الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«لا تُباشِرِ المرأةُ المرأةَ فتَنعتَها لزوجِها كأنَّهُ يَنظرُ إليها».


رواه البخاري برقم: (5240)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


جاءتِ الشَّريعةُ بحِفظِ الأعراضِ وصيانةِ القلوبِ، وسدِّ أبوابِ الفتنةِ، ومن ذلك: قولُه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «لا تُباشِرِ المرأةُ المرأةَ...»: والمباشرةُ في أصلِها: إيصالُ بَشَرةِ الإنسانِ إلى بَشَرةِ غيرِه، أي: مسُّ الجلدِ بالجلدِ، والبَشَرةُ هي ظاهرُ جِلْدِ الإنسانِ، فتُستعمَلُ في معنى الملامَسَةِ والمخالطةِ، وقد يُكنَّى بها أحيانًا عن الجِمَاعِ، كما في قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ} البقرة: 187.
والمرادُ بالحديثِ: النهيُ عن مسِّ المرأةِ جسمَ المرأةِ؛ لمعرفةِ محاسن جسمِها ونعومة ملمسِها، ولا يقتصرُ النهيُ على اللَّمسِ، بل يشمل النظر إليها؛ لأنَّ العِلَّةَ هي حصولُ الوصفِ المُفصَّلِ الذي يقومُ مقامَ الرؤيةِ، فيتحقَّقُ ذلك باللَّمسِ، كما يتحقَّقُ بالنظرِ، بل قد يكونُ الوصفُ من جهةِ النَّظرِ أبلغَ وأقوى أثرًا من اللَّمسِ؛ إذ يتمكَّنُ الناظرُ من إدراكِ صفاتٍ ظاهرةٍ دقيقةٍ لا تُدرَكُ بالمباشرةِ، كبياضِ البَشَرَةِ، وصِغَرِ العينين، ودِقَّةِ الحواجبِ، وطولِ الشَّعرِ، وتناسُقِ القَوَامِ، ونحوِ ذلك ممَّا يُقرِّبُ صورتَها في الذِّهنِ حتى يكونَ كالمعاينةِ، وهذا أقربُ لِعلَّةِ النهيِ، وأشدُّ تأثيرًا من مُجرَّدِ اللَّمسِ.
وعليه: فكلُّ ما أفضى إلى نقلِ صورةِ المرأةِ وهيئتِها للغيرِ داخلٌ في النهيِ، فلا يُتصوَّرُ إباحةُ وصفِها لمجرَّدِ عدمِ المباشرةِ؛ لأنَّ المقصودَ مَنْعُ أثرِ الوصفِ وما يُفضي إليه من الفتنةِ، لا خصوصَ وسيلتِه.
وقولُه: «فتنعتَها لزوجِها»، التَّنصيص على الزَّوج هُنا ليس على سبيلِ التقييدِ، بل خرج مخرجَ الغالبِ؛ لأنَّ الزوجَ هو الأَكثرُ تعرُّضًا لسماعِ مثلِ هذا الوَصفِ، وإلَّا فالحكمُ عامٌّ في كلِّ رجلٍ أجنبيٍّ؛ كالأخِ، والعمِّ، والخالِ، وغيرِهم؛ لاتحادِ العِلَّةِ، وهي ما يُفضي إليه الوصفُ من إثارةِ الفتنةِ وتعلُّقِ القلوبِ.
ويُستثنى من ذلك: ما كان لحاجةٍ مشروعةٍ؛ كالنظرِ لأجلِ الخِطبةِ، فيُباحُ وصفُها؛ لِما فيه من مصلحةٍ معتبرةٍ.
وفي الحديثِ: التأكيدُ على مبدأِ صيانةِ الأعراضِ، وحفظِ القلوبِ من التعلُّقاتِ المحرَّمةِ، والتحذيرُ من أسبابِ الفتنةِ بالنساء. 


غريب الحديث


«تُبَاشِرُ»:
المباشرة: الملامسة، وأصله مِن لَمْسِ بشَرَة الرجل بَشَرَة المرأة. لسان العرب، لابن منظور (4/ 61).

