الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«إذا ‌مضى ‌شَطْرُ ‌الليل أو ثُلثاه ينزل الله -تبارك وتعالى- إلى السماء الدنيا، فيقول: هل مِن سائلٍ يُعطى؟ هل مِن داعٍ يُسْتَجاب له؟ هل مِن مستغفرٍ يُغفر له؟ حتى ينفجر الصبح».


رواه البخاري برقم: (7494)، ومسلم برقم: (758) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «يَتَنَزَّلُ ربنا تبارك وتعالى كُل ليلة ‌إلى ‌السماء ‌الدُّنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأُعطيه، من يستغفرني فأغفر له».
وفي لفظ عند مسلم برقم: (758): «إن الله يُمهِل حتى إذا ‌ذهب ‌ثُلث ‌الليل ‌الأول نزل إلى السماء الدُّنيا...».
وفي لفظ لمسلم برقم: (758) «...ثم يبسط يديه -تبارك وتعالى- يقول: مَن يُقْرِضُ غير عَدُومٍ ولا ظلوم؟».
وفي رواية عند الطبراني في الكبير برقم: (8391)، من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي -رضي الله عنه-: «هل مِن مكروب فيفرج عنه؟... فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له، ‌إلا ‌زانية ‌تسعى ‌بفرجها، أو عَشَّارًا».
صحيح الجامع برقم: (2971)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (786).


غريب الحديث


«‌شَطْرُ ‌الليل»:
شَطْرُ كل شيء نِصْفُه. المصباح المنير، للفيومي (1/ 312).

«يُقْرِضُ»:
القَرْضُ: ما تعطيه غيرك من المال ‌لِتُقْضَاه، والجمع: قُرُوض، مثل: فِلْسٍ وفُلوس. المصباح المنير، للفيومي (2/ 498).
قال الهرري -رحمه الله-:
وسُمي القرض الذي يدفعه الإنسان إلى أخيه ليَرُدَّه عليه قرضًا؛ لأنه يقطعه من ماله، فقيل لما يَتقرب به العبد إلى الله ويؤمل الجزاء عنه: قَرَضَ نفسه على التشبيه. الغريبين في القرآن والحديث (5/ 1527-1528).

«عَدُوم»:
العَدِيم: الذي لا شيء عنده، فعيل بمعنى فاعل. لسان العرب، لابن منظور (12/ 393).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
العديم: الفقير. شمس العلوم (7/ 4413).

«عَشَّار»:
يسمى العَشَّار: صاحب مَكْسٍ. المحيط في اللغة، للصاحب ابن عباد (6/ 193).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الْمَكْسُ: الضريبة التي يأخذها الماكِسُ، وهو العَشَّارُ. النهاية (4/ 349).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «إذا ‌مضى ‌شَطْرُ ‌الليل أو ثُلثاه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذا مضى» أي: ذهب، وتم «شطر الليل» أي: نصفه، «أو» قال أبو هريرة: «أو» من دونه: إذا مضى «ثلثاه» أي: الثلثان من الليل، وبقي ثلثه الأخير. الكوكب الوهاج (10/ 14).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
والتخصيص بالليل، وبالثلث الآخر منه؛ لأنه وقت التهجد، فيختص بمزيد الشرف والفضل؛ لأن النية تكون فيه أخلص، والرغبة إلى الله تعالى أوفر. شرح المصابيح (2/ 164).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وتخصيصها بالليل والثلث الأخير منه؛ لأنه وقت التهجد، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله، وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة. النهاية (5/ 42).

