«لعَنَ اللهُ الواشِماتِ والمُستوشِماتِ، والنامِصاتِ والمُتَنمِّصاتِ، والمُتفلِّجاتِ للحُسنِ المُغيِّراتِ خَلقَ الله، قال: فبلغ ذلك امرأةً من بني أَسَدٍ، يقال لها: أمُّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأَتَتْهُ فقالت: ما حديثٌ بَلَغَنِي عنك، أنك لعَنْتَ الواشِمات والمُستوشمات، والمُتنمِّصات، والمتفلِّجات للحُسْنِ المُغيِّرات خَلْقَ الله؟
فقال عبدُ الله: وما لي لا أَلْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو في كتاب الله؟
فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لَوْحَي المصحف فما وجدتُه، فقال: لئِنْ كنتِ قَرَأْتِيْهِ لقد وجَدْتِيْهِ، قال الله -عزَّ وجلَّ-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7، فقالت المرأة: فإني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن، قال: اذهبي فانظري، قال: فدَخَلَتْ على امرأة عبد الله فلم تر شيئًا، فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك، لم نُجامعها».
رواه البخاري برقم: (4886)، ومسلم برقم: (2125)، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
ورواه أبو داود برقم: (4170) مختصرًا، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وفيه: «...والواشِمَة والمُستوشمة من غيرِ داءٍ».
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2101).
مختصر شرح الحديث
غريب الحديث
«الواشِماتِ»:
وَشَمَت المرأة يدها وَشْمًا من باب وَعَدَ: غَرَزَتْهَا بإبرةٍ، ثم ذَرَّت عليها النَّئُور، ويسمى النَّيْلَجُ، وهو دخان الشحم حتى يَخْضَرَّ. المصباح المنير، للفيومي (2/ 661).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الوشْمُ: أن يُغْرَزَ الجلد بإبرةٍ، ثم يُحشى بكحلٍ أو نِيْلٍ، فيزرقُّ أَثَرُه، أو يَخْضَرُّ. النهاية (5/ 189).
«النَّامِصاتِ»:
النَّمَصُ: نَتْفُ الشَّعر، ونَمَصَ شَعره يَنْمِصُه نَمْصًا: نَتَفَهُ. لسان العرب، لابن منظور (7/ 101).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
النَّامِصَةُ: التي تَنْتِفُ الشَّعْرَ من وجهها، والمتَنَمِّصَة: التي تأمر مَن يفعل بها ذلك. النهاية (5/ 119).
«الْمُتَفَلِّجَات»:
الفَلَجُ في الأسنان: تباعُدُ ما بين الثنايا والرباعيات خِلْقَةً، فإنْ تُكُلِّفَ فهو التَّفْلِيْجُ. لسان العرب، لابن منظور (2/ 346).
قال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
وهن اللاتي يُعَالِجْنَ أسنانَهُنَّ حتى يكون لها تحدُّدٌ وأَشَر، يقال: ثَغْرٌ أفْلَج، إذا كان متباعد الثنايا والرباعيات، وتَفَلَّجَتْ قدَمُه: تَشَقَّقَت. المجموع المغيث (2/ 635).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «لعَنَ اللهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لعن الله» أي: أبعدهم، وطردهم عن رحمته. البحر المحيط الثجاج (35/ 226).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
دعا عليها باللعن، وليس هذا بمعنى السب فيما يظهر، بل معناه: دعا عليها بلعنة الله -عزَّ وجلَّ-. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 566).
وقال السندي -رحمه الله-:
قيل: هذا ونحوه ليس دعاءً منه -صلى الله عليه وسلم- بالإبعاد، بل ذلك إخبار أن الله تعالى لعن هؤلاء؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُبعث لعَّانًا، وقد قال: «المؤمن لا يكون لعانًا».
قلتُ: لعن الشيطان وغيره واردٌ، وقد قال تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} البقرة: 161، فالظاهر أن اللعن على المستحِق على قِلَّة لا يضر، فلذلك قيل: لم يُبعث لعانًا بالمبالغة، فتأمل؛ وذلك لما فيه مِن تغيير الخَلق بتكلفٍ، ومثله قد حرَّم الشارع؛ لعَدَم التكلُّف فيه. كفاية الحاجة (1/ 613).
قوله: «الواشِماتِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الواشمات» أي: الفاعلات للوشم. الكوكب الوهاج (21/ 501).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الواشمة: هي التي تَشِمُ يديها؛ وذلك أن تَغْرِرَ ظَهر كفِّها أو غيره من جسدها بإبرة حتى تؤثر فيها، ثم تحشوه كُحلًا، وتجعله كالنقش في جسدها؛ تتزين بذلك. شرح صحيح البخاري (9/ 167).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
وهما كالخِيْلَان (أي: كالشامات) تُجعل في الوجه، والرقوم في الأيدي والمعاصم وغيرها، كانت العرب تفعل ذلك. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (6/ 248).
