الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لا يَرفَع يديه في شَيء مِن دُعَائه إلَّا في الاستسقاء، وإنَّه يَرفَعُ حتى يُرى بياضُ إِبْطَيْه».


رواه البخاري برقم: (1031)، ومسلم برقم: (896)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«إِبْطَيْهِ»:
الإبْطُ: ‌باطِنُ ‌الـمَنكِبِ، يُذكَّر ويُؤنث، والتَّذْكير أعلى. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (9/ 209).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
الإِبْطُ: ما تحت الجَناح، يُذكَّر ويُؤنّث، والجمع آباطٌ. الصحاح (3/ 1114).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «كان النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- لا يَرفَع يديه في شَيء مِن دُعَائه، إلَّا في الاستسقاء»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في شيء من دعائه» أي: جِنْس دعائه «إلَّا في الاستسقاء» أي: في دعائه. مرقاة المفاتيح (3/ 1107).
قال ابن خزيمة -رحمه الله-:
يريد إلا عند مسألة الله -عز وجل- أن يسقيهم، وعند مسألته بحبس المطر عنهم، وقد أوقع اسم الاستسقاء على المعنيين جميعًا، أحدهما: مسألته أن يسقيهم، والمعنى الثاني: أن يحبس المطر عنهم، والدليل على صحة ما تأولت: أن أنس بن مالك قد أخبر في خبر شريك بن عبد الله عنه، أنه رفع يديه في الخطبة على المنبر يوم الجمعة حين سأل الله أن يغيثهم، وكذلك رفع يديه حين قال: «اللهم حوالينا ولا علينا»، فهذه اللفظة أيضًا استسقاء إلا أنه سأل الله أن يحبس المطر عن المنازل والبيوت، وتكون السقيا على الجبال والآكام والأودية. صحيح ابن خزيمة (3/ 147)
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«كان النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- لا يرفع يديه في شيء مِن دعائه إلَّا في الاستسقاء» أي: لم يكن يرفعهما كلَّ الرَّفع، وهو أن يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه، وإنَّما أوَّلناه على هذا الوجه؛ لأن رفع اليدين في الدعاء سُنَّة ثابتة، ويدل على صحة هذا التأويل بَقيَّةُ الحديث، وهي قوله: «فإنَّه يرفع يديه حتى يُرى بياض إبْطيه». الميسر (1/ 357).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: عن أنس -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء...» هذا الحديث يُوهِم ظاهرُه أنَّه لم يرفع -صلى الله عليه وسلم- إلَّا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثَبَتَ رَفْع يديه -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر مِن أن تُحْصر، وقد جَمَعْتُ منها نحوًا من ثلاثين حديثًا مِن الصحيحين أو أحدهما، وذَكَرتُها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، ويُتَأَوَّلُ هذا الحديث على أنه لم يَرْفَع الرَّفع البليغ بحيث يُرى بياض إبْطيه إلَّا في الاستسقاء، أو أنَّ المراد: لَمْ أرَهُ رَفَعَ، وقد رآه غيرُهُ رَفَعَ، فَيُقدَّم الـمُثْبِتُون في مواضع كثيرة وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، ولا بُدّ من تأويله؛ لما ذكرناه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (6/ 190).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلَّا في الاستسقاء» ظاهره: نفي الرَّفع في كُلِّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارَض بالأحاديث الثابتة بالرَّفْع في غير الاستسقاء...، فذهب بعضهم إلى أنَّ العمل بها أولى، وَحَمَل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره.
وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور؛ لأجل الجمع، بأن يُحمَل النَّفي على صفة مخصوصة: أمَّا الرفع البليغ، فيدل عليه قوله: «حتى يُرى بياض إبْطيه»، ويُؤَيِّده: أنَّ غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنَّما المراد به: مَدُّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فَرَفَعَهُما إلى جِهَةِ وجهه حتى حاذَتاه، وبه حينئذ يُرى بياض إبْطيه.