قوله: «ينزل الله -تبارك وتعالى- إلى السماء الدنيا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
نزوله تعالى حقيقي؛ لأن... كل شيء كان الضَّمير يعود فيه إلى الله فهو ينسب إليه حقيقة، فعلينا أن نؤمن به ونصدق، ونقول: ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا، وهي أقرب السموات إلى الأرض، والسموات سبع، وإنما ينزل -عزَّ وجلَّ- في هذا الوقت من الليل للقُرب من عباده -جلَّ وعلا-، كما يقرب منهم عشية عرفة، حيث يباهي بالواقفين الملائكة. شرح العقيدة الواسطية (2/ 13-14).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«تبارك وتعالى» جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله: «كل ليلة». مرعاة المفاتيح (4/ 219).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تبارك» أي: تزايد بِرُّه وخيره لعباده، «وتعالى» أي: ترفَّع عما لا يليق به من سِمات الحدوث. الكوكب الوهاج (10/ 10).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: «ينزل -تبارك وتعالى- إلى سماء الدنيا» فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويصدِّقُون بهذا الحديث، ولا يُكَيِّفون والقول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة، وقد قال قوم من أهل الأثر أيضًا: إنه ينزل أَمْرُه، وتنزل رحمته، وروي ذلك عن حبيب كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء؛ لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبدًا في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون في أي وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء، متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال، وقد روى محمد بن علي الجبلي -وكان من ثقات المسلمين بالقيروان- (بسنده) عن مالك بن أنس أنه سئل عن الحديث: «إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا»، فقال مالك: يتنزل أمره، وقد يحتمل أن يكون كما قال مالك -رحمه الله- على معنى أنه تتنزل رحمته وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك مِن أمره، أي: أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت، والله أعلم، ولذلك ما جاء فيه الترغيب في الدعاء، وقد روى من حديث أبي ذر أنه قال: «يا رسول الله، أيُّ الليل أَسْمَعُ؟ قال: جوف الليل الغابر» يعني: الآخر، وهذا على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء كما ندب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، والله أعلم.
وقال آخرون: ينزل بذاته (وساق بسنده إلى) يحيى بن عثمان بن صالح بمصر، قال: سمعت نُعيم بن حماد يقول: حديث النزول يردُّ على الجهمية قولهم، قال: وقال نعيم: ينزل بذاته، وهو على كرسيه.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): ليس هذا بشيء عند أهل الفهم من أهل السنة؛ لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانًا، وقد جل الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): أهل السنة مجموعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يحدُّون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبِّه، وهم عند مَن أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله. التمهيد (7/ 143-146).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
لقد أجاد الحافظ أبو عمر -رحمه الله- في هذا التحقيق، وأفاد، فقد بيَّن في هذا التحقيق أن مذهب جمهور العلماء من السلف والمحققين من الخلف أنه يجب الإيمان بما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، مما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، كالنزول، والاستواء، والمجيء، والقبض والبسط، وكالوجه، واليد، والقدم، والساق، وكالتعجب، والضحك، والغضب، إلى غير ذلك مما صح في نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على حقيقته، لا على وجه المجاز، بل نؤمن بها كما وردت، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ومن غير تعطيل، ولا تأويل. البحر المحيط الثجاج (15/ 638).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
الحاصل: أن نزول الباري إلى سماء الدنيا نزول حقيقة يُحمل على ظاهره، ويُفوَّض تفصيله وتكييفه إلى الباري عزَّ برهانه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والسلف الصالحين. العرف الشذي (1/ 417).

قوله: «فيقول: هل مِن سائلٍ يُعْطَى؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيقول: هل من سائل» لي فـ«يعطى» مسئوله. الكوكب الوهاج (10/ 15).

قوله: «هل من داع يُستجاب له؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«هل من داع» لي فـ«يستجاب له» الدعاء. الكوكب الوهاج (10/ 15).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذا من الله وعد حق، وقول صدق: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} التوبة: 111، وإذا وقعت هذه الشروط من العبد على حقيقتها وكمالها فلا بد من المشروط، فإن تخلَّف شيء من ذلك فذلك لخلل في الشرط. المفهم (2/ 387).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ليس في وعد الله خُلْفٌ، وكثير من الداعين لا يستجاب لهم؟
قلتُ: إنما ذاك لوقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء مثل: الاحتراز في المطعم والمشرب، والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، أو تحصل الإجابة، ويتأخر المطلوب إلى وقت آخر يريد الله وقوع الإجابة فيه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة. عمدة القاري (7/ 201).

قوله: «هل من مستغفر يُغفر له؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«هل من مستغفر» لي فـ «يغفر له». الكوكب الوهاج (10/ 15).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لم تختلف الروايات على الزهري في الاقتصار على الثلاثة المذكورة، وهي الدعاء والسؤال والاستغفار، والفَرْقُ بين الثلاثة: أن المطلوب إما لدفع المضار، أو جلب المسارِّ، وذلك إما دِيني وإما دنيوي، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث. فتح الباري (3/ 31).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وزاد سعيد عن أبي هريرة: «هل من تائب فأتوب عليه؟»، وزاد أبو جعفر عنه: «من ذا الذي يسترزقني فأرزقه؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه؟»، وزاد عطاء مولى أم صبية عنه: «ألا سقيم يستشفي فيُشفى؟» ومعانيها داخلة فيما تقدم. فتح الباري (3/ 32).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والحاصل: أن الإجابة ليس معناها أن يُعطى الداعي عين ما سأله، وإنما معناها: أن يعطيه الله تعالى ما هو أصلح له في الدنيا والآخرة، سواء كان عين ما سأل، أو خيرًا من ذلك، مِن جلب نفع، أو دفع ضر، ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدَّثهم، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يَدْعُ بإثمٍ، أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذًا نُكثر، قال: الله أكثر»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب...
وخلاصة القول: أن الأدب للعبد أن يسأل ربه موقنًا بالإجابة، ثم يرضى بما يختار له من نوع الإجابة؛ لأنه -عزَّ وجلَّ- أعلم بمصالح عباده، فقد يكون ما سأله مما يعود ضرره عليه، إما في دِينه، أو دنياه؛ لأنه لا يعلم شيئًا من مصالح الدنيا والآخرة، وإنما عَلْمُ ذلك إلى الله تعالى وحده، قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة: 216، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (15/ 632-633).