قوله في رواية: «والواشمة والمُستوشمة من غير داءٍ»:
قال ابن حجر –رحمه الله-:
أخرجه أبو داود من رواية أسامة بن زيد عنه عن مجاهد عن ابن عباس فذكر الحديث المرفوع دون القصة وزاد فيه: «النامصة والمتنمصة» وقال في آخره: «والمستوشمة من غير داءٍ» وسنده حسَن، ويستفاد منه: أنَّ مَن صَنَعَت الوشم عن غير قصدٍ له، بل تَدَاوت مثلًا فنشأ عنه الوشم ألَّا تدخل في الزجر. فتح الباري(10/ 376).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من غير داء» متعلق بالوشم. مرقاة المفاتيح (7/ 2836).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «من غير داء» أي: من غير علَّة، يعني: إن كانت بها علَّة فاحتاجت إلى أن تكوي يدها للمداواة جاز، ولم يكن هذا من الوشم المنهي عنه، وإن بقي منه أثر. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 55).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: متعلق بكل ما تقدم، أي: لو كان بها علة فاحتاجت إلى أحدها لجاز. مرقاة المفاتيح (7/ 2836).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «من غير داء» أي: من غير علة وضرورة، ولعله تدعو الضرورة إلى ارتكاب بعض هذه الأشياء من مرض أو غيره. لمعات التنقيح (7/ 436).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
هو قيد في المسألة، والمعنى: أن التحريم المذكور هو فيما إذا كان لتحسين المرأة لزوجها لا لداء وعلة بها، فإن احتاجت إليه لداءٍ بها وفَعَلَته للعلاج منه أو لضرورة شرعية دَعَت إليه لم يَحْرُم. شرح سنن أبي داود (16/ 501-502).
قوله: «والمُستوشِماتِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والمستوشمات» أي: المفعولات بهن الوشم. الكوكب الوهاج (21/ 501).
قوله: «والنامِصاتِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والنامصات» أي: النَّاتِفَات لشُعُور الوجه من النساء. الكوكب الوهاج (21/ 501).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
والنامصة: هي الناقة، والنَّمَصُ: النَّتْفُ، قال أبو حنيفة: ولذلك قيل للمنقاش الذي يُنتف به: مِنْمَاص، ويقال: قد أَنْمَصَ البَقْلُ فهو نَمِيْصٌ إذا ارتفع قليلًا حتى يمكن أن يُنْتَفَ بالأظفار. شرح صحيح البخاري (9/ 167).
قوله: «والمُتَنمِّصاتِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والمتنمصات» أي: الطالبات لِنَتْفِ شُعور وجوههن كلاهما من النَّمَص. الكوكب الوهاج (21/ 501).
وقال المظهري -رحمه الله-:
المتَنَمِّصَة: التي تَطلب أن يُنَمَّصَ شَعْرُ وجهها، أي: يُنْتَف. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 43).
قوله: «والمُتفلِّجاتِ للحُسنِ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
الْمُتَفَلِّجَةُ: هي الْمُفَرِّقَة بين أسنانها المتلاصقة بالنَّحت؛ لتبعد بعضها من بعض، والفَلَجُ: تباعُد ما بين الشيئين، يقال: منه رجل أفلج، وامرأة فَلْجَاء. شرح صحيح البخاري (9/ 167).
وقال المازري -رحمه الله-:
والمراد: أنها تُعالج أسنانها، وكذلك الواشرة -المذكورة في غير هذا الموضع- هي التي تشر أسنانها؛ تَفْلِجُها وتُحَدِّدها حتى يكون لها أَشَر، والأَشَرُ تَحَدُّدٌ ورِقَّة في أطراف الأسنان، ومنه قيل: ثغر مُؤَشَّر، وإنما يكون ذلك في أسنان الأحداث تفعل ذلك المرأة الكبيرة تَشَبُّهًا بأولئك. المعلم بفوائد مسلم (3/ 139).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«للحُسْنِ» اللام فيه للتعليل، ويجوز أن يكون المتنازَع فيه بين الأفعال المذكورة، والأظهر: أن يتعلق بالأخير. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2928).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- معلقًا:
ويحتمل: أن يتعلق بالأفعال المذكورة كلها يكون لإظهار الحُسن، وهذا المعنى أقرب وأوجه نظرًا إلى المعنى، وإن كان الأول أظهر نظرًا إلى اللفظ، والتقييد بقوله: «للحُسن» يشير إلى أنه لو فَعله لعلاج أو عيبٍ في السن لا بأس به، والظاهر: أنه قيد اتفاقي؛ لأن الغالب إنما يكون للتزيين والتحسين. لمعات التنقيح (7/ 412).
