الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«جاءتِ امْرَأة إلى النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلم- فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ لي ابنةً ‌عُرِيِّسًا ‌أصابتْها حَصْبة فَتَمَرَّقَ شَعْرُها، أَفأَصِلُهُ؟ فقال: لعن اللهُ الواصِلةَ والمُستوصِلَة».


رواه البخاري برقم: (5941)، ومسلم برقم (2122)، من حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها-.
وفي البخاري برقم (5934)، ومسلم برقم: (2123)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ جارية مِن الأنصار تَزوَّجَت، وأنَّها ‌مَرِضَت ‌فَتَمَعَّطَ ‌شَعْرُها، فأرادوا أنْ يَصِلُوها، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال:...» الحديث. 


غريب الحديث


«عُرَيِّسًا»:
هو تصغير عَرُوس، قُلِبت الواو ياء، وَزِيد عليها ياء التَّصغير، وأُدْغِمَت إحداهما في الأخرى، ويقال: عَرُوس للذَّكر والأنثى، يُقال: رجل عَرُوس، ورجال عُرُس، وامرأة عَرُوس، ونساء عَرائس. المفهم، للقرطبي(5/ 442).

«حَصْبَة»:
الحَصْبَةُ: بِفَتْح الحاء وَسُكُون الصَّاد، ويقال بفَتْح الصَّاد أيضًا وبكسرها: دَاء مَعْرُوف. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 205).
قال ابن دريد الأزدي -رحمه الله-:
والحَصْبَةُ: دَاءُ يُصِيب النَّاس مَعْرُوف، وهو بَثْرٌ يَخرج على الإنسان شَبيهٌ بالجُدَرِي. جمهرة اللغة (1/ 279).

«فَتَمَرَّقَ»، و«‌فَتَمَعَّطَ ‌شَعْرُها»:
تَمَرَّقَ شَعري: كذا لهم بالرَّاء المُهملة، وهو مثل: تَمَرَّطَ، وتَمَعَّطَ، أي: انْتَتَفَ وسَقَطَ. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 377).
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
مُتَمَرِّقُ الشَّعْر وَهُوَ مثل الْمُتَمَرِّط، وهو الذي انتثر شَعْرُه. غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 354).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قولها: «جَاءتِ امْرَأة إلى النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلم- فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ لي ابنةً ‌عُرِيِّسًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«جاءتِ امرأة» لَمْ أرَ أحدًا مِن الشُّراح ذَكَر اسم هذه المرأة، ولا اسم ابنتها، «إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت» له: «يا رسول الله، إن لي ‌ابنة ‌عُرَيِّسًا». الكوكب الوهاج (21/ 492).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قولها: «إنَّ لي ابنة عُرَيِّسًا» فبضم العين وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة تصغير عَرُوس، والعَرُوس يقع على المرأة والرجل عند الدخول بها. شرح صحيح مسلم (14/ 103).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إنَّ لِي ‌ابنة ‌عُرَيِّسًا»...المراد هنا: أنَّها عُقِد عليها، وَلَمَّا تُدْخَل، وفي الرواية الثانية: «فقالت: إنِّي زوَّجت ابنتي» أي: عُقد قِرانها، وفي الرواية الثالثة: «أنَّ جارية مِن الأنصار تزوَّجَت» أي: عُقِد عليها. فتح المنعم (8/ 412).

قولها: «أصابتْها حَصْبة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أصابَتْهَا» أي: أَخَذَتْها، وَطَلَعَتْ بِها «حَصْبَةٌ»...، وَوَقَعَ في رواية فاطمة بنت المنذر عند الطبراني: «فأصابَتْها الحَصْبة أو الجُدَرِي». الكوكب الوهاج (21/ 492).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«الحَصْبة» بفتح الحاء، وسكون الصاد: مرض معروف يُشبه الجُدَرِي. المفهم (5/ 443).
وقال النووي -رحمه الله-:
«الحَصْبَةُ» بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، ويقال -أيضًا- بفتح الصاد وكسرها، ثلاث لغات حكاهن جماعة، والإسكان أشهر، وهي بَثْرٌ تخرج في الجلد، تقول منه: حَصِبَ جِلْدُه -بكسر الصاد- يَحْصَب. شرح صحيح مسلم (14/ 103).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أصَابَتْهَا حَصْبَةٌ»...، وهي بَثَرات حُمْر تَخرج في الجِلد، متفرِّقة، وهي نوع من الجُدَرِي، وفي رواية: «أصابها» بالتذكير، على إرادة: حَبِّ الحَصْبَة، وفي الرواية الثالثة: «وأنَّها مَرِضَت» وفي الرواية الرابعة: «فاشْتَكَت». فتح المنعم (8/ 412).

