الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«أربعةٌ تَجري عليهم أُجورُهم بعدَ الموتِ: مَن مات مُرابطًا في سبيلِ الله، ومَن علَّم عِلمًا أُجري له أجرُه ما عُمِل به، ومَن تصدَّق بصدقةٍ فأجرُها يَجري له ما جَرَت، ورجلٌ ترك ولدًا صالحًا فهو يَدعو له».


رواه أحمد برقم: (22247)، (22318)، والطبراني في الكبير برقم: (7831)، من حديث أبي أُمامة الباهِلِيِّ -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (877)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (114).


غريب الحديث


«مُرَابِطًا»:
أي: مُلازِمًا ثَغْرَ العدو بقصد الذَّبِّ عن المسلمين. فيض القدير، للمناوي (1/ 471).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والرِّبَاط: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها. النهاية (2/ 185).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أربعةٌ تجري عليهم أجورهم بعد الموت»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«أربعة» أي: أربعة أشخاص «تجري» بفتح أوَّله «عليهم أجورهم بعد الموت» أي: لا ينقطع ثواب أعمالهم بموتهم بل يستمر. فيض القدير (1/471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت»: أجور أعمالهم كما كانت تجري وهم يعملونها أحياء. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 273).

قوله: «تجري عليهم»:
أي: لا ينقطع ثواب أعمالهم بموتهم. التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي (1/ 140).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لا تَعَارض بين قوله هنا: «أربعة» وقوله في الحديث المتقدم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»؛ لأن أعمال الثلاثة متجدِّدة، وعمل المرابِط ينمو له، وفرْقٌ بين إيجاد المعدوم وتكثير الموجود. فيض القدير (1/471).

قوله: «مرابطٌ في سبيل الله»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
الـمُرابِطُ: مَن لَازَمَ محلًّا بين دارَيْ إسلام وكفر؛ لحراسة المسلمين، فمن مات على هذا الحال يُكتب له كل يوم بعد موته ثواب المرابط إلى يوم القيامة، أو إلى أن يأمن المسلمون من جهة العدو بأخذ بلاده، أو الصلح بينهم وبينه؛ وكان هذا الأجر العظيم للمرابط لأنه مهدَّد في كل لحظة بالقتل، ولا يصبر على هذا إلا قوي الإيمان. الدين الخالص (1/ 347).
قال المناوي -رحمه الله-:
«مرابطٌ في سبيل الله» أي: إنسان مات حال كونه مُلازِمًا ثغر العدو بقصد الذَّب عن المسلمين. فيض القدير (1/471).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«في سبيل الله» سبيل الله عام يقع في كل عمل خالص يُسْلَكُ به طريق التقرب إلى الله؛ بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أُطْلِقَ فهو واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه. النهاية (2/338).