قوله: «المُغيِّراتِ خَلقَ الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«المغيرات خلق الله» أي: صورتهن التي خلقهن الله عليها. الكوكب الوهاج (21/ 502).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «المغيرات خلق الله» هي صفة لازمة لمن يصنع الوشم والنمص والفلج، وكذا الوصل على إحدى الروايات. فتح الباري (10/ 373).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «المغيرات خلق الله» كالتعليل لوجوب اللعن. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2928).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «المغيرات خلق الله» إشارة إلى علة النهي والكراهة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلُّ تغيير حرامًا؛ لأنها ليست علة مستقلة؛ لأن علة الحُرمة نهي الشارع، والحكمة في النهي هذا، فيؤول الأمر إلى أن الشارع أباح بعض التغييرات، وحرم بعضها؛ لما فيها من زيادة التكلُّف والشناعة. لمعات التنقيح (7/ 412).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وسبب لعن المذكورات: أنَّ فِعْلَهُنَّ تغيير لخلق الله، وتزوير، وتدليس، وخداع، ولو رخَّص فيه لاتخذه الناس وسيلة إلى أنواع الفساد، ولعله قد يدخل في معناه صنعة الكيمياء، فإنَّ من تعاطاها إنما يروم أن يُلحق الصنعة بالخِلقة، وكذلك كل مصنوع يُشبَّه بمطبوع، وهو باب عظيم من الفساد. إرشاد الساري (8/ 480).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها، وبأنها من الكبائر. المفهم (5/ 444).
قوله: «قال: فبلغ ذلك امرأةً من بني أَسَدٍ يقال لها: أمُّ يعقوب»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» علقمة: «فبلغ ذلك» أي: لعن عبد الله لهذه المذكورات «امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب». الكوكب الوهاج (21/ 502).
قوله: «وكانت تقرأ القرآن، فأَتَتْهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأتته» أي: جاءت أمُّ يعقوب إلى ابن مسعود -رضي الله عنه-. البحر المحيط الثجاج (35/ 226).
قوله: «فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما» استفهامية، مبتدأ خبره قولها: «حديث بلغني عنك» ثم بينت ما أجملته بقولها: «أنك» يحتمل فَتْح همزة «أن» خبرًا لمحذوف، أي: هو أنك... إلخ.
ويحتمل: كسرها، فتكون الجملة مستأنفة. البحر المحيط الثجاج (35/ 228).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقالت» له أي: قالت أم يعقوب لعبد الله: «ما حديثٌ بَلَغَني عنك؟» يا عبد الله من «أنَّك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله» وصورتهن التي خلقهن الله تعالى عليها. الكوكب الوهاج (21/ 502).
قولها: «أنك لعَنْتَ الواشِمات والمُستوشمات»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أنك لعَنْتَ» أي: سمعتُ أنك لعنتَ الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 43).
قولها: «والمُتنمِّصات»:
قال المظهري -رحمه الله-:
المتنمِّصة: التي تَطلب أن يُنَمَّصَ شَعر وجهها، أي: يُنتف. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 43).
قوله: «والْمُتَفَلِّجات للحُسن»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «والمتفلجات للحُسن» هن اللائي يَأْشُرْنَ أسنانهن بحديدة. مطالع الأنوار (5/ 241).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: يفعلن ذلك طلبًا للحُسن، وفيه: إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيبٍ في السن ونحوه فلا بأس، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (14/ 107).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
وتفعل ذلك العجوز، ومَن قارَبَتها في السن؛ إظهارًا للصِّغر، وحُسنِ الأسنان؛ لأن هذه الفُرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغار، فإذا عجزت المرأة كَبُرَت سِنها وتوحَّشَت، فَتَبْرُدَهَا بِالْمِبْرَدِ؛ لتصير لطيفة حسنة المنظر، وتُوْهِم كونها صغيرة، ويقال له أيضًا: الوَشَر، ومنه: «لعن الله الواشِرَةَ والْمُسْتَوْشِرَة»، وهذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها؛ لهذه الأحاديث؛ ولأنه تغيير لخلق الله تعالى، ولأنه تزوير، ولأنه تدليس. شرح صحيح مسلم (14/ 107).
قوله: «المُغيِّرات خلق الله؟»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«المغيرات خلق الله» أي: بالوصل والوشم ونحوهما. شرح المصابيح (5/ 56).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: كل تغيير لخَلْقِ الله ليس مذمومًا.
قلتُ: هذا ليس خصلة مستقلة، بل هو صفة لازمة للتَّفَلُّج، ولهذا لم يقل: والمتغيرات بالواو. الكواكب الدراري (18/ 132).
قوله: «فقال عبدُ الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال عبد الله» ابن مسعود للمرأة السائلة المعترضة عليه لعنه لهذه المذكورات. الكوكب الوهاج (21/ 502).
