«مَن تَقَوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار، ومَن اسْتَشَارَهُ أخوه المُسلم فأشار عليه بغير رُشْدٍ، فقد خَانَهُ، ومَن أُفْتِيَ بِفُتْيا غير ثَبْتٍ فإنَّما إثْمُهُ على مَن أَفْتَاهُ».
رواه أحمد برقم: (8266)، والحاكم برقم: (349)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6068 ، 6069)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند برقم: (8249).
مختصر شرح الحديث
غريب الحديث
«رُشْدٍ»:
قال الليث: يُقال رَشَد الإنسانُ يَرْشُدُ رُشدًا ورَشادًا، وهو نقيض الغَيّ، ورَشِد يَرْشَدُ رَشَدًا، وهو نقيض الضَّلال، إِذا أصابَ وَجْهَ الْأَمر وَالطَّرِيق فقد رَشِد. تهذيب اللغة، للأزهري (11/ 220).
قال الجوهري -رحمه الله-:
الرَّشادُ: خلاف الغَيّ، وقد رَشَدَ يَرْشُدُ رُشْدًا، ورَشِدَ بالكسر يَرْشَدُ رَشَدًا لغةٌ فيه. تجديد الصحاح (ص1872).
«بفُتْيا»:
الفَتْوى والفُتْيا: مَا أَفْتَى به الفقيه، وقد حُكِيَت الفُتْوى (بضم الفاء) وهي قليلة. المخصص، لابن سيده (4/ 458).
«ثَبْتٍ»:
رجُلٌ ثَبَتٌ (بفتح الباء): أي حُجَّةٌ...، والثَّبْتُ: المُتَثَبِّتُ في الأُمُوْرِ. المحيط في اللغة، لابن عباد (9/ 422).
قال الجوهري -رحمه الله-:
رجلٌ ثَبْتٌ، أي: ثابتُ القلب، قال الشاعر:
ثَبْتٌ إذا ما صِيحَ بالقوم وَقَرْ.
ويُقال أيضًا: فلانٌ ثَبْتُ الغَدَر، إذا كان لا يزلُّ لسانه عند الخصومات...، وتقول أيضًا: لا أَحْكُمُ بكذا إلَّا بِثَبَتٍ، أي: بحُجَّة. الصحاح (1/ 245).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن تَقَوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مَن تَقَوَّل» بتشديد الواو، أي: مَن كَذَب وافترى «عليَّ ما لم أقُل» أي: متعمِّدًا كما في رواية «فليتبوأ مقعده من النار» وهذا القَدْر من الحديث كاد أن يكون متواترًا في المعنى. مرقاة المفاتيح (9/ 3831).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «من تَقَوَّل» من باب: تَفَعَّل، تَقَوَّلَ قولًا: ابتدعه كذبًا، وهو كقوله في حديث آخر: «من كَذَبَ عليَّ مُتَعمِّدًا». لمعات التنقيح (9/ 508).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «مَن تقوَّل» يدل على أنَّ التَّكلُّف يغني عن قيد التَّعمُّد. الحاشية على سنن ابن ماجه (1/ 18).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَن تقوَّل عليَّ» أي: افترى عليّ، يقال: تَقَوَّلَ الرَّجُل على زيد ما لم يَقُل: ادّعىَ عليه ما لا حقيقة له، قاله في المصباح...، وإنَّما ذَكَرَ القول؛ لأنَّه الأكثر، وإلا فَحُكْم الفعل كذلك؛ لاشتراكهما في عِلَّة الامتناع، وقد دخل الفعل في عموم حديث: «من كَذَبَ عليَّ» فلا فرق في ذلك بين أن يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا، وفعل كذا، إذا لم يكن قاله أو فعله.
وقد تمسَّك بظاهر هذا اللفظ مَن منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجيزون عنه: بأن المُراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجِب تغيير الحكم، مع أن الإتيان باللفظ لا شك في أولويته. مشارق الأنوار الوهاجة (1/ 448).
