«كُنَّا نَعْزِل، والقرآن يَنْزِل» زاد إسحاق: قال سفيان: «لو كان شيئًا يُنْهى عنه لَنَهانا عنه القُرآن».
رواه البخاري برقم: (5208)، ومسلم برقم: (1440) والزيادة له، مِن حديث جابر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (1440) «كُنَّا نَعْزِل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبلغ ذلك نبيَّ الله -صلى الله عليه وسلم-، فلَم يَنْهَنَا».
غريب الحديث
«العَزْل»:
عَزل الماء عن النساء حذر الحمل؛ قال الأزهري: العَزل عزل الرَّجل الماء عن جاريته إذا جامعها لئلا تحمل. لسان العرب، لابن منظور(11/ 441)
«العُزْبَةُ»:
العُزَّابُ: الذين لا أزواج لهم من الرِّجال والنساء. قال الكسائي: العَزَب: الذي لا أهل له، والعَزَبَة: التي لا زوج لها. الصحاح، للجوهري (1/ 180).
قال ابن القوطية -رحمه الله-:
عَزَبَ الرَّجلُ عُزْبةً وعُزُوبةً: لم يكن له أهلٌ. الأفعال (ص188).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «كُنَّا نَعْزِل»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وَقَع في رواية الكشميهني: «كان يُعْزَل» بضم أوَّله وفتح الزَّاي، على البناء للمجهول. فتح الباري (9/ 305).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«كُنَّا» معشرَ الصحابة «نَعْزِل» عن النِّساء بأنْ نُجامعهن، فإذا أردنا أنْ نُنْزِل أَنْزَلْنَا خارج فروج النساء المُجامَعات؛ لغرضٍ من الأغراض. كشف اللثام (5/ 596).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
العَزْل: عَزْل الماء عن الفرْج بالإنزال خارجًا منه عند الجماع. كشف المشكل (3/ 16).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
سبب العزل، شيئان: أحدهما: كراهة مجيء الولد مِن الأَمَةِ، وهو إمَّا أَنَفَة من ذلك، وإمَّا لئلا يتعذر بيع الأَمَة إذا صارت أمَّ وَلَدٍ، وإمَّا لغير ذلك...، والثاني: كراهة أنْ تَحْمِل الموطوءة وهي تُرضِع؛ فيضر ذلك بالولد المُرضَع. فتح الباري (9/ 307).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
اختلفوا في عِلة النَّهي عن العَزْل: فقيل: لتفويت حق المرأة، وقيل: لمعاندة القَدَر، وهذا الثاني هو الذي يقتضيه مُعظم الأخبار الواردة في ذلك، والأوَّل مبني على صحة الخبر المُفرِّق بين الحُرَّة والأَمَة، وقال إمام الحرمين: موضع المَنْع أنَّه ينزِع بقصد الإنزال خارج الفرْج خشية العُلوق، ومتى فقد ذلك لم يُمنع، وكأنَّه راعى سبب المنع، فإذا فُقِد بقي أصل الإباحة، فله أن يَنْزِع متى شاء، حتَّى لو نَزَع فأنزل خارج الفرج اتفاقًا لم يتعلَّق به النهي -والله أعلم-. فتح الباري (9/ 310).
قوله: «والقرآن يَنْزِل»، وفي الرواية الأخرى: «على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
قال السفاريني -رحمه الله-:
«والقرآن» العظيم «ينزل» مِن الرَّبِّ العليم إلى النبيِّ الكريم، والجملة حالية. كشف اللثام (5/ 596).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قد أوضح قولَه: «والقرآن ينزل» بقوله في رواية مسلم: «لو كان شيئًا يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن» والظاهر: أن معناه: أنَّ الله تعالى كان يطلع نبيَّه -عليه الصلاة والسلام- على فعلنا، وينزل في كتابه المنع من ذلك، كما وقع ذلك في قضايا كثيرة. طرح التثريب (7/ 62).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
الذي عليه جمهور العلماء مِن المحدِّثين والأصوليين أنَّ قول الصحابي: كنَّا نفعل كذا، مع إضافته إلى عصر الرسول، مرفوعٌ حُكْمًا.