قوله: «وما لي لا ألعن من لعَن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-؟ وهو في كتاب الله؟»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«ما» استفهامية على وجه الإنكار. الكوثر الجاري (9/ 377).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وجوَّز الكرماني أن تكون نافية وهو بعيد. فتح الباري (10/ 373).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وهو» أي: والحال أن الاقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما فعل وفيما ترك الذي من جملته لعن هذه المذكورات مذكور «في كتاب الله» -عز وجل- يعني القرآن). الكوكب الوهاج (21/ 502).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وما لي» أي: وأيُّ شيء ثبت لي حالة كوني «لا ألعن من لعن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-» إياهن. الكوكب الوهاج (21/ 502).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أَلْعَنُ مَن لَعَن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم-» أي: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هؤلاء. شرح المصابيح (5/ 56).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقول ابن مسعود للمرأة: «وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟» دليل: على جواز الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إطلاق اللعن على من لعنه النبي -صلى الله عليه وسلم- مُعَيَّنًا كان أو غير معَيَّن؛ لأن الأصل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يلعن إلا من يستحق ذلك، غير أن هذا يعارضه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم ما من مسلم سَبَبْتُهُ، أو جَلَدْتُه، أو لَعَنْتُه، وليس لذلك بأهلٍ، فاجعل ذلك له كفارة وطهورًا»، وهذا يقتضي أنه -صلى الله عليه وسلم- قد يلعن من ليس بأهلٍ للَّعْنَةِ، وقد أشكل هذا على كثير من العلماء، وراموا الانفصال عن ذلك بأجوبة متعددة ذكرها القاضي عياض في كتاب الشفا، وأشبه ما ينفصل به عن ذلك: أن قوله: «ليس لذلك بأهلٍ» في علم الله، وأعني بذلك: أن هذا الذي لعنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما لعنه لسبب صدر منه يقتضي إباحة لعنه، لكنه قد يكون منهم من يعلم الله تعالى من مآل حاله: أنه يُقلع عن ذلك السبب، ويتوب منه، بحيث لا يضره، فهذا هو الذي يعود عليه سبُّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياه، ولعنه له بالرحمة والطهور والكفارة، ومن لا يَعلم الله منه ذلك فإن دعاءه -صلى الله عليه وسلم- زيادة في شقوته، وتكثير للعنته، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 445-446).
قال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: «هو» على ماذا معطوف؟
قلتُ: على «مَن لَعَنَه»، وتقديره: ما لي لا ألعن من هو في كتاب الله معلون؟ الكواكب الدراري (18/ 132).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«في كتاب الله» -عز وجل- يعني: القرآن ... بقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7 أراد به أن ما أمر به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو نهي عنه فإنه من جملة أوامر الله تعالى ونواهيه؛ لأن كتاب الله أَمَرَنا بإطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واتباعه. الكوكب الوهاج 21/ 502).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: أين في القرآن لَعْنَتهن؟
قلتُ: فيه وجوب الانتهاء عما نهاه الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لقوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7، وقد نهى عنه، وفاعله ظالم، وقال تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18. الكواكب الدراري (18/ 132-133).
قوله: «فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لَوْحَي المصحف»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فهِمَت المرأة من هذا القول أن لعن المذكورات في الحديث منصوص عليه في القرآن، فقالت: «لقد قرأتُ ما بين لوحَي المصحف فلم أجده». المفهم (5/ 446).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لقد قرأت ما بين لوحَي المصحف» أي: دَفَّتَيه وجِلْدَيه في الجانبين «فما وجدته». الكوكب الوهاج (21/ 502).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والمراد به (أي قولها: لوحَي المصحف) ما يُجعل المصحف فيه، وكانوا يكتبون المصحف في الرَّقِّ، ويجعلون له دَفَّتَين من خشب، وقد يطلق على الكرسي الذي يوضع عليه المصحف اسم لوحين. فتح الباري (10/ 373).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
المراد: أول القرآن وآخره على وجه الاستيعاب بذكر الطرفين، وكأنها أرادت باللوحين جِلْدَيْ أول المصحف وآخره، أي قرأتُ جميع القرآن. مرقاة المفاتيح (7/ 2820).
قوله: «فما وجدتُه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فما وجدتُ فيه ما تقول» أي: صريحًا. مرقاة المفاتيح (7/ 2820).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فهِمَتْ أن يكون ذلك صريحًا في كتاب الله، فأجاب بأن قوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} الحشر: 7 شامل له. الكوثر الجاري (9/ 377).
قوله: «فقال: لئن كنتِ قَرَأْتِيْهِ لقد وَجَدْتِيهِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«لئن» اللام في لئن موطئة للقسم، والثانية لجواب القسم الذي سَدَّ مَسَدَّ جواب الشرط، والياء التحتية في «قرأتيه» «ووجدتيه» تولَّدت من إشباع كسرة التاء الفوقية، أي: لو قرأتيه بالتدبر والتأمل عرفتيه من قوله -عز وجل-: «{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الحشر: 7. إرشاد الساري (8/ 477).
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله لها: «لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه» بزيادة ياء هي الرواية، وهي لغة معروفة فيما إذا اتصل بياء خطاب الواحدة المؤنثة ضمير غائب، ويعني: بـ«قرأتيه»: تدبرتيه. المفهم (5/ 446).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «قرأتيه» الياء زائدة، حصلت من إشباع كسرة التاء. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 43).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ووجه استدلاله على ذلك بالآية: أنه فَهِمَ منها تحريم مخالفة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يأمر به، وينهي عنه، وأن مُخَالِفَهُ مستحقٌّ للعنة، وهؤلاء المذكورات في الحديث مستحقات للعنة. المفهم (5/ 446).