قولها: «فَتَمَرَّقَ شَعْرُها»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فتَمَرَّقَ شَعْرُها» أي: شَعر رأسها، كما في الرواية الثانية. فتح المنعم (8/ 412).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي رواية: «فَتَمَرَّق شعر رأسها، وزوجُها يستحسنها، أَفَأَصِلُ شَعرها يا رسول الله؟ فنهاها»، وفي رواية: «أنَّها مرضت فَتَمَرَّط شَعرها»، وفي رواية: «فاشتكت فتساقط شَعْرها، وأنَّ زوجها يريدها»، أمَّا تَمَرَّقَ: فبالراء المهملة، وهو: بمعنى تَسَاقَطَ وتَمَرَّط، كما ذُكِر في باقي الروايات، ولم يذكر القاضي في الشرح إلَّا الراء المهملة، كما ذَكَرْنا، وحكاه في المشارق عن جمهور الرواة، ثم حكى عن جماعة مِن رواة صحيح مسلم أنَّه بالزاي المعجمة، قال: وهذا وإن كان قريبًا مِن معنى الأوَّل، ولكنَّه لا يُستعمل في الشَّعر في حال المرض. شرح صحيح مسلم (14/ 103).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قولها: «تَمَرَّق شعرها» أي: انْتَتَفَ، وفي رواية أخرى: «تَمَرَّط» وكلاهما بمعنى واحد، يقال: مَرَقَ الصُّوف عن الإهاب، يَمْرُق مَرْقًا، وتَمَرَّق، وامَّرَقَ، ويقال: مَرَطَ شَعره يَمْرُطُهُ مَرْطًا: إذا نَتَفَهُ، والمُرَاطَة: ما سَقَطَ مِنْه، وتَمَرَّطَ شَعره يَتَمَرَّط تَمَرُّطًا: إذا تساقط. المفهم (5/442، 443).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في الرواية الأخرى: «تمرَّط» بالطاء، أي: انتَتَفَ، وهو التَّمَرط أيضًا، وقد جاء في الرواية الأخرى: مفسَّرًا: «فَتَساقَطَ شعرها». إكمال المعلم (6/ 651).

قولها: «أَفَأَصِلُهُ؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وَصْل الشعر: هو أن يُضاف إليه شعرٌ آخر يكثر به. المفهم (5/ 443).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أَفَأَصِله؟» الاستفهام حقيقي، والفاء عاطفة على محذوف، أي: أَيَحِلُّ وَصْل الشعر فأَصِلُه؟ وفي الرواية الثانية: «أَفَأَصِل؟»، وفي الرواية الثالثة: «فأرادوا أنْ يَصِلوه، فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك» أي: أرادت أمُّها وقريباتها وصديقاتها أنْ يَصِلُوه، والسائلة: أمُّها، ونَسَبَ السؤال لجماعتهن «فسألوا» على أساس أنْ الرَّاضي شريك في الفعل، كقوله تعالى: {فَعَقَرُوْا النَّاقَةَ} الأعراف: 77. فتح المنعم. (8/ 412).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أ» يجوز لي أنْ أَصِل شَعرها بشَعرٍ آخر «فَأَصِلُه» به، فالهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف. الكوكب الوهاج (21/ 493).