«فتنْعَتَها»:
نَعَتَ الرَّجُل صاحبه نعتًا من باب نَفَعَ: وصَفَهُ، ونَعَتَ نفسَه بالخير: وَصَفَها. المصباح المنير، للفيومي (2/ 612).
قال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
النَّعت: وصْفُ الشيء بما فيه من حُسن، قاله الخليل، ولا يقال في المذموم إلا أن يتكلَّف متكلِّف، فيقول نَعْت سوء، فأما الوصف فيقال فيهما، وكلُّ نَعْتٍ وصْفٌ، وليس كل وصفٍ نعتًا. المجموع المغيث (3/ 317).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لا تباشر المرأة المرأة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قيل: «لا» نافية بمعنى الناهية، وقيل: ناهية. مرقاة المفاتيح (5/ 2050).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا تباشرِ» بكسر الراء لالتقاء الساكنين، وأصله الجزم على النهي، ويجوز رفع الراء على أنه خبر بمعنى النهي، كقوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الواقعة: 79. شرح سنن أبي داود (9/ 489).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا تباشر» خبر بمعنى النهي. فيض القدير (6/ 385).
وقال المظهري -رحمه الله-:
المباشرة: إيصال كل واحد من الشخصين بَشَرَته إلى بشرة صاحبه، ويكنى به عن المجامعة والملامسة. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 18).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا تباشر المرأة المرأة» زاد النسائي في روايته: «في الثوب الواحد» قيل: لا نافية بمعنى الناهية وقيل: ناهية، والمباشرة بمعنى المخالطة والملامسة وأصله من لمس البشرة البشرة، والبشرة ظاهرة جلد الإنسان أي: لا تمس بشرة امرأة بشرة أخرى.فتح الباري (9/338).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
البَشَرَةُ ظاهر جِلد الإنسان، والمباشرة: الملامسة، وأصله مِن لَمْسِ البَشَرة البَشَرة. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2267-2268).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «لا تباشر» من المباشرة، وهي المعاشرة والملامسة. الكواكب الدراري (19/ 171).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا تباشر المرأة المرأة» أي: تمس بشرتها ببشرتها، فتعرف خصوبة بدنها ونعومته، وما فيه من المحاسن الخفية. دليل الفالحين (8/ 556).
وقال المظهري -رحمه الله-:
المراد به ها هنا: النظر، يعني: لا تنظر المرأة إلى امرأة وتصفها لزوجها بما رأت منها من حُسن بشرتها، فيقع في قلب زوج الواصفة عشق الموصوفة، ويلحقه شَغَفٌ وتحيُّر من محبتها، وهذا نهي أن تصف المرأة حُسن امرأة عند زوجها أو رجل آخر؛ كيلا يميل الرجال إلى الأجنبيات بما سمعوا من أوصافهن. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 18).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
المباشرة: هي المسُّ واتصال الجسم بالجسم، بمعنى: أنها تلمسها أو تضع يدها على جسمها لتدرك مدى نعومتها، فهذا هو المقصود من المباشرة؛ وذلك لأن هناك نظرًا وهناك مباشرة، فالنظر يكون بإطلاق البصر إليها، وأما المباشرة فتكون بوضع اليد على جسمها؛ لتعرف المرأة بالملامسة مدى نعومة الجسم، فليس للمرأة أن تفعل ذلك من أجل أن تصفها لزوجها أو تصفها لأحد من الناس كأنه ينظر إليها. شرح سنن أبي داود (247/ 7).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
والمعنى في الحديث: النظر مع اللمس، فينظر إلى ظاهرها من الوجه والكفين، ويحسّ باطنها باللمس، ويقف على نعومتها وسمنها. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2267-2268).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
لكن إذا أَرْسَل الرَّجُل إحدى محارمه لتنظر إلى امرأة وتصفها له ليخطبها فذلك لا بأس به؛ لأنه قد تعلق به غرض صحيح مشروع. شرح سنن أبي داود (247/ 7).