قوله: «قال الله -عز وجل-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
{فَخُذُوهُ} الحشر: 7 أي: خذوهُ على أي وجه أمر، إن وجوبًا فوجوب، وإن ندبًا فندب، وإن مباحًا فمباح. الكوثر الجاري (9/ 377).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
وهذه الآية وإن كان سبب نزولها أموال الفيء، فلفظها عام يتناول كلَّ ما أمر به الشارعُ -عليه الصلاة والسلام-، أو نهى عنه، ولذا استنبط ابن مسعود منها ذلك، ويحتمل: أن يكون سمع اللعن من النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في بعض طرق الحديث. إرشاد الساري (7/ 376).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي إطلاق ابن مسعود نسبة لعن مَن فعل ذلك إلى كتاب الله، وفَهْمِ أم يعقوب منه أنه أراد بكتاب الله القرآن، وتقريره لها على هذا الفهم، ومعارضتها له بأنه ليس في القرآن، وجوابه بما أجاب دلالة على جواز نسبة ما يدل عليه الاستنباط إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- نسبة قولية، فكما جاز نسبة لعن الواشمة إلى كونه في القرآن؛ لعموم قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الحشر: 7، مع ثبوت لعنه -صلى الله عليه وسلم- مَن فعل ذلك يجوز نسبة من فعل أمرًا يندرج في عموم خبر نبوي ما يدل على منعه إلى القرآن، فيقول القائل مثلًا: لعن الله مَن غيَّرَ منار الأرض في القرآن، ويستند في ذلك إلى أنه -صلى الله عليه وسلم- لعن من فعل ذلك. فتح الباري (10/ 373).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله في الفتح استدلال قوي جدًّا، لكنه مقيَّد بما إذا كان ذلك الأمر منصوصًا عليه في السنة، أما نسبة الأمور المستنبطة بالاجتهاد؛ كالمسائل القياسية، فلا يجوز نسبتها إلى الكتاب والسنة إلا مع بيان كونها مستنبطة منهما، كما يعزى ذلك إلى بعض فقهاء أهل الرأي في مسألة يستنبطها بالاجتهاد، فقد أجاز أن يقال فيها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. البحر المحيط الثجاج (35/ 234).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: إذا كان العِبَاد مأمورين بانتهاء ما نهاهم الرسول عنه، وقد نهاهم رسول الله عن الأشياء المذكورة في هذا الحديث وغيره من المنهيات، فكأنَّ جميع منهيات الرسول نهي مذكور في القرآن. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 43).
قوله: «فقالت المرأة: فإني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقالت المرأة» لعبد الله: «فإني أرى شيئًا من هذا» الأمر الذي لَعَنْتَ عليه «على امرأتك الآن». الكوكب الوهاج (21/ 503).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
تعني: أنها رأت على امرأته عن وقت قريبٍ مِن وقت كلامها معه، حتى كأنه في حكم الوقت الحاضر المعبَّر عنه بـ«الآن» شيئًا من تلك الأمور المذكورات في الحديث، وأقرب ما يكون ذلك الشيء التَّنْمِيص، وهو الذي يزول بنبات الشعر عن قريب، ولو كان ذلك وشمًا، أو تفليجًا لما زال. المفهم (5/ 446-447).
قوله: «قال: اذهبي فانظري»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فاذهبي» إلى أهلي «فانظري». إرشاد الساري (7/ 376).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله لها: «اذهبي فانظري» يعني: أنه لما رأى على امرأته شيئًا من ذلك نهاها فانتهت عنه، وسعَت في إزالته حتى زال، فدخلت المرأة، فلم ترَ عليها شيئًا من ذلك، فصدَّق قولَه فعلُه. المفهم (5/ 447).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
(وهذا) تنبيه على أن العالم ينبغي أن يَحرس امرأته من أن يَرى عليها شيء لا يَحْسُن أن يُقتدى به في ذلك، إلا أنه إن كان قد بُلِيَ بامرأة تعمل بخلاف ما يقوله فلا ينبغي أن يترك هو القول للحق، وليكن ناهيًا لزوجته وغيرها. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 18).
قوله: «قال: فدَخَلَتْ على امرأة عبد الله فلم تر شيئًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» علقمة: «فدَخَلَتْ» أم يعقوب «على امرأة عبد الله» اسمها زينب بنت عبد الله الثقفية، «فلم تر» أم يعقوب على امرأة عبد الله «شيئًا» من ذلك المنكر، فصدَّق قوله فعله. الكوكب الوهاج (21/ 503).