قوله: «فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «فلْيتبوأ» ظاهره أمْرٌ ومعناه خَبَر، يريد أن الله -عز وجل- يُبَوِّئُه مقعدًا من النار، يقال: تبوأ الرجل المكان: إذا اتَّخذ موضعه لمُقامه، وأصله من مباءة الإبل، وهي: أعطانها. أعلام الحديث (1/ 212)
وقال اليفرني -رحمه الله-:
«مَن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار» أي: من كَذَبَ عليَّ تَبَوَّأ، وكما أنَّ الأمر قد يَرِد بلفظ الخَبَر، مِن نحو قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} البقرة: 233، وكذلك قد يَرِد الخبر بلفظ الأمر: في نحو قولهم: أَحْسِنْ (به)، يريد: في التعجب. الاقتضاب في غريب الموطأ (1/185، 186).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فليتبوَّأ مقعده من النار» أي: لينزل منزله منها. إكمال المعلم (1/ 111).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فان قلتَ: مَن قَصَدَ الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن في الواقع كَذِبًا هل يأثم؟
قلت: يأثم، لكن لا بسبب الكذب، بل بسبب قصْد الكذب؛ لأنَّ قصد المعصية معصية إذا تجاوز عن درجة الوسوسة، فلا يدخل تحت الحديث. الكواكب الدراري (2/ 113).
وقال العيني -رحمه الله-:
الأَوْلَى أن يكون أمر تهديد، أو يكون دعاء على معنى: بوَّأهُ الله. عمدة القاري (2/ 151).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فليتبوَّأ مقعده من النار» فإنَّ الهروي قال في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} الحشر: 9، أي: اتَّخذوها منازل، وقوله: {نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} الزمر:74، أي: نَتَّخِذ منها منازل، ومنه الحديث: «فيتبوأ مقعده من النار» أي: لينزل منزله منها.
قال القاضي: اختُلف في المراد بهذا القول، فقيل: وَرَدَ مَوْرِدَ الدعاء منه -عليه السلام-، أي: فبَوَّأَهُ الله ذلك، وأَخْرَج الدعاء عليه مخرج الأمر، وعلى هذا يُحمل معنى الحديث الآخر من رواية البخاري عن عليٌّ: «من كذَب عليَّ فَلْيَلِجِ النار»، قيل: هو على الخبر، أي: فقد استوجَب ذلك واستحقَّه، فليوُطِّن نفسه عليه، ويَدل عليه رواية مسلم في الحديث الآخر: «يلج النار»، وفي رواية غيره: «بُنِيَ له بيتٌ في النار».
وقد اختَلف في معنى هذا الحديث السلفُ والخلف، فذهب بعضُهم إلى أنَّه عامٌّ في كل شيء، كان من الدِّين أو غيره، وذهب آخرون إلى أن ذلك خاصٌّ في الكَذِب عليه في الدِّين وتعمُّدِهِ الخبر عنه بتحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ، أو إثبات شريعةٍ أو نفيها، وقد رُوي في هذا الحديث زيادة: «ليُضِلَّ الناسَ»، ولكنَّها مُنكرة غير صحيحة.
قال الطحاوي: ولو صحَّت لكان معناها التأكيد كما قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 144، قال ابن البيّع: وهذا حديثُ واهٍ.
وقد روى قوم -أيضًا- تفسير الكذب عليه في حديث آخر: أنَّه إنما هو فيمَن كَذَبَ عليه في غَيْبِهِ وشَين الإسلام، قال: وهو حديث باطل أيضًا في رواية جماعة لا يُحْتَج بحديثهم.
وذهب آخرون إلى أَنَّ الحديث ورد في رجُلٍ بعينه كَذَب عليه في حياته، وادَّعى لقوم أنَّه رسولُه إليهم يَحْكُم في أموالهم ودمائهم، فَأَمَر -عليه السلام- بقتله إن وُجِد حيًّا، وإحراقه إن وُجِد ميّتًا.
