«أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- اسْتَسْقَى، فأَشارَ بِظَهْرِ كفَّيْه إلى السماء».
رواه مسلم برقم: (896)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وعند أبي داود برقم: (1171)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «كان يَسْتَسْقِي هكذا، يعني: ومَدَّ يَدَيْهِ، وجَعَل بُطونَهُمَا مما يَلِي الأرض».
صحيح سنن أبي داود برقم: (1062).
مختصر شرح الحديث
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استسقى»:
قال القاضي عياض-رحمه الله-:
قوله: «استسقى» أي: طَلَبَ مِن الله السَّقْي بدعائه، أو بِتَضَرُّعِهِ وصلاتِه. إكمال المعلم (3/ 314).
قوله: «فأشار بِظَهْرِ كفَّيْه إلى السماء»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «استسقى فأشار بظهر كفَّيه إلى السماء» هذا اختيار جماعة من العلماء في رفع اليدين عند مواطن الدعاء، وفي الاستسقاء، واستحبابهم ذلك، ورُوي استحبابه عن مالك في الاستسقاء، وعنه كراهة رفع الأيدي في شيء من الأشياء، وأمَّا صورة رفْعِها: فهذا المروي في الحديث، وهذا الذى اختاره مالك عند عزْم الإمام على الناس في رفع الأيدي، فَرَفَعَ يديه كذلك، وقال: إن كان الرَّفْع فهذا اقتداءٌ منه بما جاء في الحديث، وهو الذي فسَّره مفسرون بالرَّهَب في قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} الأنبياء: 90، قالوا: وأما عند المسألة والرَّغْبة فَبَسْط الأيدي وظهورها إلى الأرض، وهذا الرَّغَب. إكمال المعلم (3/315، 316).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«كان النَّبي إذا استسقى أشار بظهر كفَّيه إلى السماء» المعنى: أنه كان يجعل بطن كفَّيه إلى الأرض، وظَهْرَهُمَا إلى السماء؛ يشير بذلك إلى قلب الحال ظَهرًا لِبَطن، وذلك مثل صنيعه في تحويل الرِّداء، ويُحتمل وجهًا آخر، وهو: أنَّه جعل بطن كفَّيه إلى الأرض؛ إشارة إلى مسألته مِن الله تعالى بأن يجعل بطن السُّحُبِ إلى الأرض؛ لِينْصَبَّ ما فيه من المطر، كما أنَّ الكَفَّ إذا جُعِلَ وجْهُهَا إلى الأرض انْصَبَّ ما فيها من الماء. الميسر (1/ 357).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«عن أنس أنَّ النَّبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- استسقى، فأشار بظهر كفَّيه إلى السماء»، فعل ذلك تفاؤلًا بتَقَلُّبِ الحال ظهرًا لِبَطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرِّداء؛ أو إشارة إلى ما يسأله، وهو: أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض؛ لِيَنصَبَّ ما فيه من الأمطار. تحفة الأبرار (1/406، 407).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- استسقى فأشار بظهر كفَّيْه إلى السماء» قال جماعة من أصحابنا (الشافعية) وغيرهم: السُّنَّة في كلِّ دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يَرفع يديه، ويجعل ظهر كفَّيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جَعَلَ بطن كفَّيه إلى السماء، احتجوا بهذا الحديث. شرح صحيح مسلم (6/ 190).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فأشار بِظَهْر كفَّيه إلى السماء» هذا إشارة إلى دفْع البلاء والقَحْط، فمَن أراد من الله نعمةً فلْيجعل بطن كَفِّه إلى السماء، ومَن طَلَبَ دفع بلاء فلْيجعل ظهر كفِّه إلى السماء، ويُحتمل أن يريد بقَلْب بطن كفِّه إلى الأرض: نزول المطر، أي: اصْبُب مطرَ السحاب إلى الأرض كما يَنصَبّ ماء الكَفّ إذا جُعل بطنه إلى الأرض. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 370).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فأشار بظهر كفَّيه إلى السماء» على عكس ما هو المتعارف في الدعاء، قالوا: إذا كان الدعاء للطَّلَبِ وسؤال شيء من جنس النَّعماء يستحب أن يُجعل بطنُ الكَفّ إلى جهة السَّماء، وإذا كان لِدَفع فتنة أو بلاء يُجْعَل ظَهْرُها إليها؛ إطفاءً لنائرة الفتنة والبلاء، وخفضًا بقوة الحادثة وغَلَبَتِهَا. لمعات التنقيح (3/ 614).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عن أنس -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- استسقى فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء» فيه: دلالة أنه إذا أُرِيد بالدعاء رَفْعُ البلاء، فإنه يَرفع يديه ويجعل ظهر كفَّيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله جَعَلَ بطن كفَّيه إلى السماء.