قوله: «فجاءت إليه فقالت: ما رأيتُ شيئًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجاءت» أم يعقوب «إليه» أي: إلى عبد الله «فقالت» له: «ما رأيتُ» على أهلك «شيئًا» من ذلك. الكوكب الوهاج (21/ 504).
قوله: «فقال: أما لو كان ذلك لم نُجامعها»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قول ابن مسعود: «لو كان ذلك لم نجامعها» قوة عزيمة. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 18).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال جماهير العلماء: معناه: لم نصاحبها، ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها. شرح صحيح مسلم (14/ 107).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ويحتمل: لم أطأها. إكمال المعلم (6/ 656).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا:
هذا ضعيف، والصحيح ما سبق، فيُحتج به في أن مَن عنده امرأة مرتكبة معصية كالوصل، أو ترك الصلاة، أو غيرهما ينبغي له أن يطلقها، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (14/ 107-108).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هكذا يتعين على الرجل أن ينكر على زوجته مهما رأى عليها شيئًا محرمًا، ويمتنع من وطئها، كما قال عبد الله: «أما إنه لو كان ذلك لم يجامعها» هذا ظاهر هذا اللفظ، ويحتمل: لم يجتمع معها في دار ولا بيت، فإما بهجران، أو بطلاق، كما قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} النساء: 34، وإذا كان هذا لأجل حق الزوج، فَلَأَنْ يكونَ لِحَقِّ الله تعالى أَحْرَى وأَولى. المفهم (5/ 447).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وإنما مَنع من هذا (أي الوشم والوصل والتفليج) لأنه غرور، ويؤدي إلى ضرر، فإنَّ الواشمة تؤذي نفسها بالجراح، والمتنمصة تنتف شعرها، فلا يؤمَن أذى البشرة، وكذلك المتفلِّجات للحُسن، فربما حصل الأذى بالمبرد، ويجمع ذلك كله قوله: «المغيرات خلق الله». الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 17).
وقال النووي -رحمه الله-:
وهو حرام على الفاعلة والمفعول بها باختيارها والطالبة له، وقد يُفعل بالبنت وهي طفلة فتأثم الفاعلة ولا تأثم البنت؛ لعدم تكليفها حينئذٍ، قال أصحابنا: هذا الموضع الذي وُشِمَ يصير نجسًا، فإن أمكن إزالته بالعلاج وجبت إزالته، وإن لم يمكن إلا بالجرح فإن خاف منه التلف، أو فوات عضو، أو منفعة عضو، أو شيئًا فاحشًا في عضو ظاهر لم تجب إزالته، فإذا بان لم يبق عليه إثم، وإن لم يخف شيئًا من ذلك ونحوه لزمه إزالته، ويعصي بتأخيره، وسواء في هذا كله الرجل والمرأة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (14/ 106).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد روي عن عائشة اختلاف في ذلك، ورخصة في جواز النَّمَصِ، وحفِّ المرأة جبينها لزوجها، وقالت: أميطي عنك الأذى، وكذلك قالت في التي تقشِّر وجهها: إن كانت للزينة فلا يحل، وإن كان بوجهها كَلَفٌ شديد فكأنها كرهته ولم تصرح. إكمال المعلم (6/ 655).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
واختُلف في المعنى الذي لأجله نهي عنها، فقيل: لأنها من باب التدليس.
وقيل: من باب تغيير خلق الله الذي يحمل الشيطان عليه، ويأمر به، كما قال تعالى مخبرًا عنه: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} النساء: 119، قال ابن مسعود، والحسن: بالوشم، وهو الذي أومأ إليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «المغيرات خلق الله»، ولذلك قال علماؤنا: هذا المنهي عنه، المتوعَّد على فِعْلِه إنما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنه من باب تغيير خلق الله، فأما ما لا يكون باقيًا، كالكحل، والتزين به للنساء فقد أجازه العلماء: مالك وغيره، وكرهه مالك للرجال، وأجاز مالك أيضًا أن تشي المرأة يديها بالحناء، وروي عن عمر -رضي الله عنه- إنكار ذلك، وقال: إما أن تخضب يديها كلها، أو تدع، وأنكر مالك هذا عن عمر.
قال القاضي عياض: وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء، ذكره صاحب النصائح. المفهم (5/ 444-445).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ويأتي على ما ذكره وأدخله في جملة النهي أنَّ مَن خُلق بأصبع زائدة أو عضو زائد أنه لا يجوز له قطعه ولا نزعه عنه؛ لأنه من تغيير خلق الله، إلا أن يكون هذا الزائد مما يؤذيه من أصبع أو ضرس ويؤلمه، فلا بأس على كل حال بنزعه عند هذا وغيره. إكمال المعلم (6/ 655).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: في هذا الحديث: البيان عن رسول الله أنه لا يجوز لامرأة تغيير شيء من خَلْقِها الذي خَلَقَها الله عليه بزيادة فيه أو نقص منه؛ التماس التحسُّن به لزوج أو غيره؛ لأن ذلك نقض منها خَلْقَها إلى غير هيئته، وسواء فلَّجَت أسنانها المستوية البنية ووَشَرَتْها أو كانت لها أسنان طُوال فقطعت طلبًا للحسن، أو أسنان زائدة على المعروف من أسنان بني آدم فقَلعت الزوائد من ذلك بغير عِلة إلا طلب التحسُّن والتجمُّل، فإنها في كل ذلك مُقْدِمَة على ما نهى الله تعالى عنه على لسان نبيه إذا كانت عالمة بالنهي عنه، وكذلك غير جائز لامرأة خُلقت لها لحية أو شارب أو عنفقة أن تَحْلِقَ ذلك منها أو تقصه؛ طلبًا للتجمُّل؛ لأن كل ذلك تغيير لخلق الله، ومعنى النص الذي لعن رسول الله فاعلته.