وحُجَّةُ أصحاب القول الأول: تَهيُّبُ عُمَرَ والزبير وغيرهما الحديث عنه -عليه السلام-، واحتجاجهم بهذا الحديث، ولو كان الوعيد في رجُلٍ بعينه أو مقصورًا على سبَبٍ أو في فَنٍّ مُفردٍ لما حَذِروا ذلك.
والصوابُ عُمومه في كل خبَر تُعُمِّد به الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم-؛ ولهذا قال في الحديث الآخَر: «إِنَّ كذبًا عليَّ ليس كَكذِبٍ على أحدٍ»، وقوله: «لا تكذبوا عليَّ»، وقوله: «من قال عليَّ ما لم أقُل»، وهذه الألفاظ كلها في الصحيحين، وإذا كان الكذبُ ممنوعًا في الشرع جملةً فهو على النبي -عليه السلام- أشد؛ لأن حقَّه أعظم، وحق الشريعةِ آكد، وإباحةُ الكذب عليه ذريعة إلى إبطال شَرْعِه، وتحريف دِينه، ومن أجل حديث عليّ والزبير هاب مَن سمع الحديث أن يُحدِّثَ بكل ما سمع، وقد اعْتَذَر الزبير (من رواية الحديث)؛ لأنهما لم يَذكرا في حديثهما «متعمِّدًا» ونحوه في حديث سلمة بن الأكوع، وترخَّص مَن ترخَّص في الرواية بذكره العمْد في حديث أبي هريرة وأنس والمغيرة بن شعبة، وكَرِهوا الإكثار؛ تَوقِّيًا وحَذَرًا من الوقوع في ذلك بغير قصد، وإن كان الخطأ والنسيان مما لا تُؤاخذ به هذه الأمَّة، لكن لِشدَّة الأمر، وأنه ليس كغيره من الكذب كما قال- عليه السلام، وتحرّزًا أن يكون في الإكثار ضرْبٌ من التفريط، والتكلّف، وقلة التوقي، فيُشْبِه العَمْد والقصد، ويقع في حِمى النهي فلا يُعذَر بالوَهْم؛ ولهذا ذمَّ الأئمةُ الإكثار ونَهوا عنه، وَقَلَّ ما سَلِم مُكْثِرٌ من الطعن عليه، مع ما فيه من التغرير بمن لا يُميِّز الصحيح من السقيم، كما أشار إليه مسلم -رحمه الله- قبل هذا، مِمَّا يُبيِّن ما قلناه.
قال الطحاوي: واختلاف هذه الأحاديث بزيادة لفظة: "الكذب"، أو نقصها لا يُوجِب اختلافًا في معناها، وإنَّما هو على التأكيد، كما يقال: رأيتُ ذلك بِعَيْني، وسَمِعتهُ بأُذُني. إكمال المعلم (1/110- 113).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فقوله: «فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار» مطلق مُقيَّد بالمغفرة. القبس (ص899).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار»...، معنى الحديث: أنَّ هذا جزاؤه، وقد يُجازى به وقد يَعفو الله الكريم عنه، ولا يُقْطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، فكلّها يقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يُجازى وقد يُعفى عنه، ثُمَّ إنْ جُوزِيَ وأُدْخل النار فلا يُخلَّد فيها، بل لا بد من خروجه منها -بفضل الله تعالى ورحمته-، ولا يخلَّد في النار أحدٌ مات على التوحيد، وهذه قاعدة متَّفَق عليها عند أهل السنة. شرح صحيح مسلم (1/68، 69).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: إن قيل: معنى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار» أَهُو إلى الكاذب بِتَبَوُّءِ مقعده من النار فيُؤمر بذلك، أم ذلك إلى الله؟ فإن يكن ذلك إليه فلا شك أنه لا يُبَوِّئ نفسه ذلك، وله إلى ترْكِهِ سبيل، وإن يكن ذلك إلى الله، فكيف أمر بِتَبَوُّء المقعد، وأمرُ العبدِ بما لا سبيل إليه غير جائز؟
قيل: معنى ذلك غير ما ذَكَرتَ، وهو بمعنى الدعاء منه -صلى الله عليه وسلم- على من كَذَب عليه، كأنه قال: مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا بَوَّأَهُ اللهُ مقعده من النَّار، ثم أخرج الدعاء عليه مخرج الأمر له به، وذلك كثير في كلام العرب. شرح صحيح البخاري (1/ 183).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
أما من تاب توبة نصوحًا تاب الله عليه، لكن عليه أن يُبيِّن: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} البقرة:160، الشيء الذي كَذَبَه يبيِّنه للناس، يقول: إنِّ هذا َكِذبٌ، وهذا لا أصل له.