وخَالفَ في ذلك فريق، منهم: أبو بكر الإسماعيلي فقالوا: إنَّه موقوفٌ؛ لاحتمال عدم اطِّلاعه -عليه الصلاة والسلام- على ذلك، لكن هذا الاحتمال مدفوع هنا؛ لما قدَّمناه من صحيح مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر: «فبلغ ذلك نبيَّ الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يَنْهَنَا» فَثَبَتَ بذلك اطِّلاعه وتَقرِيرُه، وهو حُجَّة بالإجماع. طرح التثريب (7/59، 60).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول: أنَّ الصحابي إذا قال: فَعَلْنا كذا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان حكمه الرفع؛ لأنَّ الظاهرَ اطِّلاعه -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وتقريرهم عليه مع توفّر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام. فتح الباري (4/201، 202).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«على عهد النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-» أي: فَدَلَ على الجواز، وإلَّا لنزل الوحي بالنهي عنه. اللامع الصبيح (13/ 327).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والقرآن ينزل» جملة حالية، يعني: ولم يَمْنَعْنا، والله تعالى عالم بأحوالنا، فيكون الصواب: (أنه) كالتقرير لأفعالنا. مرقاة المفاتيح (5/ 2090).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «والقرآن ينزل» فيه: جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حُكْم من الأحكام؛ لأنَّه لو كان ذلك الشيء حرامًا لم يُقَرُّوا عليه، ولكن بشرط أنْ يَعْلَمَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم-. نيل الأوطار (12/ 301).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والقرآن» جملة حالية، أي: والحال أنَّ القرآن «ينزل» بتفاصيل الأحكام ولم يمنعنا، والله تعالى أعلم بأحوالنا وأفعالنا فيكون كالتقرير لأفعالنا. الكوكب الوهاج (16/ 32).
قوله: «زاد إسحاق: قال سفيان: لو كان شيئًا يُنْهى عنه لَنَهانا عنه القرآن»، وفي الرواية الأخرى: «فَبَلَغَ ذلك نبيَّ الله -صلى الله عليه وسلم-، فلَم يَنْهَنَا».
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«قال سفيان: لو كان شيئًا يُنهى عنه لَنَهَانَا عنه القرآن»، فهذا ظاهر في أنَّ سفيان قاله استنباطًا، وَأَوْهَمَ كلام صاحب العمدة ومَنْ تَبِعَهُ أنَّ هذه الزيادة مِن نفس الحديث؛ فَأَدْرَجَهَا، وليس الأمر كذلك، فإنِّي تَتَبَّعتُه من المسانيد فوجدت أكثر رواته عن سفيان لا يذكرون هذه الزيادة.
وَشَرَحَهُ ابن دقيق العيد على ما وَقَعَ في العمدة فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسول لكنَّه مشروط بِعِلمه بذلك، انتهى.
ويكفي في علمه به قول الصحابي: إنَّه فَعَلَه في عهده، والمسألة مشهورة في الأصول وفي علم الحديث، وهي أنَّ الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأنَّ الظاهر أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- اطَّلع على ذلك، وأَقَرَّه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم، وهذا من الأول، فإنَّ جابرًا صرَّح بوقوعه في عهده -صلى الله عليه وسلم- وَقَد وَرَدَت عدة طرق تصرِّح باطِّلاعه على ذلك، والذي يَظهر لي أنَّ الذي استنبط ذلك سواء كان جابرًا أو سفيان أراد بنزول القرآن: ما يُقرأ، أَعَمّ مِن المُتَعبَّد بتلاوته، أو غيره مما يُوحى إلى النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فكأنَّه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لَم نُقرّ عليه، وإلى ذلك يشير قول ابن عمر: «كنا نَتَّقِي الكلام والانبساط إلى نسائنا؛ هيبة أنْ ينزل فينا شيء على عَهْد النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فلمَّا مات النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلَّمنا وانبسطنا» أخرجه البخاري. فتح الباري (9/305، 306).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
واستدل جابر -رضي الله عنه- بالتقرير من الله تعالى على الجواز.
