الجمعة 28 ذو القعدة 1447 | 2026-05-15

A a

«تزوَّجَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في شوّال، وبَنَى بِي في شوّال، فأيُّ نساءِ رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كانَ أَحْظَى عندَه مِنِّي؟ قال: وكانت عائشةُ تَسْتَحِبُّ أن تُدخِلَ نساءَها في شوّال».


رواه مسلم برقم: (1423)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-. 


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«وبَنَى بِي»:
بَنَى على أهله: دَخَلَ بها، وأصله: أن الرَّجُل كان إذا تزوج بَنَى للعُرْسِ خِبَاءً جديدًا. المصباح المنير، للفيومي (1/ 63).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
والعامة تقول: بَنَى بأَهْلِهِ، وهو خطأ، وكان الأصل فيه: أن الداخل بأهله كان يَضْرِبُ عليها قُبَّةً ليلةَ دُخُولِه بِهَا، فقيل لكل داخل بأهله: بَانٍ. الصحاح (6/ 2286).
وقال المطرزي -رحمه الله-:
قولهم: بَنَى على امرأته: إذا دَخَلَ بها، أصله: أنَّ الْمُعَرِّسَ كان يبني على أهله ليلةَ الزفاف خِبَاءً جديدًا، أو يُبْنَى له، ثم كثر حتى كُنِّي به عن الوطء، وعن ابن دريد: بَنَى بامرأته بالباء كأَعْرَسَ بها. المغرب في ترتيب المعرب (ص: 51).

«أَحْظَى»:
الحُظْوَة والحِظْوَة والحِظَة: المكانة والمنزلة للرَّجُل مِن ذي سلطانٍ ونحوه. لسان العرب، لابن منظور (14/ 185).
وقال المديني -رحمه الله-:
يقال: له حُظْوة وحِظْوَة وحِظَة، والفعل منه حَظِيُّ فهو حَظٍ، والمرأة حَظيَّة، وللمبالغة: حَظِيُّ، وحَظِيَة، بتخفيف الظاء، وليس مِن الحَظِّ في شيء. المجموع المغيث (1/ 466).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: أَقْرَبُ إليه مِنِّي، وأَسْعَدُ به. النهاية (1/ 405).  


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قولها: «تزوَّجَني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في شوّال»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«تزوَّجَني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في شوال» أي: نَكَحَنِي في شوال. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 35).
وقال موسى شاهين -رحمه الله-:
«تَزَوَّجَنِي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في شوال» أي: عقد عليها في شهر شوال قبل الهجرة بسنة ونصفِ السنة على الأَشْهَرِ. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 532).

قولها: «وبَنَى بِي في شوّال»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: دخل عليها في شوال بعد الهجرة بسنة ونصفِ السنة. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 532).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«وبَنَى بِي» أي: أَدْخَلَنِي بيْتَهُ، وضمَّنِي إليه في شوال. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 35).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وبَنَى بِي» أي: دَخَل معي وزُفَّ بِي «في شوال». مرقاة المفاتيح (5/ 2066).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وبَنَى بِي في شوال» أي: دخل بي، والأصل أن الرَّجُل إذا تزوج امرأةً بَنَى عليها قُبَّةً؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بَنَى على أهله وبأهله. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 614).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«بَنَى بِي» صوابه: عند أهل اللغة بَنَى عليَّ، على ما في حديث الربيع بنت معوذ: «حين بنى عليَّ»، ويقولون: العامة تقول: بَنَى بأهله، وهو خطأ، وكان الأصل في هذا أن الداخل بأهله كان يَضْرِبُ عليها ليلةَ دخوله بها قُبَّةً، فقيل لكل داخل بأهله: بَانٍ، والظاهر: أن يكون مِن بعض الرواة، فإنها -رضي الله عنها- كانت تَضُمُّ إلى فصاحة قريش بلاغةً، وفَصْلَ خطابٍ. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 748).
وقال الطبي -رحمه الله-:
أقوال: إن استعمال «بنى عليها» بمعنى زَفَّهَا في بِدْءِ الأمر كناية، فلما كثر استعماله في الزفاف فُهِمَ منه معنى الزفاف، وإن لم يكن ثمة بناءٌ، وأيُّ بُعْدٍ في أن يُنْتَقَل من المعنى الثاني إلى المعنى الثالث، فيكون بمعنى أَعْرَسَ بِي؟ فيوضِّح هذا ما قال صاحب المغرب: أَصْلُهُ أن الْمُعَرِّسَ كان يبني على أهله ليلةَ الزفاف خِبَاءً، ثم كثر حتى كُنِّيَ به عن الوطء. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2286).

