«والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ مِن هذه الأُمَّةِ يهوديٌّ، ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يُؤْمِنْ بالذي أُرسِلتُ به، إلَّا كان مِن أصحابِ النَّارِ».
رواه مسلم برقم: (153)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «والذي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«والذي نفس محمَّد» روحه «بيده» يتصرف فيها كيف يشاء، وأتى باسمه العَلم؛ لأن المقام مقام التواضع، وحَظ النَّفس؛ ولأنه أدَلُّ على إرادة المتكلم بخلاف رسول الله، ونحوه. التنوير (8/ 370).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الواو في و«الذي» للقسم، وأراد بـ«الذي» الله تعالى، (و) النفس: الروح والدم والجسد والعين (المراد بالعين هنا: الذات وليست العين الباصرة). المفاتيح (1/ 71).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والذي» أي: وأقسمت بالإله الذي «نفس محمد» وروحه، فيه التفات «بيده» المقدسة. الكوكب الوهاج (18/ 45).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«والذي نفسي بيده» المراد: أن نفسه بيد الله، لا من جهة إماتتها وإحيائها فحسب، بل من جهة تدبيرها وتصريفها أيضًا، ما مِن دابة إلا هو آخذ بناصيتها -سبحانه وتعالى-. القول المفيد (1/202).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
قد أجمع أهل السُّنة على أنهما يدان حقيقيتان لا تماثلان أيدي المخلوقين، ولا يصح تحريف معناهما إلى القوة أو النعمة أو نحوِ ذلك. فتح رب البرية بتخليص الحموية (ص: 32).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «والذي نفس محمد بيده» خُصَّت بذلك لشرفها، وكذا أنفس الخلق. التوضيح (20/ 201).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «والذي نفس محمد بيده» حجة في جواز الحلف بمثل هذا. إكمال المعلم (6/ 295).
وقال النووي -رحمه الله-:
جواز الحلف بغير تحليف، بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة كتوكيد أمر وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا النوع لهذا المعنى. شرح صحيح مسلم (7/ 74).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
مقصوده: تأكيد الإخبار بالقسم، وهذه فائدة القسم كله، ولكن يحتاج إلى فائدة تخصيص هذا القسم المخصوص، وهو قوله -عليه السلام-: «والذي نفس محمد بيده» وفائدته: ضم التأكيد في وقوع المخبر عنه بمطلق القسم، إلى التأكيد بالصدق في الإخبار بذكر كون النفس بيده، وقادر عليها، فتأمله. شرح الإلمام (3/ 215).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
إقسام على ما يخبر به؛ لأنه خبر عظيم، لا لأن المخاطَب مُنْكِر. التنوير (2/ 422).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولا خلاف في قوله: «والذي نفسي بيده» أنها يمين؛ لأنه حلف بالله، وقد حلف بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في غير قصة. إكمال المعلم (5/ 419).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
جواز الحلف بهذا، وأنه ينعقد به اليمين، ويلزم في الحنث منه الكفارة. شرح سنن أبي داود (11/ 508).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ففيه دليل على أنَّ الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها: اسم الله تعالى، يمين جائزة، حكمها حكم الأسماء الصريحة. المفهم (4/ 160).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
فإنَّ قوله: «والذي نفسي بيده» ليس من أسماء الله تعالى، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة، فيلحق به كل ما كان في معناه، كقوله: والذي خلق الخلق، وبسط الرزق، وما أشبه ذلك. المفهم (5/ 107).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«والذي نفس محمد بيده» تعبير الإنسان عن نفسه باسمه دون ضميره، وقد ثبت بالضمير في الطريق الأخرى «والذي نفسي بيده» وفي الأول نوع تجريد، وفي الحلف بذلك زيادة في التأكيد؛ لأن الإنسان إذا استحضر أن نفسه -وهي أعز الأشياء عليه- بيد الله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء، استشعر الخوف منه، فارتدع عن الحلف على ما لا يتحققه، ومن ثم شُرع تغليظ الأيمان بذكر الصفات الإلهية، ولا سيما صفات الجلال. فتح الباري (11/ 270).
قوله: «لا يسمعُ بي»:
قال السيوطي –رحمه الله-:
يُقال: فلان سمع بفلان: إذا بلغ إليه خبرهُ. عقود الزبرجد (2/ 422).