فإن قال قائل: فإنك لَتُجِيْزُ للرجل أن يأخذ من أطراف لحيته وعوارضه إذا كثرت ومن الشارب وإطاره إذا وفى، فالمرأة أحق أن يجوز لها إماطة ذلك من الرَّجُل؛ إذ الأغلب من النساء أن ذلك بهن قليل، وإنما ذلك من خلق الرجال، فجعلتَ أخذ ذلك من النساء تغييرًا لخلق الله، وجعلتَها من الرجال غير تغيير، فما الفرق بين ذلك؟
قيل: إنما لم نحظر على المرأة إذا كانت ذات شارب فوفى شاربها أن تأخذ من إطاره وأطرافه، أو كانت ذات لحية طويلة أن تأخذ منها، وإنما نهيناها عن نمص ذلك وحَلْقِه لِلَعْنَةِ النبي النامصة والمتنمصة، ولا شك أن نمصها لحية أو شاربًا إن كان لها نظير نمصها شَعرًا بوجهها أو جبينها، وفي فرَّق الله على لسان رسوله بين حكمها فيما لها من أخذ شعر رأسها وما ليس لها منه، وبيَّن حكم الرجل في ذلك أَبْيَنَ الدليل على افتراق حكمها في ذلك؛ وذلك أن النبي -عليه السلام- أَذِنَ للرجال في قَصِّ شَعر رؤوسهم كلما شاءوا، ونَدَبَهم إلى حَلْقِهِ إذا حلوا من إحرامهم، وحظر ذلك على المرأة في الحالتين كلتيهما، إلا أن تأخذ من أطرافه، ففي ذلك أبين البيان أن حكم الرجل والمرأة في ذلك مفترق، فالواجب أن يكون مفترقًا فيما لهما من إحفاء الشوارب وقص النواصي وحلقها، وإنما أبحنا لها أن تأخذ من أطراف لحيتها وإطار شاربها، كما أبحنا لها أن تأخذ من أطراف شَعر رأسها إذا طال، لما روى شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي س قال: «كان أزواج النبي يأخذن من شعورهن حتى يدعنه كهيئة الوفرة»، وروى ابن جريج، عن صفية بنت شيبة، عن أم عثمان بنت سفيان، عن ابن عباس قال: «نهى النبي -عليه السلام- أن تحلق المرأة رأسها، وقال: الحلق مُثْلَةٌ»، وقال مجاهد: لعن رسول الله الحالقة.
فإن قال: فما وجه مَن أطلق النمص والوشم، وأحلَّه وقد علمت ما روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت على عائشة فسألتها، وكانت امرأة شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تَحُفُّ جَبِيْنَها لزوجها، فقالت: «أَمِيْطِي عنك الأذى ما استطعتِ».
قال الطبري: هكذا قال ابن المثنى: «تَحُفُّ»، وهو غلط؛ لأن الحف بالشيء هو الإطافة به، وإنما هو تُحْفِي بمعنى تستأصله حلقًا أو نتفًا، وما حدثك تميم بن المنتصر قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا إسماعيل بن قيس، قال: دخلتُ وأنا وأبي على أبي بكر، فرأيت يد أسماء موشومة، قيل: أما عائشة فإن في الرواية عنها اختلافًا؛ وذلك أن عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثتني أم الحسن، عن معاذة «أنها سالت عائشة عن المرأة تقشر وجهها؟ فقالت: إن كنتِ تشتهين أن تتزيني فلا يحل، وإن كانت امرأة بوجهها كَلَفٌ شديد فما كأنها كرهته، ولم تصرح» فهذه الرواية بالنهي عن قشر المرأة وجهها للزينة، وذلك نظير إحفائها جبينها للزينة، وإذا اختلفت الرواية عنها كأن أولى الأمور أن يضاف إليها أشبهها بالحق، وأما أسماء فإنها كانت امرأة أدركت الجاهلية، وكان نساء الجاهلية يفعلن ذلك ويتزين به، ولعل ذلك منها كان في الجاهلية، ولم يخبر قيس عنها أنها وشَمَتْ يدها في الإسلام، وقد يجوز أن تكون وشمتها في الجاهلية أو الإسلام قبل أن يَنْهَى عن ذلك رسول الله، فمن (ادَّعَى) أنها وشمتها في الإسلام بعد نهي النبي -عليه السلام- فليأتِ ببرهان على ما ادعى من ذلك، ولا سبيل إليه.