قال الشيخ تقي الدين (ابن دقيق العيد): وهو استدلال غريب، وكانَ يُحتمَل أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكنَّه مشروط بِعِلمِه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلَّا الاستدلال بتقرير الله تعالى.
قلت: الرواية الأولى: «وهي: كُنَّا نعزل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَبَلَغ ذلك نبيَّ الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يَنْهَنَا» التي نقلناها عن مسلم دالة على أنَّه -عليه الصلاة والسلام- اِطَّلَع عليه، وقرَّرَه. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (8/499، 500).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل هناك دليل في عَمَل الصحابة على استدلالهم بإقرار الله تعالى بالشيء؟ نعم، ودليلُه: حديث جابر: «كُنَّا نَعزِل والقرآن ينزل ولو كان شيئًا لأنكره الله»، وهل فيه دليل من القرآن على أنه لو كان مُنْكَرًا لأنكره الله؟ قوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} النساء: 108. فتح ذي الجلال (1/ 152).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-أيضًا:
... قوله: «لَنَهانا عنه القرآن» أضاف النهي إلى القرآن، مع أن القرآن كلام ليس ذاتًا تَتَكَلَّم، بل هو صفة، فيُقال: نعم، يصح إضافة الفعل إلى القرآن، كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} النمل: 76، مع أنَّ الذي يقص هو الله -عز وجل- بواسطة القرآن، وفي رواية لمسلم: «فبلغ ذلك النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فلم ينهانا عنه» هذه الرواية تُفِيد أنَّ الحديث مرفوع صريحًا؛ لأنه بَلَغَ النَّبيَّ -صلّى الله عليه وسلم- وأَقَرَّهُ. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 578).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«زاد إسحاق» بن إبراهيم، على أبي بكر لفظة: «قال سفيان» بن عيينة استنباطًا، أو قال سفيان بسنده، قال جابر: «لو كان» العَزْل «شيئًا يُنهى عنه» شرعًا «لنَهَانَا عنه» أي: عن العزل «القرآن» لكن ليس كلُّ المناهي يَنهى القرآن. الكوكب الوهاج (16/ 32).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
(الحديث) حُجَّة واضحة على إباحة العَزْل مطلقًا، ولكن مَحْمَلُه على ما إذا لم يعارضه حقُّ الزوجة. المفهم (4/ 170).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلفوا هل للمرأة في ذلك حق؟ فرآه مالك والشافعي وأصحابهما حقًا لها إذا كانت حرة، فلا يعزل عنها إلا بإذنها، وكأنَّهم رَأَوا الإنزال من تمام لذَّتها وحقها في الولد، ولم يريا ذلك لازمًا في الأَمَة، قال مالك: إلَّا أن تكون زوجةً فلا يَعزِل عنها إلا بإذن أهلها؛ وهذا لمراعاة حَقّ الوَلَد.
قال بعض متأخري شيوخنا: ورأى أيضًا إذنها في ذلك؛ لِحَقِّ عقد الزوجية، بخلاف وطئها بالمِلك. إكمال المعلم (4/616ـ 617).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
هو (العزل) جائز، إلَّا أنَّه إن كانت الموطوءة حُرَّة لم يجز العزل إلا بإذنها، وإن كانت أمة لم يجز إلا بإذن سيدها. كشف المشكل (3/ 16).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وهذا الحديث دالٌّ على جوازه (العَزْل) مطلقًا، وما عارَضَه مَحمول على كراهة التنزيه، والأحاديث الواردة بالإِذْن دالة على عدم التحريم لا على نفي الكراهة. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (8/ 499).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اِخْتلف العلماء في هذه المسألة، فقال أصحابنا الشافعية: إن النساء أقسام:
أحدهما: الزوجة الحُرَّة، وفيها طريقان: أظهرهما: أنَّها إنْ رضِيَت جاز، وإلَّا فوجهان: أصحهما عند الغزالي والرافعي والنووي: الجواز، والطريق الثاني: أنَّها إن لم تأذن لم يجز، وإن أذِنَت فوجهان.