وأمَّا صفة اليدين في ذلك فَلِما رواه مسلم من رواية ثابت، عن أنس «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء»، ولأبي داود من حديث أنس -أيضًا-: «كان يستسقي هكذا، -ومَدَّ يديه، وَجَعَل بطونهما مِمَّا يلي الأرض- حتى رأيت بياض إبْطيه».
قال النووي: (وَذَكَر قولَ النووي السابق).
وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفَّين في الاستسقاء دون غيره: للتَّفاؤل بتقلُّب الحال ظَهْرًا لِبَطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول، وهو: نزول السحاب إلى الأرض. فتح الباري (2/ 518).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قال أنس: «كان النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- ‌لا ‌يرفع ‌يديه ‌في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء» الحديث، أي: لا يَرفعهما كلَّ الرَّفع حتى يتجاوز رأسه، ويُرى بياض إبْطيه لو لم يكن عليه ثوب إلَّا في الاستسقاء؛ لأنَّه ثَبَتَ استحباب رفع اليد في الأدعية كلها. تحفة الأبرار (1/ 406)
وقال العيني -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون أنس -رضي الله عنه- أراد أنَّ النَّبي -عليه السلام- كان لا يرفع يديه رفعًا يبالِغُ فيه إلَّا في الاستسقاء؛ وذلك لما في الجَدْب من عموم الجَهْد، وشموله للجَمْع الكثير، فأما في غيره من الدعاء للجماعة اليسيرة، أو للواحد من الناس فكان يرفع يديه لهم رفعًا دون ذلك، ويُؤيِّد هذا التأويل ما رواه الأوزاعي، عن سليمان بن موسى قال: لم يُحفظ من رسول الله أنَّه رفع يديه الرَّفع كلّه إلا في ثلاثة مواضع: الاستسقاء، والاستنصار، وعشية عرفة، ثم كان بعده رفعًا دون رَفْع.
وجواب آخر: أنه لم يره رَفَعَ وقد رآه غيره، فيُقدَّم الـمُثبِتُون في مواضع كثيرة، وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك. شرح سنن أبي داود (5/17، 18).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ‌لا ‌يرفع ‌يديه ‌في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء» أراد المبالغة في الرَّفع، أو أنَّ أنَسًا كان صغيرًا في الصَّف الأخير لم يكن يراه حين يرفع يديه إلَّا في الاستسقاء، فإنَّه دعا قائمًا، ودعا الاستسقاء وهو على المنبر. الكوثر الجاري (6/ 380).
وقال الجلال السيوطي -رحمه الله-:
«‌لا ‌يرفع ‌يديه ‌في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء» نَفْيٌ لِرَفْعٍ خاص، وهو الرفع بظهر الكفين، كما في مسلم وأبي داود، أما في سائر الدعاء فقد كان يرفع بطونهما، وقد ثَبَتَ رفع اليدين في الدعاء في مائة حديث أفْرَدْتُها بجزءٍ. التوشيح (3/ 924).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «‌لا ‌يرفع ‌يديه ‌في شيء من دعائه» أي: رفعًا بليغًا فوق حذاء الصدر والوَجْه، قالوا: كلَّما كانت الواقعة أصعب والمطلب أقوى كان رفع الأيدي أرفع وأعلى. لمعات التنقيح (3/ 613).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
«كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ‌لا ‌يرفع ‌يديه ‌في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء» وفي مراسيل أبي داود: «أنه كان لا يرفعهما كُلَّ الرَّفْع إلَّا في الاستسقاء»، فَعُلِم أنَّ المراد منه المبالغة في الرفع البليغ، ومَن تَوَهَّم منه على نفي رفع الأيدي في غيره فقد أبعد عن الصواب. فيض الباري (2/ 502).