قوله: «أحدٌ مِن هذه الأُمَّةِ يهوديٌّ، ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يُؤْمِنْ بالذي أُرسِلتُ به، إلَّا كان مِن أصحابِ النَّارِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أحدٌ من هذه الأمة» ... الأُمَّة في أصل اللغة: الجماعة من الحيوان، قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} الأنعام: 38، وقال: {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} القصص: 23، ثم قد استُعمل في محامل شتى، والمراد به في هذا الحديث: كل من أرسل إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- ولزمته حُجته، سواء صدَّقه أو لم يصدِّقه؛ ولذلك دخل فيه اليهودي والنصراني، لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا، فإنه قال فيه: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني» بغير واو العطف، فإنه يكون بدلًا من الأمة، وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد، وقال: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني» فحينئذٍ لا يدخل اليهودي ولا النصراني في الأُمَّة المذكورة -والله تعالى أعلم-. المفهم (1/ 368).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الأمة» جَمْعٌ لهم جامع من دين أو زمان أو مكان أو غير ذلك، فأمة محمد تطلق تارة ويراد بها: كل من كان مبعوثًا إليهم، وآمن به أو لم يؤمن، ويسمون أمة الدعوة، وتطلق أخرى، ويراد بها: المؤمنون به، والمذعنون له، وهم أمة الإجابة، وهي ها هنا بالمعنى الأول؛ بدليل قوله: «ولم يؤمن بي» واللام فيها للاستغراق أو للجنس.
و«يهودي ولا نصراني» صفتان مقيدتان لـ«أحد» أو بدلان عنه بدل البعض عن الكل، واللام للعهد، والمراد بها: أهل الكتاب، ويعضده توصيف الأحد باليهودي والنصراني، والموجب لتخصيصهما دفع التخصيص فيهما، والإشعار على سائر حال الكفرة بالوجه الآكد الأبلغ، فإنه لما كان لمتوَهِّم تخصيص ذلك لمن لم يكن أهل الكتاب، ويتوقع للكتابي بسبب ما له من الإيمان بنبيه والاستسلام لشرعه خلاصًا ونجاة، نص على أنهم -وإن كانوا أصحاب شرع- فإنه لكونه منسوخًا لا ينفعهم ولا يغنيهم، ولا محيص لهم عن الإيمان به، والانقياد له، وإذا كان حال هؤلاء...، وأرباب الأديان كذلك، فما ظنك بالمعطلة وعَبَدَةِ الأوثان وأضرابهم؟!...
ومعنى الحديث: أنَّ كل أحدٍ من هذه الأُمَّة يسمع بي، وتتبين له معجزتي، ثم لم يؤمن برسالتي، ولم يصدقني في مقالتي، كان من أصحاب النار، سواء الموجود ومن سيوجد. تحفة الأبرار (1/ 43، 44).
وقال المظهري -رحمه الله-:
المراد بالأمة في هذا الحديث: أمة الدعوة، وإنما خُصَّت اليهود والنصارى في هذا الحديث بالذكر؛ لأنهما أهلا كتابي التوارة والإنجيل، وهم أشرف وأخص ممن لم يكن لهم كتاب من الأمم الباقية، فإذا ذكر أن اليهود والنصارى يصيرون كفارًا بترك الإيمان بمحمد -عليه السلام- مع زيادة شرفهم على غيرهم من الأمم، فأن يصير غيرهم من الأمم كفارًا بترك الإيمان بمحمد -عليه السلام- أولى. المفاتيح (1/ 72).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أحدٌ من هذه الأمة» أي: من هو موجود في زمني، وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليهم الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سِواهما؛ وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا، فغيرهم ممن لا كتاب له أولى -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (2/ 188).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أصل الأمّة: الجماعة، وتضاف للنبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فيُراد بها أحيانًا: أمة الإجابة، أي: المسلمون، كحديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» وأحيانًا يراد به: أمة الدعوة، أي: كلُّ من أُرسل إليهم النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وهو المراد هنا، فالإشارة إلى أمة الدعوة الموجودين في عهده -صلى الله عليه وسلم-، ومن سيوجد إلى يوم القيامة؛ لعموم دعوته للجميع، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} الأنعام: 19. البحر المحيط الثجاج (4/ 241).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه دليل على أنَّ مَن في أطراف الأرض، وجزائر البحر المقطعة ممن لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا أمْر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الحرج عنه في عدم الإيمان به ساقط؛ لقوله: «لا يسمع بي» إذ طريق معرفته، والإيمان به -صلى الله عليه وسلم- مشاهدة معجزته وصدقه أيام حياته، أو صحة النقل بذلك والخبر لمن لم يشاهده وجاء بعده، بخلاف الإيمان بالله وتوحيده الذي يوصل إليه بمجرد النظر الصحيح، ودليل العقل السليم. إكمال المعلم (1/ 468).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ثم يموت ولم يؤمن» إشارة إلى أنَّ مَن آمن في آخر عمره يكون إيمانه مقبولًا؛ لأنه آمن قبل أن يموت، فلم يمت كافرًا.