هذا مِن توبته، ويتعلق بفعله حال معصيته، كمَن أخذ مالًا مِن شخص وأراد أن يتوب، لا بد أن يؤدِّي المال إلى صاحبه، ثم يتوب، فمن كَذَبَ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأراد أن يتوب، لا بد أن يُبيِّن الأشياء التي كَذَبَها ويُبَيِّنَها للناس. شرح سنن ابن ماجه (2/ 4).
قوله: «ومَن اسْتَشَارَهُ أخوه المسلم فأشار عليه بغير رُشْدٍ فقد خَانَهُ».
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ومن أشار على أخيه» يعني: من استشار أحدًا في أمر، وسأله: كيف أفعل هذا الأمر؟ وهل فيه مصلحة أم لا؟ فقال له المُستشار: المصلحة في أن تفعله، وهو يعلَمُ أن المصلحةَ في عدم فعلِه فقد خانه؛ لأنه دلَّه على ما ليس فيه مصلحتُه، أمَّا لو لم يعلم المستشارُ أن مصلحتَه في غير ما يأمره، بل ظَنَّ أن المصلحةَ فيما يأمره، ثم تبيَّنَ أنه لم تكن مصلحتُه فيما يأمرُه لم يكن عليه إثمٌ، بل كان كمَنْ أخطأَ في الاجتهاد، فكما أنه لا إثم على المجتهد إذا أخطأ، فكذلك لا إثم على المُستشار إذا أخطأ فيما قال. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 337).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ومن أشار على أخيه» المسلم الذي استشاره واستنصحه «بأمر يعلم أن الرُّشد في غيره» أو يَغلب على ظنَّه أنه الصواب، ويدخل في إطلاق الحديث من استشاره بغير الرُّشد، ومن أشار عليه ابتداءً دون استشارة بغير الرُّشد «فقد خانه» في الانتقاص من حقه، فإنَّ حق الأخوة النُّصح، ففي صحيح مسلم: «حقُّ المسلم على المسلم ستة» وفيها: «إذا اسْتَنْصَحَكَ فانْصَحْ له» فالنُّصح واجب؛ لظاهر هذا الأمر ولغيره. شرح سنن أبي داود (15/ 104).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الظاهر: ما قاله بعض الشُّراح من أن المعنى: من أشار على أخيه وهو مُسْتَشِيْرٌ، وأمَرَ المستشير بأمْرٍ «يَعلم» والمراد بالعِلم ما يشمل الظن «أنَّ الرُّشد» أي: المصلحة «في غيره» أي: غير ما أشار إليه «فقد خانه» أي: خان المُستشارُ المُستشير. مرقاة المفاتيح (1/ 319).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد خانه»؛ لأنَّ المُستشار مُؤتمن، فإذا أشار بغير ما يرضاه لنفسه فقد خان من ائْتَمَنَهُ. التنوير (10/ 127).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فقد خانه» أي: خانَ المستشارُ المستشيرَ؛ إذ ورد: أن «المُستشار مؤتمن»، و«من غشَّنا فليس منا». مرعاة المفاتيح (1/ 337).