قولها: «فأيُّ نساءِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كان أَحْظَى عندَه مَنِّي؟»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قولها: «فأيُّ النساء» الفاء سببية. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2286).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أيُّ» اسم استفهام إنكاري، مبتدأ، خبره قولها: «كان أَحْظَى» أَفْعَلُ تفضيل من الحُظْوَةِ. البحر المحيط الثجاج (25/ 254).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأيُّ نِسَائِهِ» وأزواجه -صلى الله عليه وسلم- «كان أَحْظَى». مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 426).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: فلم قالت: «فأيُّ النساء» ولم تقل: فأَيَّةُ امرأةٍ؟
قلتُ: ليُؤْذِنَ ابتداء كثرة نسائه المفَضَّلاتِ عليهِن، وهي أحظى عنده -صلى الله عليه وسلم- من كل واحدة منهن، وقريب منه قوله تعالى: {فَإن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} حيث لم يقل: فإن كانت امرأةً فوق اثنتين، وفائدته: التنبيه على خُلُوصِهِنَّ إناثًا لا ذَكَرَ فيهن. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2286).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «أَحْظَى» أي: أكثر حظًّا. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 614).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان أحظى» أي: أَقْرَبُ إليه، وأَسْعَدُ به، أو أَكْثَر نصيبًا «عنده مني». مرقاة المفاتيح (5/ 2066).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «أحظى» أي: أكثر وأوفى نصيبًا منه -صلى الله عليه وسلم-. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 35).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أحظى» أي: أقرب منزلة «عنده مني». شرح المصابيح (3/ 561).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والمعنى: لا أحد أكثر حظْوَةً عند النبي -صلى الله عليه وسلم- مِنِّي، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- تزوجني في شوال، وبنى بِيَّ فيه، فبَطَلَ بذلك ما كان يَزْعُمُهُ الجاهلية من التشاؤم بهذا الشهر. البحر المحيط الثجاج (25/ 254).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«فأيُّ نسائه كان أحظى عنده مني؟» أي: لم يَضُرَّنِي ذلك، ولا نَقَصَ مِن حُظْوَتِي، ثم إنها تَبَرَّكَتْ بشهر شوال. المفهم (4/ 123).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
تشير به إلى حظوتها برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي رفعة منزلتها عنده -صلى الله عليه وسلم-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 427).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
كانت الجاهلية تَكْرَهُ هذا وتَطَّيَّرُ مِن ذلك؛ لِمَا في اسم شوال من قولهم: شَالَتْ نَعَامَتُهُم، وشَالَتْ النُّوقُ بأذنابها: إذا رفعتها. إكمال المعلم (4/ 575).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
لا تقصد -رضي الله عنها- أن دخولها في شوال كان سببًا في حظوتها عنده -صلى الله عليه وسلم-، وإنما تقصد أنه لم يكن شُؤْمًا، ولم يَحُلْ دون حظوتها وسعادتها. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 533).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وإنما قالت: «فأيُّ نساءَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت أحظى عنده مني»؛ لأنها سمعت بعضَ الناس يتَطَيَّرُونَ ببناء الرجل على أهله في شوال، وكأنَ هذا كان من أحاديث أهل الجاهلية، لا يرون الإعراس في أشهر الحج، فحَكَتْ مِن نَفْسِها ما حَكَتْ؛ دفعًا للوهم عن نفوسهم، وإزاحةً للباطل عن عقائدهم. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 748).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أرادت بهذا الحديث: أن العوام كانوا يقولون: التَّزَوُّج بين العيدين ليس بمحمود، فذَكَرَت عائشة هذه الحكاية؛ إنكارًا عليهم، يعني: فلو لم يكن التزوُّج بين العيدين محمودًا لما تزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شوال، والتزوج بين العيدين حرام لمن أحرم بالحج من أول شوال، ومِن حينِ أَحْرَمَ الرَّجُل بالحج أو العمرة حرم عليه التزوج، ولا ينعقد النكاح في الإحرام، هذا في الْمُحْرِمُ، وأما في غير المحْرِمِ فلا بأس عليه بالتزوج والزفاف بين العيدين. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 35-36).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
وروى ابن سعد في طبقاته عن أبي عاصم النبيل قال: إنما كَرِهَ الناسُ أن يدخلوا النساء في شوال؛ لطاعون وقع في شوال في الزمن الأول. شرح صحيح مسلم (4/ 28).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ومن هذا النوع: كراهة الجُهَّال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر الْمُحَرَّم، بل ينبغي أن يَتَيَمَّنَ بالعقد والدخول فيه؛ تمسكًا بما عَظَّم الله ورسوله مِن حُرْمَتَِه، وردعًا للجهال عن جهالاتهم. المفهم (4/ 123).