قوله: «وإنَّه يَرفَعُ حتى يُرى بياضُ إِبْطَيْه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنَّه يرفع» أي: كان يرفع يديه «حتى يُرى» بصيغة المجهول «بياض إبْطيه». مرقاة المفاتيح (3/ 1107).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «إبْطيه» بسكون الموحَّدة. الكواكب الدراري (6/ 119).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «بياضُ إبْطيه»...، واختُلِف في المراد بوصْف إبْطيه بالبياض، فقيل: لم يكن تحتهما شَعر؛ فكانا كَلَوْنِ جسده، ثم قيل: لم يكن تحت إبْطيه شَعر البتَّة، وقيل: كان لدوام تَعَهُّده له لا يَبْقى فيه شَعر.
ووقع عند مسلم في حديث: «حتى رأينا عُفْرَة إبطيه»، ولا تنافي بينهما؛ لأنَّ الأَعْفر ما بياضُه ليس بالناصع، وهذا شأن الـمَغَابِن، يكون لونها في البياض دون لون بقية الجسد. فتح الباري (6/ 577).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُرى بياضُ إبْطيه» إن لم يكن حينئذ على بَدَنِهِ الشريف ثوب، أو كان رداء، فرؤية بياض الإبْطين على الحقيقة، وإن ْكان عليه قميص فالمراد رؤية موضع الإبْطين. لمعات التنقيح (3/ 613).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: اختَلف الناس في رفع اليدين في الدعاء في غير الصلاة، فكان بعضهم يختار إذا دعا الله تعالى في حاجته أن يشير بأصبعه السبَّابة، ويقول: ذلك الإخلاص، ويكره رفع اليدين، ذِكْرُ مَن قال ذلك: روى شعبة وعبثر وخالد عن حصين، عن عمارة بن روبية: "أنَّه رأى بشر بن مروان رافعًا يديه على المنبر، فسبَّه وقال: «لقد رأيتُ رسول الله لا يزيد على هذا -يعنى أن يشير بالسبّابة-»، وروى سعيد عن قتادة قال: رأى ابن عمر قومًا رفعوا أيديهم، فقال: "مَن يتناول هؤلاء؟! فوالله لو كانوا على رأس أطول جبلٍ ما ازدادوا مِن الله قُرْبًا"، وكرهه جبير بن مطعم، ورأى شريحٌ رجلًا رافعًا يديه يدعو، فقال: "مَن تتناول بها، لا أمّ لك"؟! وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم: "قد رفعوها قَطَعَهَا الله"، وكره ابن المسيب رفع الأيدي والصّوت في الدعاء، وكان قتادة يُشير بأصبعيه ولا يرفع يديه، ورأى سعيد بن جبير رجلًا يدعو رافعًا يديه فقال: "ليس في ديننا تكفير"، واعتلُّوا بحديث عمارة بن روبية المتقدِّم، وكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما، ثم يختلفون في صفة رفعهما:
حذو صدره بطونهما إلى وجهه، رُوي ذلك عن ابن عمر، وقال ابن عباس: إذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء، وكان علي بن أبي طالب يدعو بباطن كَفَّيه، وعن أنس مثله، واحتجوا بما رواه صالح بن كيسان عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أَكُفِّكُم، ولا تسألوه بظهورها، وامسحوا بها وجوهكم»(هذه اللفظة الأخيرة ضعفها الألباني).
وكان آخرون يختارون رفْع أيديهم إلى وجوههم، رُوِي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير، واعتلوا بما رواه حماد بن سلمة عن بشر بن حرب قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: «وَقَفَ رسول الله بعرفة، فَجَعَل يدعو، وجعل ظَهر كفيه مما يلي وجهه، ورفعهما فوق ثدييه، وأسفل مِن مَنْكِبيه».
وكان آخرون يختارون رفْع أيديهم حتى يحاذوا بها وجوههم وظهورها مما يلي وجوههم، وروى يحيى بن سعيد عن القاسم قال: "رأيت ابن عمرو بن العاص يرفع يديه يدعو حتى يحاذي مَنْكِبيه، ظاهرهما يَلَيَانه"، وعن ابن عباس قال: "إذا أشار أحدكم بأصبع واحدة فهو الإخلاص، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه، وظاهرهما يلى وجهه فهو الابتهال"، واحْتجُّوا بحديث أبي موسى وابن عمر وأنس: «أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه في الدعاء حتى يُرى بياض إبْطيه».