الثاني: الزوجة الأَمَة، وهي مُرَتَّبَة على الحُرَّة، إنْ جوَّزناه فيها ففي الأَمَة أولى، وإلَّا فوجهان: أصحّهما: الجواز؛ تحرُّزًا عن رِقِّ الوَلَد.
الثالث: الأَمَة المملوكة، يجوز العَزْل عنها، قال الغزالي والرافعي والنووي: بلا خلاف، لكن حَكَى الروياني في البحر وجهًا أنَّه لا يجوز؛ لِحَقِّ الوَلَد.
الرابع: المُستولَدَة، قال الرَّافعي: رتَّبَها مُرَتِّبون على المنكوحة الرقيقة وأولى بالمنع؛ لأنَّ الولد حُرٌّ، وآخرون على الحُرَّة والمستولدة أولى بالجواز؛ لأنها ليست راسخة في الفِراش؛ ولهذا لا تستحق القَسْم، قال الرافعي: وهذا أظهر، هذا تفصيل مذهبنا، وحاصله: الفتوى بالجواز مطلقًا ولو تَغيَّر إذْنُها.
وقال المالكية: لا يعزل عن الحُرَّة إلَّا بإذنها، ولا عن الزوجة الأَمَة إلا بإذن سيِّدها، بخلاف السَّراري، هذه عبارة ابن الحاجب في مختصره.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها؛ لأنَّ الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عَزْل، وفي دعوى نفي الخلاف نَظَر، لِمَا قد عرفْته من مذهبنا، وقال في الأَمَة المملوكة: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أنَّه يجوز العزل عنها بغير إذنها، وفي إطلاقه نَظَر؛ لِمَا عرفْته في مذهبنا.
وقال الحنفية: يجوز العزل عن مملوكته بغير إذنها، ولا يجوز عن زوجته الحُرَّة إلا بإذنها، وإنْ كانت أَمَةً لم يُبَحْ إلا بإذن سيِّدها، نُصَّ عليه.
وقيل: بل بإذنهما.
وقيل: لا يباح العزل بحال.
وقيل: يباح بكل حال.
وقال ابن حزم الظاهري: لا يحل العَزْل عن حُرَّة ولا أمة مطلقًا، واستدل بما في صحيح مسلم من حديث جدامة بنت وهب أخت عكاشة في حديث قالت فيه: وسألوه عن العَزْل فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ذلك الوأد الخفي» وهي: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} التكوير: 8.
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في العزل عن الجارية: فرَخَّص فيه جماعة من الصحابة؛ منهم علي وسعد بن أبي وقاص وأيوب وزيد بن ثابت وابن عباس وجابر والحسن بن علي وخباب بن الأرت وابن المسيب وطاوس.
ورَوَينا عن أبي بكر الصديق وعمر وعلي -رواية ثانية- وابن مسعود وابن عمر أنهم كرهوا ذلك، ونَقَل ابن حزم عن أبي أمامة الباهلي أنَّه سُئل عن العزل فقال: ما كنت أرى مسلمًا يفعله.