قوله: «حتى ينفجر الصبح»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى» غاية للبسط والقول، أي: لا يزال يقول ذلك طلبًا لإقبال قلوب طالبيه إليه. مرقاة المفاتيح (3/ 925).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«حتى ينفجر الفجر» (كما في لفظ مسلم) أي: ينشق، أو يطلع، ويظهر الصبح، وهي غاية للبسط والقول، أي: لا يزال يقول ذلك حتى يضيء الفجر. مرعاة المفاتيح (4/ 221).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- أيضًا:
وفيه: دليل على امتداد وقت الرحمة واللطف التام إلى إضاءة الفجر. مرعاة المفاتيح (4/ 221).

قوله في رواية: «... ثم يبسط يديه -تبارك وتعالى-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم يبسط» سبحانه وتعالى «يديه» بسطًا يليق به من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا كيفية. الكوكب الوهاج (10/ 17).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم يبسط يديه -تبارك وتعالى-» فيه: إثبات صفة البسط لله -سبحانه وتعالى- على ما يليق بجلاله. البحر المحيط الثجاج (15/ 651).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «ثم يبسط يديه»... فيه: إشارة إلى غاية كرمه بالقبول لما يُقَدَّم إليه من القرض المطلوب. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (1/ 478).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ثم يبسط يديه -سبحانه وتعالى-» هو إشارة إلى نشر رحمته، وكثرة عطائه، وإجابته، وإسباغ نعمته. شرح صحيح مسلم (6/ 39).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا للنووي:
أما قول النووي في شرحه: فيه إشارة إلى نشر رحمته...، ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه تأويل لمعنى بسط اليدين باللازم، وهو غير مقبول، بل الحق أن الله تعالى يبسط يديه على ظاهره، كما يليق بجلاله، فنَشْرُ رحمته، وكثرة عطائه... إلخ مِن أثر بسطه -سبحانه وتعالى-، فتبصر بالإنصاف. البحر المحيط الثجاج (15/ 651).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تبارك» كثُر خيره، ورحمته، وآثار جماله، «وتعالى» عن صفات المخلوقين. مرقاة المفاتيح (3/ 923).

قوله في رواية: «يقول: من يُقرض غير عَدُوم»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«ويقول» أي: بذاته، أو على لسان مَلَكٍ من خواص ملائكته. مرعاة المفاتيح (4/ 221).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«مَن» للاستفهام، أي: مَن يعطي قرضًا؟ المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 273).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«من يقرض غير عدُوم؟» أي: مَن يقرض غنيًا لا يعجز عن أداء حقه والوفاء بعهده، عادلًا لا يظلم المقْرِضَ بنقص دَينه، وتأخير الأداء عن وقته، والله تعالى غير عَدُوم لاستغنائه عن غيره، وافتقار غيره إليه. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1204).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «من يقرض غير عديم؟» فإنَّ في اقتراض الغني من الفقير، والرب من العبد شأنًا عجيبًا؛ وذلك أنه أشار بهذا الكلام إلى أن الله سبحانه ملَّكَ العبد ما في يده تمليكًا يملك به الإقراض. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 197).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: من يعطيني القرض أعطي جزاءه سبع مئة ضعف أو أكثر؟ فإني غير فقير وغير ظالم. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 273).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمراد بالقرض -والله أعلم-: عمل الطاعة، سواء فيه الصدقة، والصلاة، والصوم، والذكر وغيرها من الطاعات، وسماه -سبحانه وتعالى- قرضًا ملاطفة للعباد، وتحريضًا لهم على المبادرة إلى الطاعة، فإن القرض إنما يكون ممن يعرفه المقترض وبينه وبينه مؤانسة ومحبَّة، فحين يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته لفرحه بتأهيله للاقتراض منه، وإدلاله عليه، وذكره له، وبالله التوفيق. شرح صحيح مسلم (6/ 38).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: إخراج العمل مَخرج القرض تمثيل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه، وإيذان بكونه واجب الأداء بسبب الوعد، كالدَّين. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1204).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «غير عديم» يعني: أنه لم يستقرض عن عدم، وفي الإقراض سِرٌّ، وهو أنه يعود الخُلف متحتمًا على كرمه، فلا يظنّ ظانٌّ أنه يطوي بالخلف؛ لأن الله -عزَّ وجلَّ- استدعاؤه عباده استدعاء من الدين. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 197).