قولها: «فقال: لعن اللهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال» -صلى الله عليه وسلم-: «لَعَنَ الله» أي: أَبْعَدَها. البحر المحيط الثجاج (35/ 211).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لَعَن الله الواصلة والمُستوصلة» الجملة خبرية لفظًا ومعنى، وهو صريح في حكاية ذلك عن الله تعالى، وتُحْمَل عليه الروايات الأخرى، ويُستَغنى بذلك عن استنباط ابن مسعود في الرواية السادسة (يقصد: تأويل قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7)، أو خبرية لَفَظًا دُعائية معنى، والأَوَّل أَوْلى.
والّلعن: الطَّرد مِن رحمة الله، أو الإبعاد مِن الخير، أو العذاب. فتح المنعم (8/ 413).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لا يجوز لَعْن المُعيَّن ولو كان كافرًا، أمَّا غير المُعيَّن بأن يَلْعَن الإنسانُ مَن اتَّصَف بهذه الصفة، فهذا لا بأس به، فقد ثَبَتَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنَّه لعن الواصلة والمستوصلة». شرح رياض الصالحين (6/ 205).

قوله: «الواصِلة والمُستوصِلَة»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«الواصِلة» هي التي تَفْعل ذلك، «والمُستوصلة» هي: التي تَستَدعِي مَن يَفعل ذلك بها. المفهم (5/ 443).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
أما الواصِلة فإنَّها تَغُرُّ بِما تَفْعل، فَكأنَّها شاهد الزُّور، فَلَعَن التي تَغُرُّ والتي وَصَلت لها؛ لأنها أعانت على ذلك. الإفصاح (4/123، 124).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما الواصلة: فهي التي تَصِلُ شَعر المرأة بشَعرٍ آخر، والمُستوصِلة: التي تطلب مَن يَفْعل بها ذلك، ويُقال لها: مَوْصُولة. شرح صحيح مسلم (14/ 103).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المراد مِن الواصلة هنا: التي تَصِلُ شعر الرأس، سواء كان لنفسها أو لغيرها، والْمُسْتَوصلة: التي تَطلب فعل ذلك لنفسها، ويُفعل بها، فالسين والتاء للطلب، وفي رواية النسائي: «والمُوتَصِلَة»، وفي رواية: «والموصولة»، وفي الرواية السابعة: «زَجَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ تَصل المرأة برأسها -أي: بشعر رأسها- شيئًا». فتح المنعم (8/ 413).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الواصِلة: هي التي تَصِل الشَّعر، والمستوصِلة: هي التي تَطلب مَن يَصِلُه، يعني: بأنَّ المرأة يكون رأسها قصيرًا وشعرها قليلًا؛ فتضيف إلى رأسها شيئًا مِن الشَّعر؛ لأجل أنْ يكون طويلًا عندما يراه الناس، وكثيفًا، فَلَعَن النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن فَعَل ذلك. شرح رياض الصالحين (6/ 205).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والمستوصلة»...، وهي تَعُمّ الرجل والمرأة، فالتاء إمَّا باعتبار النَّفْس، أو لأنَّ الأكثر أنَّ المرأة هي الآمرة أو الراضية. الكوكب الوهاج (21/ 493).
قولها: في الرواية الأخرى: «أنَّ جارية مِن الأنصار تَزوَّجَت، وأنَّها ‌مَرِضَت ‌فَتَمَعَّطَ ‌شَعْرُها، فأرادوا أنْ يَصِلُوها، فَسَألوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: لَعَنَ الله الواصلة والمستوصلة»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
تَمزَّق: مِن المُزوق، وهو خُروج الشَّعر مِن أصله، وتَمعَّط قريبٌ منه، وأصلُ المَعْطِ: المَدّ، كأنه مدَّ شَعرها بالنَّتْف ونحوه، ويُقال: ذِئبٌ أَمْعَط، إذا سَقَط شَعره، فبقي أجرد، ومثله: تمرَّط الشَّعر، إذا تمرَّد الجلد وتجرَّد مما عليه مِن الشَّعر، وإنَّما نَهَى عن ذلك؛ لمِا فيه مِن الغِشِّ والخِداع، ولو رخَّص في ذلك لاتُّخِذ وسيلة إلى أنواع مِن الغش والفساد، وإنَّما عَظُمَ الوعيد في هذا باللعن، وفي النَّامصة والواشرة والواشمة ونحوها، قيل مِن جهة أنَّ هذه الأمور تغيير لِلْخِلقة، وتَعاطٍ لإلحاق الصَّنْعة مِن الآدمي بالخِلقة مِن الله -عز وجل-، وحُكم الجُزء في ذلك حُكم الكُل...، وكذلك هو في كل مصنوع يُشبَّه بمطبوع، وهو بابٌ من الفساد عظيم. أعلام الحديث (3/2162، 2163).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«تمعَّطَ» بمعنى تناثر. كشف المشكل (4/ 371).
وقال الكرماني: -رحمه الله-:
«تمعَّط» بالمهملتين، أي: تساقط شعرها من داء ونحوه. الكواكب الدراري (21/ 128).