قال الطبري: والصواب أن يُقال: إن كل هذه الآثار المروية عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مُتَّفِقة غير مختلفة المعاني، وللعمل بكل ذلك وجه صحيح، فأمّا الدعاء بالإشارة بالأصبع الواحدة، فكما قال ابن عباس: إنَّه الإخلاص، والدعاء: بَسْطُ اليدين، والابتهال: رَفْعُهما، وقد حدثني محمد بن خالد بن خراش قال: حدثني مسلم عن عمر بن نبهان، عن قتادة، عن أنس قال: «رأيت النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يدعو بظهر كفيه وبباطنهما»، وجائز أن يكون ذلك كان من النَّبيّ لاختلاف أحوال الدعاء، كما قال ابن عباس، وجائز أن يكون إعلامًا منه بسعة الأمر في ذلك، وأنَّ لهم فِعْل أي ذلك شاءوا في حال دعائهم، غير أن أحبّ الأمر في ذلك إليَّ أن يكون اختلاف هيئة الداعي على قدر اختلاف حاجته، وأما الاستعاذة والاستجارة، فأحَبّ الهيئات إليَّ فيهما هيئة المبتَهِل؛ لأنها أشبه بهيئة المستخْبِر، وقد قال شهر بن حوشب: المسألة ببطن الكفين، والتعوذ مثل التكبير إذا افتتح الصلاة، فإن قال: فقد جعلتَ للدَّاعي رفع يديه في كل حال، فما أنت قائل فيما روى يزيد بن زريع...، أن أنس بن مالك حدَّثه: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء، فإنه كان يرفعهما حتى يُرى بياضُ إبْطيه» قيل: قد روى ابن جريج، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا تُرفع الأيدي إلَّا في سبعة مواطن: في بدء الصلاة، وإذا رأيت البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبِجَمْع، وعند الجمرتين»، وهذا مخالف لحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقد ثَبَتَ عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- رفْع الأيدي في الدعاء مطلقًا مِن وجوه. شرح صحيح البخاري (10/101- 104).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: رفْع اليدين في الاستسقاء وغيره مستحب؛ لأنَّه خضوع وتذلل وتضرع إلى الله تعالى، رُوِي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الله حَيِيٌّ كريم يَسْتَحْيِي إذا رفع العبدُ إليه يديه أن يَرُدَّهُما صِفْرًا»، وكان مالك يَرى رفْع اليدين في الاستسقاء للناس والإمام، وبطونهما إلى الأرض، وذلك العمل عند الاستكانة والخوف والتَّضرّع، وهو الرَّهَب.
وأمَّا عند الرغبة والمسألة فَتُبسَط الأيدي، وهو الرَّغَب، ومعنى قول الله -عز وجل-: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} الأنبياء: 90، خوفًا وطَمَعًا.
وقال ابن القاسم: يرفع يديه في الاستسقاء ومواضع الدعاء، ومِن مواضع الدعاء: الصفا والمروة وعند الجمرتين، وبعرفات، وبالمشعر الحرام رفعًا خفيفًا، ولا يَمد يديه رفعًا. شرح صحيح البخاري (3/83، 84).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
«أنَّه كان يرفع يديه حتى يُرى بياضُ إبْطيه، ويُنَحِّي فيه يديه» وهذا هو الذي سمَّاه ابن ‌عباس -رضي الله عنه-: ‌الابتهال، وَجَعَل المراتب ثلاثًا: الإشارة بأصبع واحدة كما كان يفعل يوم الجَمْعِ على المنبر.
والثانية: المسألة: وهو أن تجعل يديك حذو منكبيك كما في أكثر الأحاديث.
والثالثة: الابتهال، وهو: الذين ذكره أنس -رضي الله عنه-؛ ولهذا قال: «كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبْطيه»، وهو الرفع إذا اشتد، وكان بطون يديه مما يلي وجهه والأرض، وظهورهما مما يلي السماء.