وقوله -عليه السلام-: «ولم يؤمن بالذي أرسلت به» إشارة إلى أن الإيمان بجميع أحكام الإسلام واجب، ومن قال: آمنت بأن محمدًا رسول الله، ولكن محمدًا رسول الله إلى بعض الناس، فهو كافر؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} سبأ: 28، قيل: تقديره: وما أرسلناك إلا لتكون رسولًا للناس كافة، أي: جميعًا، فعلى هذا التقدير (كافة) حال للناس مقدم عليه، وقيل: بل (كافة) حال عن النبي -عليه السلام-، والتاء للمبالغة، يعني: لتكون مانعًا للناس عن الكفر، والكف: المنع.
ومن قال: آمنتُ أن محمدًا رسول الله على كافة الناس، ولكن أُعظِّم أمر السبت، أو أُحرِّم لحم الإبل، كما كان في دين موسى -عليه السلام-، أو قال ما أشبه ذلك من تحليل حرام، أو تحريم حلال فهو كافر؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} البقرة: 208، والسلم: الإسلام، يعني: اقبلوا جميع ما أمركم به محمد -عليه السلام-، واتركوا ما نهاكم عنه محمد -عليه السلام-، و«كان» في قوله -عليه السلام-: «إلا كان من أصحاب النار» بمعنى: يكون، فإن قيل: ينبغي أن لا يكون كافرًا من لم يدرك زمن النبي -عليه السلام- ولم يسمع كلامه بترك الإيمان به؛ لأن النبي -عليه السلام- قال: «لا يسمع بي» وهذا الرجل لم يسمع منه.
قلنا: ليس المراد من قوله: «يسمع بي» أن يسمع هو منه، بل المراد: وصول كلامه إليه، ولو كان بواسطة كتاب أو شخص، ألا ترى أن من خالف كتاب سلطان أو رسوله يستوجب عقوبة ذلك السلطان؟
وتعظيم الرسول تعظيم الله تعالى، وعصيانه عصيان الله تعالى، فكذلك تعظيم ألفاظ رسول الله -عليه السلام-، وتعظيم العلماء الذين هم نوابه وورثته تعظيم الله، وعصيانهم عصيان الله؛ لأنهم يدعون الخلق إلى الله تعالى، كما أن الرسول يدعو الخلق إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ألا ترى أنه -عليه السلام- قال: «ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به» ولم يقل: ثم يموت ولم يؤمن بي، وحيث ذكر الإيمان بالرسول، فالمراد منه: الإيمان بما جاء به الرسول، ولكنه لا يحصل الإيمان بما جاء به الرسول إلا بتصديق الرسول -عليه السلام-. المفاتيح (1/ 72- 74).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
التعبير بـ«ثم» التي للتراخي، والمهلة فيه إشعار بأن الإيمان ينفع، ولو بعد مدة من البلاغ، ويحتمل أن يكون لاستبعاد أن يقع الموت بدون إيمان بعد السماع به، فهو كقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} السجدة: 22. البحر المحيط الثجاج (4/ 244).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: وجوب اتباعه -صلى الله عليه وسلم-، ونسخ جميع الشرائع بشرعه، فمن كفر به لم ينفعه إيمانه بغيره من الأنبياء -صلوات الله عليهم أجمعين-. الإفصاح (8/ 192).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
من الفقه: معرفة يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان يحلف على ما يريد بالله، وفي ذلك رد لقول من قال: لا يُحلَفُ بالله صادقًا ولا كاذبًا. التمهيد (11/ 577).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه؛ تنبيهًا على عِظَم شأنه، وفيه الرَّد على من كره أن يحلف بالله مطلقًا. فتح الباري (2/ 129).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه دليل على أنَّ من لم تبلغه دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أمره، لا عقاب عليه ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الإسراء: 15، ومن لم تبلغه دعوة الرسول، ولا معجزته، فكأنه لم يبعث إليه رسول. المفهم (1/ 368).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد -صلى الله عليه وسلم- على جميع الناس، بل على جميع الثقلين، ممن بلغتهم الدعوة، وفهموها، فرسالته عامّة جميع الأزمنة، والأمكنة، والأمم...
ومنها: نسخ جميع الملل برسالة نبيّنا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن ذكر اليهود والنصارى للتنبيه على من سواهما من الأمم التي تدّعي دينًا، سواء كان سماويًّا أم لا.
ومنها: أنَّ فيه دلالةً على أنَّ من لم تبلغه دعوة النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ولا أمره، لا عقاب عليه، ولا مؤاخذة...
ومنها: أنَّ مَن لم يؤمن برسالة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كافر يدخل النار، خالدًا مخلَّدًا أبدًا -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (4/ 245-246).