قوله: «قال: وكانت عائشةُ تستحبُّ أن تُدخِلَ نساءَها في شوّال»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «قال» عروة: «وكانت عائشة تَسْتَحِبُّ» أي: تحب، فالسين والتاء فيه زائدتان. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 427).
وقال السندي -رحمه الله-:
«تستحب» ذلك للاتِّبَاعِ، لا لاعتقاد سُعُودٍ فيه، «أن تُدْخِلَ» على بناء المفعول، أو الفاعل من الإدخال. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 614).
وقال موسى شاهين -رحمه الله-:
«نَساءَهَا في شوال» أي: النساء اللاتي تَلِي أَمْرَهُنَّ، أو اللاتي ينْتَسِبْنَ إليها وتَرْعَاهُنَّ. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 533).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
كانت تحب أن تدخل نساءها على أزواجهن في شوال؛ للذي حصل لها فيه من الخير برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن الحظوة عنده؛ ولمخالفة ما يقول الجهال من ذلك. المفهم (4/ 123).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
استَدَلَّ المصنف (يعني: ابن تيمية الجد) بحديث عائشة على استحباب البناء بالمرأة في شوال، وهو إنما يدل على ذلك إذا تَبَيَّنَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قصد ذلك الوقت لخصوصية له لا توجد في غيره، لا إذا كان وقوعُ ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- على طريق الاتفاق، وكونه بعض أجزاء الزمان فإنه لا يدل على الاستحباب؛ لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وقد تزوج -صلى الله عليه وسلم- بنسائه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق، ولم يَتَحَرَّ وقتًا مخصوصًا، ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب لكان كل وقت من الأوقات التي تزوج فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسْتَحَبُّ البناءُ فيه، وهو غير مُسَلَّم. نيل الأوطار (6/ 225).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: إجبار الرَّجل ابنَتَهُ على النكاح، وتزويج الصغار. إكمال المعلم (4/ 575).
وقال النووي -رحمه الله-:
(و) فيه: استحباب التزويج والتزوُّج والدخول في شوال، وقد نصَّ أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث.
وقَصَدَتْ عائشةُ بهذا الكلام رَدَّ ما كانت الجاهلية عليه، وما يتَخَيَّلُهُ بعضُ العوام اليوم من كراهة التزوُّج والتَّزْوِيج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهو من آثار الجاهلية؛ كانوا يتَطَيَّرُونَ بذلك؛ لِمَا في اسم شوال من الإِشَالةِ والرَّفْعِ. شرح صحيح مسلم (9/ 209).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- معلقًا:
أقول: إن العمل المشروعَ يَفْضُلُ غيرَه بأَمْرٍ من أمورٍ ثلاثة: إما بفضل المكان الذي يقع فيه، وإما بفضل الزمان الذي يقع فيه، وإما بفضل النِّية التي يقع بها، وقد تجتمع الأمور الثلاثة.
وما هنا مِن قبيلِ الأمر الثالث، فاستحبابه عند الشافعية من هذه الحيثية، حيثية القصد والنيَّة، والله أعلم. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 533).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان استحباب التزويج في شهر شوال...
ومنها: حِرْصُ النبي -صلى الله عليه وسلم- على محو آثار الشرك، والاعتقادات الجاهلية؛ حيث تزوَّج عائشةَ في شوال، وَبَنَى بها فيه لذلك، وكذلك كانت هي تحرص على إدخال نسائها فيه.
ومنها: أنه ينبغي لأهل العلم، ودعاة الخير الاجتهاد في إزالة ما كان عليه عادة الناس، مِن التشاؤُمِ في بعض الشهور، أو الأيام، أو الأشخاص؛ فإنَّ ذلك مِن آثَارِ الشِّرْكِ، وما أَكْثَرُهُ اليومَ في شَتَّى بِقَاعِ الأرضِ، بشتى أنواع الخرافات! فلا حول ولا قوة إلا بالله. البحر المحيط الثجاج (25/ 255-256).


إبلاغ عن خطأ