قوله: «فَتَنْعَتَهَا لزوجها كأنه ينظر إليها»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «فَتَنْعَتَهَا لزوجها» أي: تَصِفَها له. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (4/ 179).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فَتَنْعَتَهَا» عطف على «تُباشِر»، والنفي مُنْصَبٌّ عليهما معًا، فتجوز المباشرة بغير التوصيف. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2268).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
النَّعت: الوصف، والغرض من الكلام: انتفاء النعت لا المباشرة. الكواكب الدراري (19/ 171).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
أي: خشية أن تعجبه إن وصَفَتها بحُسن؛ فيفضي ذلك إلى تطليق الناعتة، والافتتان بالمنعُوتة، أو بقبح فتكون غيبة. منحة الباري (8/436).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وعِلَّة الحرمة: قيام النعت مقام النظر، ألا ترى أنه قال: «كأنه ينظر إليها»، والنَّعت: الوصف بالجميل إذا أُطلق. الكوثر الجاري (8/ 539).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أما ذكر محاسن من لا تُعرف من النساء: فمباح إن لم يدعُ إلى مفسدة من تهييج النفوس إلى الوقوع في الحرام، أو في المكروه. المفهم (5/ 515).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال أبو الحسن بن القابسي: هذا من أَبْيَنِ ما تُحمى به الذرائع، فإن وصَفَتْها لزوجها بحُسْنٍ خِيف عليه الفتنة، فيكون ذلك سببًا لطلاق زوجته، ونكاحها إن كانت ثَيبًا، وإن كانت ذات بَعْل (أي: زوج) كان ذلك سببًا لبُغضه زوجته ونقصان منزلتها عنده، وإن وصَفَتْها بقُبْحٍ كان ذلك غِيبة، وقد جاء عن النبي -عليه السلام- أنه نهى الرجل عن مباشرة الرجل مثل نهيه للمرأة سواء.
قال الطبري: (وساق بإسناده)، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يباشر الرجلُ الرجلَ، ولا المرأة المرأة».
قال الطبري: وفيه من البيان أن مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة مفضيًا كل واحد منهما بجسده إلى جسد صاحبه غير جائز.
فإن قال قائل: هذه الأخبار هي على العموم أم على الخصوص؟
قيل: على العموم فيما عُنيت به، وعلى الخصوص فيما يحتمله ظاهرها.
فإن قيل: وكيف كان ذلك؟
قيل: لقيام الحُجة بجواز مصافحة الرَّجُل الرَّجُل والمرأة المرأة، وذلك مباشرة من كل واحد منهما صاحبه ببعض جسده، فكان معلومًا بذلك؛ إذ لم يكن في قوله -عليه السلام-: «لا يباشر الرجل الرَّجُل، ولا المرأة المرأة» استثناء مقرون به في الخبر، وكانت المصافحة مباشرة، وهي من الأمور التي نَدب المسلمون إليها كالذي حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا بكر أبو عبيدة الناجي، حدثنا الحسن، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إن المسلمَين إذا التقيا فتصَافَحَا تَحاتَّت ذنوبهما». شرح صحيح البخاري (7/ 365-366).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«حتى تَصِفَها» أي: تَصِف نعومة بدنها وليُونة جسدها «كأنه ينظر إليها» فيتعلق قلبه بها ويقع بذلك فتنة، والمنهي في الحقيقة هو الوصف المذكور.
قال القابسي: هذا أصل لمالكٍ في سد الذرائع؛ فإن الحكمة في هذا النهي: خشية أن يَعجب الزوج الوصف المذكور فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة أو الافتتان بالموصوفة، ووقع في رواية النسائي من طريق مسروق عن ابن مسعود بلفظ: «لا ‌تباشر ‌المرأة ‌المرأة ‌ولا ‌الرجل ‌الرجل»، وهذه الزيادة ثبتت في حديث ابن عباس عنده وعند مسلم وأصحاب السنن من حديث أبي سعيد بأبسط من هذا ولفظه: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفْضِ الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تُفْضِي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد». قال النووي: فيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، ونبَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- بنظر الرجل إلى عورة الرجل والمرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المرأَةِ على ذلك بطَرِيقِ الأولى. فتح الباري (9/338).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
كأن الشيخ أبو الحسن جعل النعت يقع على الحَسن والقبيح.
قال الخليل: النعت وصفك الشيء بما فيه من حُسن إلا أن يتكلف متكلف فيقول: ذا نعت سوء، قال: وكل شيء جيِّد بالغ فهو نعت.
وقال الداودي: نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مباشرة المرأة المرأة «لزوجها» للوجه الذي ذكره ابن مسعود، فكأنه جعل «فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» من كلام ابن مسعود.
قال السفاقسي: وظاهر الحديث ما ذكره الشيخ أبو الحسن قبل هذا أنه من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، والغرض من الحديث انتفاء النعت لا المباشرة، لكن أوقع النهي عن المباشرة؛ لأن بها تَوَصَّلت إلى معرفة نعتها فهو نهي للسبب، والمراد المسبب، وفي معنى المباشرة: رؤية المرأة في الحمَّام ونحوه، فإنه سبب إلى معرفة نَعْتِها. شرح سنن أبي داود (9/ 489-490).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أقول: إن إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- يدل على أن وصفه الشيء يجعله كالمعاينة فيما هو منظور بدليل قوله: «كأنه ينظر إليها»، وعدم جواز السَّلَم في الحيوان عند أبي حنيفة ليس من تلك الجهة؛ بل من حيث إن الحيوان يشتمل على أوصاف باطنية لا يُطَّلع عليها بالنظر إليه، فكان مما لا يمكن ضبط صفته، وما لا يمكن ضبط صفته لا يجوز السَّلَم فيه. مرقاة المفاتيح (5/ 2050).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقد يستدل به على أنه يصح البيع بالصفة التي تقوم مقام النظر كما في الحديث: «كأنه ينظر إليها» كما يصح في السَّلَم، قال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد: لا يصح حتى يراه، كما هو الجديد من مذهب الشافعي. شرح سنن أبي داود (9/ 490).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يُستدل بهذا الحديث على جواز السَّلَم في الرقيق وسائر الحيوان؛ لأن ضَبْطَها يمكن بالصفة الحاضرة، كما يقع ذلك بالعيان، وإذا كان بيع العين جائزًا إذا هو معلوم كان بيع الصفة جائزًا إذ هو محصور. أعلام الحديث (3/ 2027).


إبلاغ عن خطأ