وقد ورد صريحًا في حديث خلَّاد بن السائب عن أبيه: «أنَّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان إذا سأل جَعَلَ بطن كفَّيه إلى السماء، وإذا استعاذ جَعَلَ ظهرهما إليها»، وإنْ كان قد ورد من حديث ابن عباس: «سَلُوْا الله بِبُطُونِ أَكُفِّكم، ولا تَسْأَلُوهُ بِظَهْرِهَا» وإن كان ضعيفًا، فالجمع بينهما: أنَّ حديث ابن عباس يختص بما إذا كان السؤال بحصول شيء لا لدفع بلاء، وقد فُسِّر قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} الأنبياء: 90، أنَّ الرَّغَب بالبُطون، والرَّهَب بالظُهُور. سبل السلام (3/ 232).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما الدعاء بظهور الأَكُفِّ فقد اختلف أهل العلم فيه؛ لأنه ورد في صحيح مسلم ما ظاهره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو بظهور كَفَّيه في الاستسقاء، ولكن الظاهر ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أن الدعاء كلُّه بِبُطُونِ الأَكُفِّ ولكن الراوي ذكر أن ظهور كَفَّي الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى السماء؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- بَالَغَ في الرفع فظَنَّ من يراه أنه جَعَلَ ظهورهما نحو السماء، وليس المعنى أنه دعا بهما مقلوبَتَيْنِ وهذا هو الأقرب. فتاوى نور على الدرب.
وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد -رحمه الله-:
أي: مِن شدة الرفع بيده كأنَّ ظهور كفَّيه نحو السماء، وهذا هو الذي يلتقي مع جميع أحاديث الرفع التي فيها التصريح بجعل بطونهما إلى السماء، ومع حديث مالكِ بنِ يسار -رضي الله عنه-: «إذا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ ولا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا» رواه أحمد وأبو داود.
ولم أجد من حلَّ هذا الإشكال على هذا الوجه إلا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فيما نقله عنه العلامة المرداوي -رحمه الله تعالى- في "الإنصاف" (2/ 321) حينما ذكر المذهب بِجَعْلِ ظُهُور يديه نحو السماء في الاستسقاء؛ لأنه دعاءُ رَهْبَةٍ، وأنَّ ظاهر كلام كثير من الأصحاب أن دعاء الاستسقاء كغيره في كونه يَجْعَلُ بُطُونَ أصابعه نحو السماء. قال ما نصُّه: واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: صار كَفُّهُ نحو السماء؛ لشدة الرفع لا قصدًا له، وإنما كان يوجِّه بطونهما مع القصد، وأنه لو كان قصده فغيره أولى وأشهر، قال: ولم يقل أحد ممن يرى رفعهما في القنوت: إنه يرفع ظهورهما، بل بطونهما. اهـ.
وهو نَقْلٌ عَزِيْزٌ حَلَّ هذا الإشكال المتعارِض ظاهرًا، المتآلف باطنًا، فيه تآلفت السنن ظاهرًا وباطنًا، والحمد لله. تصحيح الدعاء(ص: 18، 19.
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «فأشار بظهر كَفَّيه إلى السماء» هذا محمول على أنَّه بالَغ في رفع اليدين، فصار -من شدة المبالغة- كأنَّ ظهْر كَفَّيه إلى السماء، وإلَّا فإنَّ السؤال يكون ببطونِ الأيدي لا بظهورها، كاسْتِطْعَامِ المسكين. توفيق الرب المنعم (2/ 655).
وذكر ابن رجب -رحمه الله- نوعًا خامسًا لرفع اليدين في الاستسقاء فقال:
النوع الخامس: أن يقلب كَفَّيه، ويَجْعَل ظهورهما مما يلي السماء، وبطونهما مما يلي الأرض، مع مَدِّ اليدين ورفعهما إلى السماء، خرَّج مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: «أنَّ النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- استسقى، فأشار بظهر كفَّيه إلى السماء»...وقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- لم يَقْصِدْ قَلْبَ كفَّيه، إنما حَصَلَ لهُ من شدة رفع يديه انْحِنَاءُ بطونهما إلى الأرض.
وليس الأمر كما ظنه، بل هوَ صفة مقصود لنفسه في رفع اليدين في الدعاء. فتح الباري (9/ 224).
وقال الشيخ اللهيميد -حفظه الله-:
اختلف العلماء في الحديث على قولين:
القول الأول: أنَّ السُّنَّة في صفة رفع اليدين (في الاستسقاء): أن يَرْفَعَ الداعي يديه وظهورهما إلى السماء، وهذا قول الأكثر: المالكية، والشافعية، والحنابلة؛ لحديث الباب، قالوا: إن هذا كالنص في كيفية رفع اليدين في الدعاء في الاستسقاء.
القول الثاني: أنَّ السنة في صفة رفع اليدين: أن يرفع الداعي يديه وبطونهما إلى السماء، وهذا ظاهر مذهب الحنفية، وهو اختيار ابن تيمية؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «إذا دعوت، فادْعُ بباطن كَفَّيك، ولا تَدْعُ بظهورهما» رواه أبو داود، وفيه ضعف.
وقالوا: إن المراد بحديث الباب: المبالغة في رفع اليدين، وأنه مِن شِدة الرَّفْع صار ظهور الكفَّين نحو السماء وبطونهما نحو الأرض، وهذا هو الصحيح. شرح بلوغ المرام (1/ 930).
وقال الشيخ بن عثيمين -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على عُلُوِّ الله تعالى؛ لقوله: «إلى السماء»، إشارة إلى علو الـمَدعُوّ -سبحانه وتعالى-. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 468).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
- استحباب الاستسقاء عند الحاجة إليه.
- الظاهر أنَّ الاستسقاء هنا بمجرد الدعاء؛ فيكون هذا الحديث هو النوع الثالث في الاستسقاء بالدعاء فتقدم، بخطبة الجمعة، وهذا ثالثهما.
- المبالغة في رفع اليدين، حتى تَنْحَرِف اليدين؛ بحيث يكون ظهور الكفين نحو السماء. توضيح الأحكام (3/ 104).
ولمزيد من الفائدة ينظر هل كان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء