«أوَّلُ ما يُرفَعُ من هذه الأمَّةِ الخشوعُ، حتى لا يُرى فيه خَاشِعًا».
رواه الطبراني في مسند الشاميين برقم: (1579)، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2569)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (542).
غريب الحديث
«الخُشُوعُ»:
الخضوع. تاج العروس، لمرتضى الزبيدي (20/506).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
والخشوع: السُّكونُ والتَّذَلُّلُ. تاج العروس، لمرتضى الزبيدي (20/507).
قال النووي -رحمه الله-:
قال الأزهري: هو سكون المرء في صلاته. تهذيب الأسماء واللغات (90).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أوَّلُ ما يُرفَعُ من هذه الأمَّةِ الخشوعُ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«أولُ شيء يُرْفَعُ مِن هذه الأمَّةِ» المحمدية «الخشوع». فيض القدير (3/88).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع» هذا الإخبار تحريض على الاتصاف به، واستجلاب أسبابه الموجِبَة له. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 334).
قوله: «حتى لا يُرَى فيها خاشِعًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«حتى لا تَرَى فيها خاشعًا» خشوع إيمان، بل خشوع تَمَاوُتٍ ونفاق، فيصير الواحد منهم ساكن الجوارح تَصَنُّعًا ورياءً، ونفسه في الباطن شَابَّة طَرِيَّة ذات شهوات وإرادات، فهو يَتَخَشَّع في الظاهر، وأسد الغابة رَابِضٌ بين جَنْبَيْهِ ينتظر الفريسة.
وقال الراغب: قال رَجُلٌ للحسن البصري: أمؤمن أنت؟ قال: إنْ كنتَ تريد قول الله تعالى: {آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} البقرة: 136، فنعم، به نتناكح ونتوارث، وإنْ أردتَ قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الأنفال:2، فلا أدري. فيض القدير (3/88).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
أو المراد: خشوع الصلاة، وخشوعها: خشية القلب، وكَفُّ الجوارح عن العبث، وتدبُّر القراءة والذِّكر، وتركُ الشواغل الدنيوية، وإلزام البصر محلَّ السجود، وإن صلى بقُرْبِ الكعبة. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/207).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
والخشوع في الصلاة: خشيةُ القلب، وإلزام البَصَرِ موضع السجود، وجمْعُ الهمَّة لها، والإعراض عمَّا سواها، ومِن الخشوع أنْ يستعمل الآداب، فيتوقَّى كفَّ الثوب، والعبث بجسده وثيابه، والالتفات، والتَّمَطِّي، والتَّثَاؤب، والتَّغْمِيْض ونحوها. شرح المشكاة (3/745).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
في لفظ: «حتى لا تَرَى فيها خاشعًا» والخشوع الإخبات والاطمئنان، وإقبال القلب على تعظيم الله وتوقيره والمراقبة له. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 334).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وعماد الصلاة: الخشوعُ وحضور القلب مع القراءة والذِّكْر بالتَّفَهُم.
قال الحسن البصري -رحمة الله تعالى-: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ العبدَ لَيُصَلِّي الصلاة فلا يُكتب له منها سُدُسُهَا ولا عُشْرُهَا، وإنما يُكتب للعبد من صلاته بِقَدرِ ما عَقَلَ منها». بداية الهداية (ص: 47).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
الخشوع معنًى يقوم بالنفس، يَنْشَأُ مِن استحضار اطِّلاع الله تعالى على العباد، فيظهر عنه سكون في الأطراف، يلائم مقصود العبادة بهذا الاعتبار. إتحاف السادة المتقين (3/ 165).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توعَّد تَارِكِيْهِ كالذي يرفع بصره إلى السماء فإنه حركته ورفعه وهو ضد حال الخاشع، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما بَالُ أقوامٍ يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك، فقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلكَ أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم»، وعن جابر بن سَمُرَة -رضي الله عنه- قال: «دَخَلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسجد وفيه ناس يصلون رافِعِي أبصارهم إلى السماء، فقال: ليَنْتَهِيَنَّ رجالٌ يَشْخَصُونَ أبصارَهم إلى السماء أو لا تَرْجِعُ إليهم أبصارهم». مجموع الفتاوى (22/558).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبًا وهو مُتضمِّن للسكون والخشوع، فمَن نَقَر نَقْرَ الغُراب لم يخشع في سجوده، وكذلك مَن لم يرفع رأسَه من الركوع ويستقر قبل أنْ ينخفض لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومَن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده، ومَن لم يخشع كان آثمًا عاصيًا. مجموع الفتاوى (22/558).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
والخشوع يتضمَّن معنيين:
أحدهما: التواضع والذل.