قوله في لفظ: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لَعَنَ الله الواصلة...»:
قال الكماخي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌لعن ‌الواصلة...» يُحتمل أنَّه يكون خبرًا فيكون حكاية مِن الله تعالى، ويُحتمل أنَّه دُعاء منه -صلى الله عليه وسلم-، لا ينبغي لشأنه الشريف أن يدعو بالشيء مِن فِعْل ذلك مِن أمَّته، ولأنَّه تعالى أَمَرَه بأنه قال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف: 199؛ ولأنَّه كان رحمة للعالمين، وأنَّه تعالى أثنى عليه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: 4. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (4/ 252).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لَعَنَ النبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: دعا عليها باللعن، وليس هذا بمعنى السَّب -فيما يظهر-، بل معناه دعا عليها بلعنة الله. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 566).
وقال المازري -رحمه الله-:
‌
وصْل ‌الشعر عندنا (المالكية) ممنوع؛ للحديث، قال القاضي عبد الوهاب: والمعنى فيه: أنَّ فيه غَررًا وتدليسًا. المعلم (3/ 139).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اخْتَلَف العلماء في معنى نهيه -عليه السلام- عن ذلك، فقال بعضهم: لا بأس في وصْلها شَعْرها بما وَصَلَته مِن صُوفٍ أو خِرَق ما لم يكن شَعْرًا، والنهي إنَّما يختص بالصِّلة بالشَّعر، وهو قول الليث بن سعد.
وقال آخرون: الوصل بكل شيء ممنوع؛ لعموم الخبر، وهو قول مالك وجماعة من العلماء واختيار الطبري.
وأباح آخرون وَضْع الشَّعر على الرأس، قالوا: وإنَّما يُنهى عن الوصل، وهو قول إبراهيم.
وقال آخرون: كل ذلك جائز، ورُوي عن عائشة نحوه، وتأوَّلَت أن الحديث على غير وصْل الشعر، ولا يصح عنها، والصحيح عنها مثل قول الجمهور.
فأمَّا ربط خيوط الحرير الملوَّنة وشبهها مما لا يشبه الشَّعر، فليس من الوصل، ولا هو مَقْصَده وإنَّما هو للتجميل والتحسين، كما يُشدّ منه في الأوساط، ويُربط من الحُلِيِّ في الأعناق، ويُجعل في الأيدي والأرجل. إكمال المعلم (6/652، 653).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا الحديث نصٌّ في تحريم وصْل الشَّعر بالشَّعر، وبه قال مالك، وجماعة العلماء، ومَنَعُوا الوصْل بكلِّ شيء مِن الصُّوف والخِرَق وغيرها؛ لأنَّ ذلك كله في معنى وصْلِه بالشَّعر؛ ولعموم نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنْ تَصِل المرأة شعْرها.
وقد شذَّ الليث بن سعد فأجاز وصْله بالصُّوف والخِرَق، وما ليس بشَعر، وهو محجوج بما تقدَّم، وأباح آخرون وضْع الشَّعر على الرأس، وقالوا: إنَّما نَهى عَن الوصْل خاصَّة، وهذه ظاهريَّة مَحْضَة، وإعراض عن المعنى.