قوله: «ورَجُلٌ علَّم عِلمًا فأجْرُه يجري عليه ما عُمِلَ به»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«عَلَّم» مشدد اللام: عَلَّم غيره. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 273).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«علَّم عِلمًا أُجْرِيَ له عمله ما عُمِل به» أي: وأيّ إنسان علَّم عِلْمًا وعَمِلَهُ غيره ثم مات فيجري عليه ثوابه مدَّة دوام العمل به من بعده. فيض القدير (1/471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«علَّم علمًا أُجري له عَمَلُه» أي: أجر عِلْمِهِ؛ لقرينة أجورهم «ما عُمِلَ به» أي: مدة ما عَمِلَ العاملون به بعده.
ويحتمل: أن يراد: مَن شأنُه أن ينتفع به، سواء وقع الانتفاع أم لا، ويُحمل عليه ما هنا من العمل أن المراد: مَن شَأْنُه ذلك. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 273-274).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
واعلم أن المراد بالعلم حيث أُطْلِقَ في السنة والكتاب: هو ما في حديث أبي داود: «العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية مُحْكَمة، أو سُنَّةٌ قائمة، أو فريضة عادِلة» وسيأتي، وما كان من العلوم وسيلة إلى هذه الثلاثة فله حكمها، وتعليم العلم يشمل التأليف والتدريس والنَّسْخَ وتصحيح كتب أهل الإِسلام. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 274).
وقال المناوي -رحمه الله-:
كتعليمٍ وتصنيف، قال السبكي: والتصنيف أقوى؛ لطول بقائه على ممر الزمان.
لكنْ شَرَطَ بعضُ شُرَّاح مسلم لدخول التصنيف فيه: اشتماله على فوائد زائدة على ما في الكتب المتقدمة، فإنْ لم يشتمل إلا على نقلِ ما فيها، فهو تحبير للكاغِد (أي: القرطاس) فلا يدخل في ذلك، وكذا التدريس، فإن لم يكن في الدرس زيادة تُسْتَفاد من الشيخ مزيدة على ما دوَّنه الماضون لم يدخل. فيض القدير (1/ 438).
وقال المنذري -رحمه الله-:
وناسِخُ العلم النافع له أَجْرُه، وأجر مَن قَرَأه، أو نَسَخَه، أو عَمِلَ به مَن بَعْدَهُ، ما بقي خطُّه، والعمل به؛ لهذا الحديث وأمثاله، وناسِخُ غير النافع مما يُوجِب الإثم عليه وزْرُه ووِزْرُ مَن قَرَأَه، أو نَسَخَه، أو عَمِلَ به مَن بَعْدَهُ، ما بقي خطُّه، والعمل به؛ لما تقدم من الأحاديث: «مَن سَنَّ سُنة حسنة أو سيئة» والله أعلم. الترغيب والترهيب (1/ 62).
وقال ابن جماعة -رحمه الله-:
إذا نظرتَ وجدتَ معاني الثلاثة (أي: الواردة في حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله») موجودة في مُعَلِّم العلم؛ أما الصدقة: فإقراؤه إياه العلم، وإفادته إياه، ألا ترى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- في المصلِّي وحده: «مَن يتصدق على هذا؟» أي: بالصلاة معه؛ لتحصل له فضيلة الجماعة، ومُعلِّم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاةٍ في جماعة، وينال بها شرف الدنيا والآخرة، وأما العلم المنتفَع به: فظاهر؛ لأنه كان سببًا لإيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به.
وأما الدعاء الصالح له: فالمعتادُ المُسْتَقْرَأُ على ألْسِنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم، وبعض أهل العلم يدعون لكل من يُذْكَرُ عنه شيء من العلم، وربما يَقرأ بعضهم الحديث بسَنَده، فيدعو لجميع رجال السَّند، فسبحان من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه. تذكرة السامع والمتكلم (ص: 33).

قوله: «ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ، فأجرُها له ما جرتْ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«تصدَّق بصدقة» جارية مستمرة مِن بعده كَوَقْفٍ. فيض القدير (1/471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«تصدَّق بصدقة» قُيِّدَ في حديث أبي هريرة بـ«جارية»، وأغنى عنه قوله هنا: «فَأَجْرُهَا يجري له ما وُجِدَتْ» (كما في لفظ)؛ فإنه تلازم الجريان؛ إذ لا يجري إلا ما وُجِدَت. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 274).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فأجْرُهَا يجري له ما وُجِدَتْ» أي: فيجري له أجْرُه مدة بقاء العين المتصدَّق بها، وزاد بيان الجزاء في هذين؛ لخفاء النفع فيه، أو إيماء إلى تفضيلهما على الأول والأخير. فيض القدير (1/471).