وقد يكون أنس بن مالك -رضي الله عنه- أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة، كما في مسلم وغيره: «أنه كان لا يزيد على أن يرفع أصبعه الـمُسبِّحة»، وفي هذه المسألة قولان: هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه.
قيل: يُستحب، قاله ابن عقيل، وقيل: لا يستحب بل هو مكروه، وهو أصح، قال إسحاق بن راهويه: هو بدعة للخطيب، وإنَّما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يشير بأصبعه إذا دعا، وأما في الاستسقاء فإنه لَمَّا استسقى على المنبر رفع يديه، كما رواه البخاري عن أنس -رضي الله عنه-، فقد روى أنس في هذا الحديث: «أنه استسقى بهم يوم الجمعة على المنبر فرفع يديه».
وقد ثبت أنه لم يكن يرفع يديه على المنبر في غير الاستسقاء، فيكون أنس أراد هذا المعنى، لا سيَّما وقد كان عبد الملك بن مروان أحدث رفع الأيدي على المنبر، وأنس -رضي الله عنه- أدرك هذا العصر، وقد أنكر ذلك على عبد الملك عاصمُ بن الحارث، فيكون هو أخبر بالسُّنة التي أخبر بها غيره مِن أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- «لم يرفع يديه -يعني على المنبر- إلَّا في الاستسقاء».
وهذا يُبيِّن أنَّ الاستسقاء مخصوص بمزيد الرَّفْع، وهو الابتهال الذي ذكره ابن عباس -رضي الله عنهما-، فالأحاديث تأتلف ولا تختلف.
ومَن ظنَّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الرفع المعتدل جعل ظَهر كفيه إلى السماء فقد أخطأ.
وكذلك مَن ظنَّ أنه قَصَدَ بوجهه وظَهر يديه إلى السماء فقد أخطأ؛ فإنَّه نهى عن ذلك فقال: «إذا سألتُم الله فاسألوه ببطون أَكُفِّكُم ولا تسألوه بظهورها» أخرجه أبو داود عن ابن عباس، قال: وهو من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وروى أحاديث أُخر في أبي داود وغيره.
وبالجملة فهذا الرفع الذي استفاضت به الأحاديث وعليه الأئمة والمسلمون من زمن نبيهم إلى هذا التأريخ.
وحديث أنس الذي تقدَّم يدل على أنه لشدة الرفع اِنْحَنَت يداه فصار كفُّه مما يلي السماء؛ لشدة الرَّفع، لا قَصْدًا لذلك، كما جاء «أنه رفعهما حِذاء وجهه»، وتَقدَّم حديث أنس -رضي الله عنه- ففيه: «أنه رآه يدعو بباطن كفيه وظاهرهما»، فهذه ثلاثة أنواع في هذا الرفع الشديد، رفع الابتهال يذكر فيها أن بطونهما مما يلي وجهه، وهذا أشد، وتارة يذكر هذا وهذا.
فتبيَّن بذلك أنه لم يقصد في هذا الرفع الشديد لا ظهر اليد ولا بطنها؛ وهذا لأنَّ الرفع إذا قوي تَبْقَى أصابعهما نحو السماء مع نوع من الانحناء الذي يكون فيه هذا تارة وهذا تارة.
وأما إذا قَصَدَ توجيه بطن اليد أو ظهرها فإنما كان توجيه بطنها، وهذا في الرفع المتوسط الذي هو رفع المسألة التي يمكن فيها القصد، ورَفع ما يختار من البطن والظهر، بخلاف الرفع الشديد الذي يُرى به بياض إبطيه فلا يمكن فيه توجيه باطنهما بل ينحني قليلًا بحسب الرفع، بهذا تأتلف الأحاديث وتظهر السُّنة. المستدرك على مجموع الفتاوى (3/136- 138).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
رُوي عنه -صلى الله عليه وسلم- في الاستسقاء في هذا خمسة أنواع:
أحدها: الإشارة بإصبع واحدة إلى السماء...