وعن عمر وعثمان أنهما كانا ينكران العزل، قال: وصَحَّ أيضًا عن الأسود بن يزيد وطاوس. انتهى...، واستدل ابن حبان في صحيحه على تحريم العزل بحديث أبي ذر الذي أخرجه في صحيحه، وفيه في أثناء حديثٍ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فَضَعْه في حلاله، وجنِّبْه حرامه، وأَقْرِرْه، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء الله أماته، ولك أجْر» وأقوى ما استُدِل به لذلك: حديث جدامة المتقدم: «ذلك الوأد الخفي» ...، وَحَمَل والدِي -رحمه الله- أيضًا حديث جدامة على العَزْل عن الحامل؛ لزوال المعنى الذي كان يحذره من حصول الحَمْل، وفيه تضييع للحَمْل؛ لأنَّ المني يَغْذُوه؛ فَقَد يُؤدِّي إلى موته أو ضعفه؛ فيكون وأْدًا خفيًّا، وسأل والدي أيضًا الجمع بينهما بأوجه:
منها: أنَّ قولهم: أنَّها الموءودة الصغرى، يقتضي أنَّه وأْدٌ ظاهر، لكنَّه صغير بالنسبة إلى وأْد الولد بعد وضعه حيًا، بخلاف قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنه الوأْد الخفي» فإنه يدل على أنه ليس في حكم الظاهر أصلًا، فلا يُرَتَّب عليه حُكمُه، وهذا كقوله: «إنَّ الرياء هو الشرك الخفي» وإنَّما شبّه بالوأد مِن وَجْهٍ؛ لأن فيه قَطْع طريق الولادة، وذَكَر ابن عبد البر عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: إنَّها لا تكون موؤودة حتى يأتي عليها الحالات السبع؛ فقال له عمر: صدَقْت -أطال الله بقاءك-، وروى البيهقي في المعرفة نحوه عن ابن عباس، وقد يُشكِل على المشهور عند أصحابنا من إباحة العزل، ما أفتى به الشيخ عماد الدين بن يونس، والشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنَّه يَحرم على المرأة استعمال دواء ما يمنع من الحَبَل، قال ابن يونس ولو رضي به الزوج، وقد يقال: هذا سبب لامتناعه بعد وجود سببه، والعزل فيه ترك للسبب، فهو كترك الوطء مطلقًا -والله أعلم-...، محل الخلاف في العزل ما إذا كان يقصد التحرُّز عن الولد، قاله إمام الحرمين؛ فقال: حيث قلنا بالتحريم، فذلك إذا نَزَع على قصد أن يقع الماء خارجًا تحرُّزًا عن الوَلَد، قال: وأمَّا إذا عنَّ له (أي: عرض له) أنْ ينزع لا على هذا القصد، فيجب القَطْع بأنَّه لا يحرم. انتهى.
وقد يقال: مقتضى التعليل في الحُرَّة بأنَّه حقها، فلا بد من استئذانها فيه؛ لأن ذلك لا يَخْتص بحالة التَّحرّز عن الولد -والله أعلم-. طرح التثريب (7/60-62).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
إنَّما كرهه مَن كره العزل؛ لعدة محاذير، من حرمان الزوجة من كمال اللذة، ومشاركتها الزَّوج في التمتع بالحالة الجنسية، ولأنَّ فيه شِبْه معارضة للقَدَر، وسعيًا إلى رَدِّه بالتدبير حسب ظن العازل.
وأمَّا ما يفعله الأطباء في هذا الزمان من قطع بعض العروق لإبطال قوَّة التوليد، مع بقاء قوَّة الجِماع؛ لتحديد النسل، فلا شكَّ في تحريمه، فلا يقاس على العزل قطعًا، فإنَّ بينهما فرقًا كبيرًا؛ فالعزل سبب ظنِّيٌّ، وأمَّا قطع العرق فسببٌ قطعيٌّ لمنع الحمل، ولا يبقى للجاني خيار بعد ذلك في وجود الولد.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد النسل رقم (42) بتاريخ 13/ 4/ 1396 هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر، عام (1396 هـ)، بحث المجلس موضوع منع الحمل وتحديد النسل، وتنظيمه، بناءً على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان (1395 هـ)، من إدراج موضوعها في جداول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطَّلع المجلس على البحث المُعَد في ذلك من قِبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النَّظَر، قرَّر المجلس ما يلي:
- نظرًا: إلى أنَّ الشريعة الإسلامية تُرغِّب في انتشار النَّسل وتكثيره، وتَعتبر النَّسل نعمة كبرى، ومنَّة عظيمة، منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة، والمقدم لها، ونظرًا إلى أنَّ القول بتحديد النَّسل، أو منع الحمل مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئةٌ تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفةٍ عامَّة، وللأمة العربية المسلمة بصفةٍ خاصَّة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد، واستعباد أهلها، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللَّبِنات البشرية، وترابطها.