قوله: «ورجُلٌ تَركَ ولدًا صالحًا يدعو له»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«رَجُلٌ» وصف طردي، والمراد: إنسان مات «ترك ولدًا صالحًا» أي: فَرْعًا مُسْلمًا ذكرًا أو أنثى، أو ولَدَ ولَدٍ كذلك وإن سَفَلَ «فهو يدعو له» بالرحمة والمغفرة، فإنَّ دعاءَهُ أرْجَى إجابة، وأسرع قبولًا مِن دعاء الأجنبي. فيض القدير (1/471).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«يدعو له»؛ لأنه هو السبب لوجوده وصلاحه وإرشاده إلى الهُدى.
وفائدة تقييده بالولد مع أن دعاء غيره ينفعه: تحريضُ الولد على الدُّعاء للوالد، وقُيِّد بالصالح أي: المسلم؛ لأن الأجر لا يحصل من غيره، وأما الوِزر فلا يلحق الأب من إثم ولدهِ. فيض القدير (1/ 438).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ورَجُلٌ» أي: عَبْدٌ ذكرًا كان أو أنثى، كما أتى في بعضٍ: «إنسان»، وفي بعضٍ: «المؤمن»، وفي بعضٍ: «العبد» كما أنَّ المراد من الولد في قوله: «ترك ولدًا صالحًا» أَعمُّ، مِن الذَّكر والأنثى، «فهو يدعو له». التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 274).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ترك ولدًا صالحًا» أي: فَرْعًا مُسْلمًا ذكرًا أو أنثى، أو ولَدَ ولَدٍ كذلك وإن سَفَلَ. فيض القدير (1/471).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: أنه لا يُقبل إلا دعاء الصالح، قيل: وفائدة تقييده بالولد مع أنَّ دعاء غيره ينفعه: تحريضٌ للولد على الدعاء. التنوير شرح الجامع الصغير (2/208).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه: دليل على جواز الوَقْفِ والحَبْسِ، ورَدٌّ على مَن مَنَعَهُ من الكوفيين؛ لأن الصدقة الجارية بعد الموت إنما تكون بالوقوف. إكمال المعلم (5/373).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
وقد تحصَّل من هذه الأحاديث (الدالة على الأعمال التي تجري للمسلم بعد موته) أحد عشر أمرًا، وقد نظمتها، وقلتُ:
إذا مات ابن آدم ليس يجري *** عليه من فعالٍ غير عَشْرِ.
علومٌ بَثَّهَا ودُعَاءُ نَجْلٍ *** وغَرْسُ النخل والصدقات تجري
وِرَاثَةُ مصحفٍ ورِبَاطُ ثَغْرٍ *** وحفرُ البئر أو إجراءُ نهرِ
وبيتٌ للغريب بَنَاهُ يأوي *** إليه أو بِنَاءُ محلِّ ذِكْرِ
وتعليمٌ لقرآنٍ كريمٍ *** فخُذْها مِن أحاديثٍ بِحَصْرِ. شرح السيوطي على مسلم (4/ 228).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وسَبِقَهُ (أي: سبق السيوطي) إلى ذلك ابن العماد، فعدَّها ثلاثة عشر، وسَرَدَ أحاديثها، والكلُّ راجِعٌ إلى هذه الثلاث (أي: الواردة في حديث: «إذا مات ابن آدم...»). التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 128).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
ولا يُرَدُّ (أي: على أبيات السيوطي السابقة) أن هذه أحد عشر، فينافي قوله: "غير عشر"؛ لأنه نوَّع التاسع لشيئين، أو ترجَم لشيء وزاد عليه، أو قال البيت الأخير بعد ذلك، ويدل له أنه بخطِّه في شرح ابن ماجه لم يذكر الأخير، وهو: "وتعليم لقرآنٍ".
ولا يُعارِضُ هذه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مات الإنسان»، وفي رواية: «ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له» رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة؛ لأن هذه الثلاثة في الحقيقة أمهاتٌ يُرَدُّ إليها كثيرٌ من الأنواع. شرح المواهب اللدنية (7/ 502).

ولمزيد من الفائدة ينظر:
حديث: «إذا مَاتَ الإِنسانُ انقَطَعَ عنهُ عملُهُ إلَّا مِن ثلاثةٍ...».


إبلاغ عن خطأ