قوله في رواية: «ولا ظلوم»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «ولا ظلوم» أي: أنه -جل جلاله- لا يمطل بإخلاف ما يقترضه من عبده؛ لأنه الغني... فلذلك قال تعالى: «غير عديم» أي: لا يبخس عبدًا من عبيده مثقال ذرة. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 197).
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولا ظلوم» أراد به ذاته تعالى، فإنه غني لا يعجز عن أداء حقه، وعادل لا يظلم المقْرِض ينقص ما أخذه، بل أخذ يضاعف ذلك أضعافًا كثيرة، وإنما وصف تعالى بهذين الوصفين؛ لأنهما المانعان غالبًا من الإقراض، والأَولى أن يُراد بالقرض هنا: الطاعة؛ مالية كانت أو بدنية، فمعناه: من يفعل خيرًا يجد جزاء كاملًا عندي. شرح المصابيح (2/ 165).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
غير ظلوم؛ لأنه يضعِّف أضعافًا، قال الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة} البقرة: 245، وإنما وصف الله تعالى نفسه بالوصفين المذكورين ها هنا؛ لأنهما المانعان غالبًا عن الإعراض. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1204).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
ومقصود الحديث: تخصيص هذا الوقت بمزيد الشرف والفضل، وأن ما يأتي به المكلف فيه أرجى وأنفع. تحفة الأبرار (1/ 365).

قوله في رواية: «إن الله يُمْهِلُ حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول...»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الله تعالى يمهل» من الإمهال، وهو التأخير. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 424).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إن الله» سبحانه وتعالى «يمهل» ويؤخِّر نزوله إلى السماء الدنيا «حتى إذا ذهب» ومضى «ثلث الليل الأول» بالرفع صفة للثلث. الكوكب الوهاج (10/ 18).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول»، في بعض الروايات «وشَطْرُه» في بعضها، والصحيح الرواية الأخرى: «حين يبقى ثلث الليل الآخر» قال شيوخ أهل الحديث: وهو الذي تتظاهر الأخبار بمعناه ولفظه، وقد يحتمل الجمع بين الحديثين: أن يكون النزول الذي أراده النبي -صلى الله عليه وسلم- وعناه، والله أعلم بحقيقته عند مُضِي الثلث الأول، والقول: «من يدعوني» إلى آخره في الثلث الآخر. إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 111).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا القاضي:
قلتُ: ويحتمل: أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أُعْلِمَ بأحد الأمرين في وقت فأَخبر به، ثم أُعْلِمَ بالآخر في وقت آخر فأَعْلَمَ به، وسمع أبو هريرة الخبرين فنقلهما جميعًا، وسمع أبو سعيد الخدري خبر الثلث الأول فقط فأخبر به مع أبي هريرة كما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة، وهذا ظاهر، وفيه رد لما أشار إليه القاضي من تضعيف رواية الثلث الأول، وكيف يضعفها وقد رواها مسلم في صحيحه بإسناد لا مطعن فيه عن الصحابيين أبي سعيد وأبي هريرة؟! والله أعلم. شرح صحيح مسلم (6/ 37).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
ويحتمل: أن يكون نزوله في بعض الليالي حتى يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حتى يذهب ثلث الليل الأول، حتى لا يكون بين الخبرين تهاتُرٌ ولا تضاد. صحيح ابن حبان (3/ 202).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
وهو تحقيق حسن جدًّا. البحر المحيط الثجاج (15/ 629).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ينزل الله -عزَّ وجلَّ- حين يبقى ثلث الليل الآخر» وهو أصح الروايات. سنن الترمذي (2/ 309).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
ويقوي ذلك أن الروايات المخالفة اختُلف فيها على رُوَاتها، وسَلَكَ بعضهم طريق الجمع، وذلك أن الروايات انحصرت في ستة أشياء:
أولها: هذه (يعني: ثلث الليل الآخر).
ثانيها: إذا مضى الثلث الأول.
ثالثها: الثلث الأول أو النصف.
رابعها: النصف.
خامسها: النصف، أو الثلث الأخير.
سادسها: الإطلاق.
فأما الروايات المطلقة فهي محمولة على المقيدة، وأما التي بـ«أو» فإن كانت «أو» للشك فالمجزوم به مقدَّم على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين حالين فيُجمع بذلك بين الروايات؛ بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال؛ لكون أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدُّم دخول الليل عند قوم وتأخره عند قوم.
وقال بعضهم: يحتمل: أن يكون النزول يقع في الثلث الأول، والقول يقع في النصف، وفي الثلث الثاني، وقيل: يحمل على أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويحمل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُعْلِمَ بأحد الأمور في وقت فأَخبر به، ثم أُعلم به في وقت آخر فأخبر به، فنَقل الصحابة ذلك عنه، والله أعلم. فتح الباري (3/ 31).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ويجوز -والله أعلم- أن يكون ابتداء الأمر من أول الثلث الثاني إلى الثالث. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (9/ 99).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
أقول: تحمل الأحاديث والروايات الثلاثة على أصلها بلا ترجيح، ويقال بنزول الله في الأوقات الثلاثة، فإنه تعالى وتقدَّس لا يشغله شأن، والأوقات الثلاثة مباركة؛ لأنها أوقات الفراغ عن غير الله تعالى وتقدس. العرف الشذي (1/ 418).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الأقرب عندي أن يُحمل على اختلاف الأوقات. البحر المحيط الثجاج (15/ 629).