النوع الثاني: رفع اليدين وبسطهما، وجعل بطونهما إلى السماء...
النوع الثالث: أن يرفع يديه، ويجعل ظهورهما إلى القِبلة، وبطونهما مما يلي وجهه...
النوع الرابع: عكس الثالث، وهو أن يجعل ظهورهما مما يلي وجه الداعي...
النوع الخامس: أن يقلِّب كفَّيه، ويجعل ظهورهما مما يلي السماء، وبطونهما مما يلي الأرض، مع مَدِّ اليدين ورفعهما إلى السماء. فتح الباري (9/219- 224).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنه (أي: رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة) مُستحب؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى (وذَكَر عددًا من الأحاديث)... وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرتُه، وفيما ذكرته كفاية، والمقصود أنْ يُعلم أنَّ مَن ادَّعَى حصْر المواضع التي وردت الأحاديث بالرفع فيها فهو غالِطٌ غَلَطًا فاحشًا، والله تعالى أعلم. المجموع شرح المهذب (3/507- 511).
وقال العيني الحنفي -رحمه الله-:
والرَّفع سُنة الدعاء: أي: رفْع اليدين سُنَّة، ورُوي فيه أحاديث، منها ما أخرجه أبو داود في سننه في الدعاء من حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- أن رسول الله -صلى اللَّه عليه وسلَّم- قال: «المسألة: أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والإشعار: أن تشير بإصبع واحدة، والإهلال: أن تمد يديك». البناية شرح الهداية 4/ 203.
وقال النفراوي المالكي -رحمه الله-:
واختُلِف هل يرفع يديه عند الدعاء أو لا؟ وعلى الرَّفع فهل يمسح وجهه بهما ‌عَقِبَه ‌أم ‌لا؟
والذي في الترمذي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يَحُطَّهما حتى يمسح بهما وجهه» (ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي)، فيفيد أنه كان يرفعهما ويمسح بهما وجهه. الفواكه الدواني (2/ 330).
وقال البهوتي الحنبلي -رحمه الله-:
ومن آداب الدعاء: بَسْطُ يديه ورفعهما إلى صدره؛ لحديث مالك بن يسار مرفوعًا: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكُفِّكم، ولا تسألوه بظهورها»، رواه أبو داود بإسناد حسن، وتكون يداه مضمومتين؛ لما روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس: «كان النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا ضَمَّ كفَّيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه»، وضَعَّفَه في المواهب، ويكون مُتطهِّرًا، وَيُقَدِّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار. كشاف القناع 1/ 368.
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأصل ‌في ‌الدعاء ‌رفع ‌اليدين، إلا إذا وردت السُّنة بعدم الرفع ظاهرًا أو صريحًا فلا يرفع، قول المصلي بعد السلام: "أستغفر الله" هذا دعاء، لكن هل كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه؟ لا، ظاهر السُّنة ألا يرفع؛ لأن الذين يصفون صلاة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- لا يقولون: إنه كان يرفع يديه عند الاستغفار. فتح ذي الجلال والإكرام(6/٤٦٠)
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
الحاصل: استحباب الرفع في كلِّ دعاء إلَّا ما جاء مِن الأدعية مُقيَّدًا بما يقتضي عدم الرفع فيه، كدعاء الركوع والسجود وغيرهما. الكوكب الوهاج (11/ 13).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
ثَبَتَ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رَفَعَ يديه في عدة مواضع: منها ستة مواضع في الحج: في عرفة، ومزدلفة، وبعد الجَمرة الصغرى، وبعد الجمرة الوسطى، وعلى الصفا والمروة. توفيق الرب المنعم (2/ 655).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أن رفع اليدين في الدعاء مستحب، ورفْع اليدين مناسب لذُلِّ الطَّالب؛ ولإظهار فاقته وحاجته. الإفصاح (5/193، 194).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
يستفاد منه: استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، والمبالغة فيه أكثر من الأدعية الأخرى. منار القاري (2/ 288).


إبلاغ عن خطأ