وقد شذَّ قوم فأجازوا الوصل مطلقًا، وتأوَّلوا الحديث على غير وصْل الشَّعر، وهو قول باطل، وقد رُوي عن عائشة، ولم يَصح عنها، ولا يَدخل في هذا النهي ما رُبط مِن الشَّعر بخيوط الحرير الملوَّنة، وما لا يشبه الشَّعر، ولا يُكثِّره، وإنَّما يفعل ذلك للتجمل والزينة. المفهم (5/ 443).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذه الأحاديث صريحة في تحريم الوصْل ولعْن الواصلة والمستوصلة مُطْلَقًا، وهذا هو الظاهر المختار، وقَد فَصَّله أصحابنا (الشافعية) فقالوا: إنْ وَصَلَت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف، سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء شَعْر المَحْرَم والزوج وغيرهما، بلا خلاف؛ لعموم الأحاديث؛ ولأنه يَحرُم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه؛ لكرامته، بل يُدفن شَعْره وظُفْره وسائر أجزائه.
وإنْ وَصَلته بشَعر غير آدمي فإنْ كان شَعرًا نَجِسًا، وهو شَعر الميتة، وشَعر ما لا يؤكل إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضًا؛ للحديث، ولأنَّه حَمَل نجاسة في صلاته وغيرها عمدًا، وسواء في هذين النوعين المُزوَّجة وغيرها مِن النساء والرجال، وأمَّا الشَّعر الطاهر مِن غير الآدمي فإنْ لم يكن لها زوجٌ ولا سيِّدٌ فهو حرام أيضًا، وإن كان فثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز؛ لظاهر الأحاديث.
والثاني: لا يَحرُم.
وأصحها عندهم: إنْ فَعَلَتْه بإذن الزوج أو السيد جاز، وإلَّا فهو حرام. شرح صحيح مسلم (14/103، 104).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذا الحديث حُجة للجمهور في منع وَصْلِ الشَّعر بشيء آخر سواء كان شعرًا أم لا، ويؤيده حديث جابر: «زجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تصل المرأة بشعرها شيئًا» أخرجه مسلم. وذهب الليث ‌ونقله ‌أبو ‌عبيدة ‌عن ‌كثير ‌من ‌الفقهاء أن الممتنع من ذلك: وصلُ الشعر بالشَّعر، وأما إذا وَصَلَت شَعرها بغير الشعر مِن خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي، وأخرج أبو داود بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: "لا بأس بالقَرَامِل"، وبه قال أحمد، والقَرَامل: جمع قَرْمل بفتح القاف وسكون الراء نبات طويل الفروع ليِّن، والمراد به هنا: خيوطٌ من حرير أو صوف يُعمل ضفائر تَصِلُ به المرأة شعرها، وفصَّل بعضهم بين ما إذا كان ظاهرًا، فمَنع الأول قوم فقط؛ لما فيه من التدليس وهو قوي، ومنهم من أجاز الوصل مطلقًا سواء كان بشعر آخر أو بغير شعر إذا كان بِعِلْمِ الزوج وبإذنه، وأحاديث الباب حُجة عليه. فتح الباري (10/٣٧٥).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تفصيل هذا الحكم على أقوال:
الأول: أنّه يحرم الوصل مطلقًا، سواء كان بشَعر آدمي أو شعر غير آدمي، وسواء كان بخرقة أو صوف، وهذا القول جعله النووي الظاهر المختار، وهو الذي ذكره الحافظ في الفتح كمذهب الجمهور.
والثاني: الوصل بشَعْرِ الآدمي حرام؛ لحُرمته وكرامته، وكذلك الوصل بشَعْرٍ نجس من غير الآدمي، وأما الشَّعْرُ الطاهر من غير الآدمي فيجوز الوصل به بإذن الزوج أو السيد، وهو قول لبعض الشافعية كما حكى عنهم النووي.
الثالث: الوصل بالشعر ممنوع مطلقًا؛ لما فيه من التزوير سواء كان بشعر الآدمي أو بشعر حيوان آخر، ولكن لا بأس بوصله بصوفٍ أو خِرق أو غيرها، وهو قول الليث بن سعد.
والرابع: الوصل بغير الشعر إنما يحل إذا لم يَلْتَبِس بالشعر؛ بحيث لا يَظن الناظرُ أنه مِن الشعر أما إذا وقع به الالتباس فلا، وهو الذي قواه الحافظ في الفتح (10/ 375)، والذي يظهر من كتب الحنفية أن الراجح عندهم القول الثاني؛ وهو تخصيص الحرمة بشعر الآدمي. اهـ من التكملة. الكوكب الوهاج (21/ 494).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فإذا كان هذا لضرورة فلا يحل فكيف به من غير ضرورة؟! الاستذكار (8/ 431).