قوله في رواية: «...فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له ‌إلا ‌زانية ‌تسعى ‌بفرجها»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إلا زانية تسعى بفرجها» أي: تَكسب به. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 76).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
وخرج بهذا الوصف مَن وقع منها الزنا على سبيل الندور. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/ 34).

قوله في رواية: «أو عَشَّارًا »:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«أو عَشَّارًا» أي: مَكَّاسًا، وذلك لعظم ذنبهما. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 76).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث قال بعض أهل العلم: إنه من الأحاديث المتواترة، واتفقوا على أنه من الأحاديث المشهورة المستفيضة عند أهل العلم بالسنة. شرح العقيدة الواسطية (2/ 13).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قيل: مقصود الحديث: الترغيب والتحثيث وتخصيص هذا الوقت بمزيد الشرف والفضل، وأن ما يأتي به المكلف أنفع وأرجى وبالقبول أحرى. مرقاة المفاتيح (3/ 925).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ينبغي للإنسان عند سماع هذا الحديث أن يكون شديد الحرص على اغتنام أوقات الإجابة للدعاء...، فإن الإنسان إذا سمع هذا الحديث أن الله تعالى يَنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأنه يبسط يديه، ويدعو عباده إلى سؤاله واستغفاره لم يطمئن المؤمن مضجعه، والألفاظ التي ذكرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلها متناهية في بيان اللطيف، متجاوزة في الرفق حدَّ قدر الآدميين، وذلك يحث العباد على العبادة الراغبين في السؤال. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 196).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي حديث الباب من الفوائد:
تفضيل صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك في حق مَن طَمِعَ أن يَنْتَبِهَ، وأن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} آل عمران: 17، وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ولا يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، أو تحصل الإجابة، ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العبد، أو لأمر يريده الله. فتح الباري (3/ 31-32).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: أن الحكمة في تخصيصه بالليل، وبالثلث الأخير منه؛ لكونه وقت التهجد، وغفلة الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله -سبحانه وتعالى-، فعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله تعالى وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة. البحر المحيط الثجاج (15/ 631-632).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث:
أولًا: إثبات العلو لله؛ من قوله: «ينزل».
ثانيًا: إثبات الأفعال الاختيارية التي هي الصفات الفعلية؛ من قوله: «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر».
ثالثًا: إثبات القول لله؛ من قوله: «يقول».
رابعًا: إثبات الكَرَم لله -عزَّ وجلَّ-؛ من قوله: «مَن يدعوني ...، مَن يسألني ...، مَن يستغفرني ...».
وفيه من الناحية المسلكية: أنه ينبغي للإنسان أن يغتنم هذا الجزء من الليل، فيسأل الله -عزَّ وجلَّ- ويدعوه ويستغفره، ما دام الرب سبحانه يقول: «من يدعوني ...، من يستغفرني ...»، و «مَن» للتشويق، فينبغي لنا أن نستغل هذه الفرصة؛ لأنه ليس لك من العمر إلا ما أمضيتَه في طاعة الله، وسَتَمُرُّ بك الأيام؛ فإذا نزل بك الموت فكأنك وُلِدت تلك الساعة، وكل ما مضى ليس بشيء. شرح العقيدة الواسطية (2/ 18).


إبلاغ عن خطأ