قال المؤلف (ابن بطال): يقال للطبري: أما ما ذكرتَه من أن المرأة منهيةٌ عن حلق رأسها في الإحرام وغيره بحديث ابن عباس، وقوله -عليه السلام-: «إن الحَلْق مُثلة»، فإن حديث ابن عباس ليس معناه التحريم، بدليل أن المرأة لو حلقت رأسها في الحج مكان التقصير اللازم لها لم تأت في ذلك حرامًا، ودل قوله: «إن الحَلْق مُثلة» أن معنى النهي عن ذلك إنما هو خيفة أن تمثل المرأة بنفسها، وتنقض جمالها، فيكره ذلك بعلها، والمُثلة ليست بحرام، وإنما هي مكروهة، وقد قال مالك: حلق الشارب مُثلة، وقد ثبت حلقه عن كثير من السلف، واحتجوا بأمره -عليه السلام- بإحفاء الشوارب، وأما قول مجاهد: «لعن رسول الله الحالقة» فليس من هذا الباب في شيء، وإنما لعن الحالقة لشعرها عند المصيبة؛ اتباعًا لسنن الجاهلية. شرح صحيح البخاري (9/ 168-170).
وقال السهارنفوري -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: قول أبي جعفر الطبري عندي غير موجَّه؛ فإن الظاهر أن المراد بتغيير خلق الله أن ما خلق الله -سبحانه وتعالى- حيوانًا على صورته المعتادة لا يغيَّر فيه، لا أن ما خُلق على خلاف العادة مثلًا كاللحية للنساء، أو العضو الزائد، فليس تغييره تغييرًا لخلق الله. بذل المجهود (12/ 197).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قيَّده بعضهم بما إذا كان بعلم الزوج وإذنه، فمتى خلا عن ذلك مُنع للتدليس، وقال بعض الحنابلة: يجوز الحفُّ، والتحمير، والنقش، والتطريف، إذا كان بعلم الزوج؛ لأنه من الزينة. إرشاد الساري (8/ 477).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وظاهر هذا الحديث: أن الكلام مطلق في حق كل من فعل هذا، وقول ابن مسعود يدل على ذلك.
ويحتمل: أن يراد به المتصنعات من النساء للفجور؛ لأن مثل هذا التحسن دأبهن.
ويحتمل: أن يراد بهن المموِّهات على الرجال بمثل هذه الأفعال لتَغُرَّ المتزوِّج. كشف المشكل (1/ 274).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وفي الحديث: إشارة إلى أن لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الواشمات إلخ كلعن الله تعالى، فيجب أن يؤخذ به. إرشاد الساري (8/ 475).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه: وجوب هجرة أصحاب الذنوب؛ فإنَّ هَجْرَ الرجل زوجته لسبب معصية جاءت بها ليس بإثم، ولا حرج عليه فيه، وقد قال الله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} النساء: 34. إكمال المعلم (6/ 656).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الأحكام:
في الأولى: أن الله سبحانه خلق الصُّوَر فأَحْسَنَها في ترتيب الهيئة الأصلية، ثم فاوت في الجمال بينهما، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها ويبطل حكمته بها فهو ملعون؛ لأنه أتى ممنوعًا، لكنه أَذِنَ -وهي المسألة الثانية- في السواك والاكتحال، وهو تغيير لكنه مأذون فيه مستثنى من الممنوع، ويحتمل: أن يكون رخصة مطلقة، ويحتمل: أن يكون لما فيه من المنفعة للعين والأسنان، وهو الأقوى في التأويل، والله أعلم. عارضة الأحوذي (7/ 263).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: أن الْمُعِيْنَ على المعاصي يشارك فاعلها في الإثم كما في الطاعة بالنسبة إلى الثواب، ولَعْنُ الشارع الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة؛ لأنهما تَعَاوَنَا على تغيير خَلْقِ الله.
وفيه: دليل أن مَن أعان على معصية، فهو شريك في الإثم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/ 185).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث:
أن الوصل والوشم من كبائر الذنوب، يؤخذ لعن النبي -صلى الله عليه وسلم-، واللعن لا يكون إلا على كبيرة من الكبائر.
ويستفاد منه: أن مَن حاول أن يجمِّل نفسه بخلاف خَلْقِ الله، فإنه داخل في من غَيَّر خَلْقَ الله، وهو من أوامر الشيطان.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يغيِّر خَلْقَ الله بالتجميل؛ لأن الواشمة والواصلة تُغَيِّرُ خلق الله زيادة في الجمال، فأما إذا غُيِّرَ خَلْقُ الله إزالة للعيب، فإن هذا لا بأس به، ولا يدخل في النهي. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (4/ 567-569).