وقال الشيخ ابن بار -رحمه الله- مجيبًا عمَّن سأل:
هناك امرأةٌ مُصابة بمرض الصَّلَع حيث لا يوجد على رأسها شَعر بالكلية، فهل يجوز لمثل هذه المرأة أنْ تستخدم شَعرًا مُستعارًا، أي: ما يُسمَّى بالباروْكَة؟
‌‌الجواب: الذي يظهر أنَّه لا يجوز؛ لأن هذا فيه تشبُّه بأهل الكتاب، كما خطب معاوية -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّما هَلَكَ مَن كان قبلكم باتخاذ نِسائهم مثل هذا، وأشار على قُبَّة مِن شَعر يلبسها نساؤهم» مِن جنس الباروكة، فلا يجوز وصْل الشعر، ولا ‌لبس ‌الباروكة، ونسأل الله العافية. دروس للشيخ عبد العزيز بن باز (17/ 24).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لبس ‌الباروكة على نوعين:
أولًا: أنْ يُقصد به التَّجَمّل بحيث يكون للمرأة شَعر وافر ويحصل به المقصود، وليس فيه عيب على المرأة، فَلبْسها لا يجوز؛ لأنَّ ذلك نوع مِن الوصْل، وقد «لعن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- الواصلة والمستوصلة».
والحالة الثانية: أنْ لا يكون لها شعر إطلاقًا، وتكون مَعيبةً بين النساء، ولا يمكنها أن تُخفي هذا العيب ولا يمكن إخفاؤه إلَّا بلبس الباروكة، نرجو ألَّا يكون بلبسها حينئذ بأس؛ لأنَّها ليست للتَّجمل، وإنَّما لِدَفع العيب، والاحتياط ألّا تَلْبَسها، وتُخْتَمِر بما يُغطِّي رأسها؛ حتى لا يظهر عيبُها، والله أعلم. فتاوى نور على الدرب (22/ 2).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث: أن الوصل والوشم مِن كبائر الذنوب، مِن أين يُؤخذ؟ مِن لَعْنِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، واللعنُ لا يكون إلا على كبيرة من الكبائر.
ويستفاد منه: أنَّ مَن حاول أنْ يُجمِّل نفسه بخلاف خلق الله، فإنَّه داخل فيمن غيَّر خلق الله، وهو مِن أوامر الشيطان. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 567).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
يُستثنَى مِن ذلك: الخيوط الصغيرة التي يُربط بها أطراف الشَّعر، وهُنَّ يُسمَّيْنَه بالقَرَامل؛ لئلا ينتقض الشَّعر. توفيق الرب المنعم (6/ 228).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان تحريم وصل الشَّعر بالشَّعر، سواء كان لمعذورة، أو عروس، أو غيرهما.
ومنها: أن الوصل من كبائر المعاصي؛ لِلَعن فاعله، والمفعول به، واللعن لا يكون إلا على الكبائر.
ومنها: أن المُعِيْن على الحرام يُشارك فاعلَه في الإثم، كما أن المعاوِن في الطاعة يشارك في ثوابها.
ومنها: أنه يدل على تحريم الغش، وأنوع الخداع، والتدليس.
ومنها: أن فيه جواز إبقاء الشَّعر، وعدم وجوب دفنه.
ومنها: ما قيل: إنَّ فيه طهارة شَعر الآدمي؛ لعدم الاستفصال، وإيقاع المَنْع على فِعل الوصْل، لا على كون الشَّعر نجسًا، قال في الفتح: وفيه نظر. البحر المحيط الثجاج (35/ 212).

ولمزيدٍ من الفائدة، يُنظر حديث: «أيّما امرأةٍ زادت في رأسها شعرًا ليس منه فإنّه زور»؛ إذ يدلّ على أن الوصل من التزوير المنهيّ عنه.


إبلاغ عن خطأ