والثاني: السكون والطمأنينة؛ وذلك مُسْتَلْزِمٌ للِيْنِ القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمَّن عبوديته لله وطمأنينته أيضًا؛ ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمَّن هذا وهذا التواضع والسكون، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} المؤمنون:2، قال: مُخْبِتُون أَذِلَّاء، وعن الحسن وقتادة: خائفون، وعن مقاتل: متواضعون، وعن عليٍّ: الخشوع في القلب، وأن تلين للمرء المسلم كَنَفَك (الكَنَفُ: الحفظ والحراسة والصيانة) ولا تلتفت يمينًا ولا شمالًا، وقال مجاهد: غض البصر وخفض الجناح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يَهَابُ الرحمنَ أن يَشذَّ بصره أو أن يُحَدِّث نفسه بشيء من أمر الدنيا، وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحب حُسْنِ الهيئة في الصلاة، وعن ابن سيرين وغيره: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء وينظرون يمينًا وشمالًا حتى نزلت هذه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} المؤمنون:2 الآية، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رُئِيَ أحدٌ منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض» وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة. مجموع الفتاوى (7/28).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقيل: هو (أي: الخشوع) جَمْعُ الهِمَّة لها (أي: الصلاة)، والإعراض عما سواها...، وعن أبي الدرداء: يحتاج المصلي إلى أربع خلال حتى يكون خاشعًا: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التَّام، وجمع الهَمِّ. عمدة القاري (5/ 280).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقال علي بن أبي طالب: الخشوع في القلب، وأنْ لا تلتفت في صلاتك...، فإنْ قال قائلٌ: الخشوع فرض في الصلاة؟
قيل له: بحسب الإنسان أنْ يقبل على صلاته بقلبه ونيته، ويريد بذلك وجه الله، ولا طاقة له فيما اعترض من الخاطر، وقد رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "إني لأُجهِّز جيشي في الصلاة". شرح صحيح البخاري (2/ 359).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الخشوع في الصلاة هو حضور القلب، والمحافظة عليه من أسباب دخول الجنات، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُون * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} المؤمنون: 1-11. مجموع الفتاوى (12/152).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
والخشوع في الصلاة هو رُوْحُهُا ولُبُّها، ولا يحصل ذلك إلا لمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عمَّا عداها، وآثرها على غيرها، واستحضر فيها عظمة الله تعالى فصارت راحة له وقرة عين، والصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب وإن كانت مجزئة مُثَابًا عليها، إلا أن الثواب على حسب ما يَعْقِل القلب منها؛ لما ورد عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنَّ الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشْرُ صلاته، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» منحة العلام شرح بلوغ المرام (ص: 339).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله- أيضًا:
وأسباب الخشوع نوعان، وكلٌّ منهما في مَقْدُوْرِ المكلَّف:
الأول: جَلْب ما يوجب الخشوع ويقويه، وهو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية: "قوة المقتضي" ويتم ذلك بالاستعداد للصلاة، والتفرغ لها، والطمأنينة، وترتيل القراءة وتنويعها، وتدبرها، وتنويع الأذكار والأدعية وتدبرها، ولا سيما في حالة السجود.
الثاني: إزالة الشواغل ودَفْعُ الموانع التي تُصْرَفُ عن الخشوع، وهذا هو الذي يسميه شيخ الإسلام ابن تيمية: "ضعف الشاغل" وهو الذي جاءت فيه أحاديث الباب، حيث تضمَّنتْ نهي المصلي عن أمورٍ تنافي الخشوع أو تُضْعِفُه، فيتعيَّن على المكلَّف اجتنابها ليحصل له الخشوع.
فينبغي للمصلي إذا دخل في صلاته أن يُعْنَى بها، وأن يُقْبِلَ عليها بقلبه وقالَبِهِ، حتى يحصل من الأجر والثواب والعاقبة الحميدة والتأثر بالصلاة ما لا يحصيه إلا الله تعالى؛ لأنها صلة بين العبد وربه، فيَحْذَر ما يشغل قلبه.
وكثير من الناس إذا دخل الصلاة جعلها فرصة للعبث إما ببدنه أو بثيابه أو بنظره ههنا أو ههنا، وهذا لا ينبغي، بل يُخشى عليه بطلان صلاته إذا كثرت الحركات. منحة العلام شرح بلوغ المرام (ص: 340).
وقال المنذري -رحمه الله-:
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أولُ شيء يرفع من هذه الأمَّة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا».
رواه الطبراني بإسناد حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه في آخر حديث موقوفًا على شداد بن أوس، ورفعه الطبراني أيضًا، والموقوف أشبه. الترغيب والترهيب (1/ 204).