لذلك كلِّه: فإنَّ المجلس يقرر بأنَّه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرَّازَّقُ ذو القوَّة المتين؛ {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} هود: 6.
وأما إذا كان منع الحَمْل لضرورة محقَّقة، ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديَّةً، وتضطر معها إلى إجراء عمليةٍ جراحيةٍ لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترةٍ ما لمصلحةٍ يراها الزوجان، فإنَّه لا مانع حينئذٍ من منع الحمل أو تأخيره؛ عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة -رضوان الله عليهم- من جواز العزل، وتمشِّيًا مع ما صرَّح به الفقهاء من جواز شرب الدواء؛ لإلقاءِ النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحقَّقة.
وقد توقف فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء -وصلَّى الله على محمَّد-.
هيئة كبار العلماء. توضيح الأحكام (5/384، 385).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ويُنتَزَع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النُّطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع هناك ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يُلتحق به هذا، ويمكن أن يُفرّق بأنَّه أشد؛ لأنَّ العَزْل لم يَقَع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب، ويُلتحَق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الحَبَل من أصله، وقد أفتى بعض متأخري الشافعية بالمنع، وهو مُشكل على قولهم بإباحة العزل مطلقًا -والله أعلم-. فتح الباري (9/ 310).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في الحديث: دلالة لِمَا كانت الصحابة -رضوان الله عليهم- من التَّمسك بالكتاب في كلِّ شيء حتى في العزل عن النساء. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (8/ 500).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: دلالة على أنَّ الولد يكون مع العزل، وفي "التوضيح": ولهذا صحَّح أصحابنا أنَّه لو قال: وَطِئت وعَزَلْتُ: لَحِقَه الولد على الأصح. عمدة القاري (12/ 49).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائد الحديث: أن القرآن مُنَزَّل؛ لقوله: «والقرآن ينزل»، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أنَّه منزَّل غير مخلوق، والمعتزلة يقولون: إنَّه منزل مخلوق. فتح ذي الجلال والإكرام (4/578، 579).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
يدل (الحديث) على مسألة أصولية، وهي: أنَّ ما عمله الصحابة في زمن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّه سُنَّة، سواءٌ عَلِمنا أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَلِم به أو لم يعلم؛ لأنَّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يُقِرّ المسلمين على عَمَلٍ يريد -جلَّ وعلا- شرعه، إلَّا بيَّنه لهم.
وتدل هذه الجملة: («كنا نعزل والقرآن ينزل») على قاعدةٍ أُخرى، وهي أنَّ ما عُمِل زمن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وأقرَّ عليه، فلم ينْهَ عنه، فهو من الأمور المَعْفُو عنها.
ويدل الحديث: على أنَّ إرادة الله الكونية نافذة، فلا يردُّها عَمَلُ وقاية منها، ولا حذر، ومع هذا: فالإنسان مأمور بعمل الأسباب المفيدة النافعة، فإنَّ الله تعالى إذا أراد وقاية أحد من شيءٍ، جعل له سببًا واقيًا منه. توضيح الأحكام (5/ 381).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
حديث: «اعْزل عنها إنْ شِئت؛ فإنَّه سيأتيها ما قُدِّر لها»