«لا تقولُوا للمنافقِ: سيِّدٌ، فإنَه إن يَكُ سَيِّدًا فقد أسخطتُم ربَّكم عزَّ وجلَّ».
رواه أحمد برقم: (22939)، وأبو داود برقم: (4977)، واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (10002) بلفظ: «لا تقولوا للمنافق: سيدنا، فإنه إنْ يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربَّكُم»، من حديث بريدة -رضي الله عنه-.
ورواه الحاكم برقم: (2923)، ولفظه: «إذا قال الرَّجلُ للمنافقِ: يا سَيِّدُ، فقد أغضبَ ربَّهُ -تبارك وتعالى».
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2923)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1389).
غريب الحديث
«للمنافق»:
النفاق: وما تصرَّف منه اسمًا وفعلًا، وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره، ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا.
يقال: نَافق يُنَافق مُنَافَقَة ونِفَاقًا، وهو مأخوذ من النَّافِقَاء: أحد جِحَرة اليَرْبُوع، إذا طُلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه، وقيل: هو من النَّفق؛ وهو السِّرب الذي يستتر فيه، لسَتره كُفْره. النهاية، لابن الأثير (5/98).
«سيِّد»:
السيد: الذي يفوق في الخير...، والسيد هو الله إذ كان مالك الخلق أجمعين ولا مالك لهم سِواه؟...تقول العرب فلان سيدنا أي رئيسنا والذي نعظمه. لسان العرب (3/ 230)
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
السَّيِّد: يطلق على الرَّب والمالك، والشريف والفاضل، والكريم والحليم، ومتحمِّل أذى قومه، والزوج، والرئيس والمقدَّم. النهاية، لابن الأثير (2/418).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «لا تقولُوا للمنافقِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«للمنافق» أي: الذي يُخفي الكفر، ويُظهر الإسلام. فيض القدير (1/ 411).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال: «لا تقولوا للمنافق: سيِّد» مفهومه أنه يجوز أنْ يُقال للمؤمن: سيِّد، وهو لا ينافي ما رواه أحمد والحاكم عن عبد الله بن الشِّخِّير مرفوعًا: «السَّيِّد الله»؛ لأن في الحقيقة لا سيادة إلا له، وما سواه مملوكه. مرقاة المفاتيح (7/ 3009).
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا تقولوا للمُنافق» ولا للفاسق ولا للظالم: يا «سيِّد» فإن السَّيِّد يطلق على الرَّبِّ، وأصله: سَوَدَ. شرح سنن أبي داود (19/ 110).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا تقولوا للمنافق: سيِّد» ومثله سائر ألفاظ التعظي. ومحلُّ النهي ما لم يَحُسَّ من تركه ضررًا على نفسه أو أهله أو ماله. دليل الفالحين (8/ 542).
وقال ابن النحاس -رحمه الله-:
قلتُ: وفي معنى المنافق: الفاسق والظالم والْمُتَّهَم في دينه. تنبيه الغافلين (ص:400).
قوله: «يا سيِّد»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«يا سيِّد» ومثله: يا مولاي. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 119).
قوله: «فإنَه إن يَكُ سَيِّدًا فقد أسخطتُم ربَّكم عزَّ وجلَّ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنه» أي: الشأن أو المنافق «إن يك سيِّدًا» أي: سيِّد قوم أو صاحب عبيد وإماء وأموال «أسخطتم ربكم» أي: أغضبتموه؛ لأنه يكون تعظيمًا له، وهو ممن لا يستحِقُّ التعظيم، فكيف إن لم يكن سيِّدًا بأحد من المعاني، فإنه مع ذلك يكون كذبًا ونفاقًا وفاقًا. مرقاة المفاتيح (7/ 3009).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
وفيه «لا تقولوا للمنافق: سيِّد، فإنه إن كان سيِّدكم وهو منافق، فحالكم دون حاله، والله لا يرضى لكم ذلك». النهاية في غريب الحديث والأثر (2/418).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إن يك سيِّدًا» أي: إن يك سيِّدًا لكم، فتجب عليكم طاعته، فإذا أطعتموه فقد أسخطتم ربكم؛ أو لا تقولوا للمنافق: سيِّدًا، فإنكم إن قلتم ذلك فقد أسخطتم ربكم؛ فوضع الكون موضع القول تحقيقًا له. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3095).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإنه إن يك سيِّدًا» أي: صاحبَ عبيدٍ وإماءٍ وأموال، «فقد أسخطتم» أي: أغضبتم «ربكم»؛ لأنكم عظَّمتم مَن لا يستحِقُّ التعظيم، وإن لم يكن كذلك فقد كذبتم. شرح المصابيح (5/ 220).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإنه إن يك سيِّدًا» يعني: فقد سَيَّدتم منافقًا «فقد أسخطتم ربكم»؛ لأنه لا يرضى لكم أن يكون رئيسُكم وكريمُكم المتقدم عليكم منافقًا ولا فاسقًا. شرح سنن أبي داود (19/ 110).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وقيل: معناه: إنْ يكن المنافق سيِّدكم فقد أسخطتم ربكم بالعصيان، حتى سوَّد عليكم المنافق، وولَّاه عليكم، بمقتضى قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} الأنعام: 129. الأزهار شرح المصابيح مخطوط لوح 412).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وإن يك سيِّدًا» على لسانكم، أي: إن وصفتموه بالسيادة، فذاك يؤدي إلى سخطه تعالى، وقيل: أي: إن يك سيِّدًا، أي: ذا مال وجاه «أغضبتم الله تعالى بهذا القول»؛ لِمَا فيه من تعظيم مَنْ لا يستحِقُّه، وإلا فقد كَذبْتُم.
