؤُمَّ بإذن الْمَزُورِ؛ لقوله في حديث أبي مسعود المتقدم: «إلا بإذنه»...، والحاصل: أنَّ حديث: «إذا زار أحدكم قومًا فلا يُصَلِّيَنَّ بهم» مقيَّدٌ بما إذا لم يَأْذَنُوا للزائر أنْ يَؤُمَّهُم، فأما إذا أَذِنُوا فلا مانع من ذلك؛ لما ذكر، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (10/ 23-24).  
وقال ابن رجب -رحمه الله-: 
ورَخَّصَ آخرون في إقامة الزائر بإذن رب البيت، وهو قول مالكٍ وأحمد، وهذا القول هو الَّذِي بوَّب عليه البخاري ها هنا، ولكنه لم يشترط الإذن، وقد وافقه ابن عقيل من أصحابنا، وقال: إنَّما يكون رب البيت وإمام المسجد أولى ممن سواه لا ممن هو أَقْرَأ منه أو أَفْقَه.
وظاهر هذا: أنَّه يُقدَّم الأَقْرَأُ والأَفْقَهُ مطلقًا على إمام المسجد ورب البيت، بإذنه وغيره، وقد روي عن حميد بن عبد الرحمن ما يدل على ذلك أيضًا، وسيأتي فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
وأكثر العلماء على أنَّه إنما يُقَدَّم على رب البيت وإمام المسجد بإذنه، وإنما يُعْتَبَر الإذنُ في حق غير النَّبِيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وقد ذكر أبو بكر الأثرم فِي كتابه (الناسخ والمنسوخ) أن النَّبِيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يصلي بالقوم إذا زارهم من غير استئذان؛ لأنه كان إمامَ النَّاس كلهم حيث ما كان، وليس هذا لغيره، قال: والنهي عن إمامة الزائر يحمل في حق أُمَّتِه على إمامتهم بغير إذنهم.
وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود عن النَّبِيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سلطانه، ولا يَقْعُدُ في بيته على تَكْرُمَتِهِ إلا بإذنه» قال الإمام أحمد: أرجو أنْ يكون الاستثناء على كله، وأما التكرمة فلا بأس به إذا أذن.
يعني: أنَّ الاستثناء يعود إلى الجلوس على التكرمة قطعًا من غير شك، ويرجى عوده إلى الإمامة في سلطانه أيضًا، فيكون مرخَّصًا فيها بإذنه. فتح الباري (6/ 135-136).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وكل ذلك راجع إلى معنى واحد وهو أنَّ الجماعة شُرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتألفهم وتوادهم، وإذا أمَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخَلْعِ رِبْقَةِ الطاعة عن الأعناق، وإذا أَمَّهُ في أهله أو في قومه أدَّى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظُهور الخلاف الذي شُرع لرفعه الاجتماعُ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما بيَّن أنَّ الاستحقاق في التقدم يدور على أربع مراتب، وهي المهارة في القراءة، والعلم بالسُّنة، والقِدَمُ في الهجرة، والكِبَرُ في السِّنِّ، ثم رأى أنَّ الناس لو وُكلوا في ذلك إلى اختيارهم لَهَامَ بهم الأهواء في كل وادٍ، وتَعَسَّفَ بهم اختلاف الآراء في كل مسلك، فأَعْلَمَهَم أنَّ مراعاة هذه المراتب وإنْ كان هو الحق الأبلج، فإنَّ التقدُّم به على ذي السلطنة لا سيما في الأعياد والجمعات غير سائغ، وكذا التقدُّم على إمام الحَيِّ، وربِّ البيت؛ للعلل التي ذكرناها إلا أنْ يُؤْذَنَ لهم فيه. الميسر (1/ 295)

ولمزيد من الفائدة ينظر الرواية الأخرى: «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ...»


إبلاغ عن خطأ