قوله: «ومَن أُفْتِيَ بِفُتْيا غير ثَبْتٍ فإنَّما إثْمُهُ على مَن أَفْتَاهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان إثمه» أي: إثم المُفْتَى اسم مفعول؛ لأنه يعمل بما سمعه ممن أفتاه بالجهل، فيكون آثمًا، لكنَّ إثمه «على مَن أفتاه» فيكون على المُفتِي بالجهل إثْمان: إثْمُ القول بغير علم، وإثْمُ عمل المستفتي. التنوير (10/ 127).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
«فإنَّما إثمه على مَن أفتاه» وهذا يؤيده قول الله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} النحل : 25، وهذا فيه تحذير المُفْتِيْنَ مِن التَّسرع في الفُتيا والتَّعجل، وأنَّ مَن أفتى بغير ثَبْتٍ ثم عَمِلَ به المستفتي فإن إثم المستفتي عليه. شرح سنن ابن ماجة (3/ 12).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الحديث حسَّنه الألباني في موضع، وضعَّفه في موضع آخر، وفيه مسلم بن يسار، وهو مجهول الحال، والحافظ قال عنه: مقبول، والألباني حسنه في السنن، ولكنَّه ضعَّفه في صِفة الفتوى وقال: إن راويه مجهول الحال.
والذي يبدو أن التَّضعيف أولى، لكنَّه كما هو معلوم الاستفتاء فيه تفصيل؛ لأنه إذا كانت الفتوى مَبْنِيَّةً على غير علم، ولفظ الحديث: «بغير علم» فلا شكَّ أنَّ هذا هو المذموم، أما إذا كانت الفتوى مَبْنِيَّةً على عِلم وقد أخطأ المفتي فإنه لا يأثم، وكذلك المستفتي لا يأثم؛ لأن هذا هو الذي استطاع أن يفعله، يعني: أنه رجع إلى أهل العلم، وأخذ بما أَفْتَوْهُ به، لكنه إذا كان المُفتي غير عالم، والمستفتي يعلم بأنه غير عالم، فكلُّهم شركاء في الإثم. شرح سنن أبي داود (414/ 13).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: من العلم أنه لا يجوز الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالشك وغالب الظن، حتى يَتَيَقَّن سماعه، ويعلم صحته. أعلام الحديث (1/ 213).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث يشتمل على فوائد وجُمَل من القواعد:
إحداها: تقرير هذه القاعدة لأهل السنة: أنَّ الكذب يتناول إخبار العامد، والساهي عن الشيء بخلاف ما هو.
الثانية: تعظيم تحريم الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّه فاحشة عظيمة ومُوْبِقَةٌ كبيرة، ولكن لا يَكْفُرُ بهذا الكذِب إلَّا أن يَسْتَحِلَّه، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف.
وقال الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين أبي المعالي من أئمة أصحابنا (الشافعية): يَكْفُرُ بتَعمُّد الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم-، حكى إمام الحرمين عن والده هذا المذهب، وأنه كان يقول في درسه كثيرًا: مَن كذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَمْدًا كَفَر وأُريق دَمُهُ.
وضعَّف إمام الحرمين هذا القول، وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وإنَّه هفوة عظيمة.
والصواب: ما قدمناه عن الجمهور -والله أعلم-، ثمَّ إنَّ من كَذَبَ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمدًا في حديث واحد فَسَقَ ورُدَّت رواياته كلها، وبَطَل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب وحَسُنَت توبته فقد قال جماعة من العلماء منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي وأبو بكر الصيرفي من فقهاء أصحابنا الشافعيين، وأصحابُ الوجوه منهم، ومُتَقَدَّمِيهِم في الأصول والفروع: لا تؤثِّر توبته في ذلك ولا تُقبل روايته أبدًا، بل يَحتم (يلزم) جَرْحُهُ دائمًا. شرح صحيح مسلم (1/ 69).