قلتُ: وعلى المعنى الأخير يمكن جعل كلمة (إن) وصلية بلا واو، كما قيل ذلك في قوله تعالى: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} مريم: 18، فليتأمل، والله تعالى أعلم. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (4/ 618).
وقال أبو جعفر النحاس -رحمه الله-:
ومنهم مَنْ كَرِهَ أنْ يُقال: يا سيِّدي؛ لقول النبي -عليه السلام-: «لا تقولوا للمنافق: سيِّدنا، فإنه إن يكن سيِّدكم فقد أسخطتم ربكم -جل وعز-». وأجاز هذا بعضهم، واحتج بقول النبي -عليه السلام-: «إن ابني هذا سيِّدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين». والقول في هذا أنه لا يجوز أنْ يُقال لمنافق ولا كافر، ولا فاسق: يا سيِّدي؛ للحديث، ويُقال لغيرهم ذلك للحديث.
وينبغي أيضًا أن لا يرضى أحدٌ بأن يخاطب بـ(يا سيِّدي)، وينكر ذلك، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «السَّيِّد الله -جل وعز-». عمدة الكتاب (ص: 221).
وقال النووي -رحمه الله-:
لا بأس بإطلاق: فلان سيِّد، ويا سيِّدي، وشِبْهُ ذلك إذا كان الْمُسَوَّدُ فاضلًا خيّرًا، إمَّا بعلم، وإمَّا بصلاح، وإمَّا بغير ذلك؛ وإن كان فاسقًا، أو مُتَّهَمًا في دينه، أو نحو ذلك كُره له أن يقال: سيِّد...
قال النحاس: يقال: سيِّد، لغير الفاسق، ولا يقال: السَّيِّد، بالألف واللام لغير الله تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسَّيِّد، بالألف واللام بشرطه السابق. الأذكار (ص:362-363).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
اختلف الناس في جواز إطلاق السَّيِّد على البشر، فمنعه قوم، ونُقِلَ عن مالك؛ واحتجوا بأنه قيل له: «يا سيِّدنا قال: إنما السَّيِّد الله». وجوَّزه قوم؛ واحتجوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قوموا إلى سيِّدكم». وهذا أصح من الحديث الأول. بدائع الفوائد (3/ 213).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
تأملنا ما في هذا الحديث فوجدنا السَّيِّد المستحق للسؤدد هو الذي معه الأسباب العالية التي يستحِقُّ بها ذلك، ويبين بها عمَّن سِواه مِمَّن ساده...، فكان مَنْ يستحِقُّ هذا الاسم والكون بهذا المكان من هذه صفته، وكان المنافق بضدِّ ذلك؛ ولَمَّا كان كذلك لَمْ يستحِقَّ به أن يكون سَيِّدًا، وكان مَنْ سَمَّاه بذلك واضعًا له بخلاف المكان الذي وضعه الله بذلك، وكان بذلك مُسْخِطًا لربه. شرح مشكل الآثار (15/ 249).
قوله (في لفظ): «فقد أغضب ربه -تبارك وتعالى-»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد أغضب ربه» قد علل في النهاية: لا تقولوا للمنافق يا سيِّد، فإنه إن كان سيِّدكم وهو منافق، فحالكم دون حاله، والله لا يرضى لكم ذلك.
وأمَّا حديث: «كل بني آدم سيِّد؛ فالرجل سيِّدُ أهل بيته، والمرأة سيِّدة أهل بيتها» فلا يُعَارِضُه؛ إلا أن المراد أن كلًّا حكمه حكم السَّيِّد والراعي فيه أنه مسؤول عمن تحت يده نظير: «كُلُّكُم راع...»، «فقد أغضب ربه»؛ حيث دعا مَنْ يُبْغِضُه الله بالاسم الشريف الذي لا يستحِقُّه. التنوير شرح الجامع الصغير (2/160).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفي الحديث: إشعار بأنه لا يُذمُّ قول ذلك للمؤمن، ويدلُّ له ...: «قوموا إلى سيِّدكم». فيض القدير (1/ 411).
قال الطيبي -رحمه الله-:
وفيه: أنَّ قول الناس لغير الله: مولانا، كالحكماء والأطباء داخل في هذا النهي والوعيد، بل هو أشد؛ لورود قوله تعالى: {مَوْلَانَا} البقرة: 286، في التنزيل دون السَّيِّد. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3095).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه ما يدلُّ على تحريم ذلك (يعني: أن يقال للمنافق: يا سيِّد)؛ فإنه لا يَغْضَبُ الرَّبُّ إلا مِنِ ارتكاب مُحرَّمٍ، إلا أن النفاق أمر قلبي لا يُعلمُ إلا بإخباره عن نفسه. التنوير شرح الجامع الصغير (2/160).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في حكم إطلاق لقب "السيد" على الأشخاص ومن يستحقه.
- جمع الشيخ ابن عثيمين بين حديث: (السيد الله)، وحديث: (أنا سيد ولد آدم)؟