الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- استعمل ابن الأُتَبِيَّةِ على صدقاتِ بني سُلَيْمٍ، فلمَّا جاء إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وحاسَبَه قال: هذا الذي لكم، وهذه هديَّةٌ أُهْدِيَتْ لي، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: فهلَّا جلستَ في بيتِ أبيك وبيتِ أمِّك حتى تأتيك هديَّتُك إن كنت صادقًا، ثم قام رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- فَخَطَبَ النَّاس، وحمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد، فإنِّي أَسْتعملُ رجالًا مِنكم على أمورٍ ممَّا ولَّاني الله، فيأتي أحدُكم، فيقول: هذا لكم وهذه هديَّةٌ أُهدِيتْ لي، فهلَّا جلس في بيت أبيه وبيتِ أمِّه حتى تأتيه هديَّتُه إن كان صادقًا، فواللهِ لا يأخذُ أحدُكم منها شيئًا بغيرِ حقِّه إلَّا جاءَ اللهَ يحمله يومَ القيامةِ، ألَا فَلَأَعْرِفنَّ ما جاءَ اللهَ رجلٌ ببعيرٍ له رُغاءٌ، أو ببقرةٍ لها خُوارٌ، أو شاةٍ تَيْعَرُ، ثم رَفَعَ يديه حتى رأيتُ بياضَ إبطيه: ألَا هل بلَّغتُ؟». 


رواه البخاري برقم: (7197)، ومسلم برقم: (1832)، من حديث أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (6636): «فوالذي نفسُ محمدٍ بيده ‌لا ‌‌يَغُلُّ ‌أحدُكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحملُه على عُنقه».
وفي لفظ عند البخاري برقم: (7174) «اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ ثلاثًا»، وعند مسلم برقم: (1832) «مرتين».
وفي لفظ عند مسلم برقم: (1832) قال عروة: فقلت لأبي حميد الساعدي: أَسَمِعْتَه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: «مِن فِيْه إلى أُذُنِي».
وفي البخاري برقم: (7174)، ومسلم برقم: (1832) «سَمِعَ أُذُناي، وأَبْصرته عيني، وسَلوا زيد بن ثابت؛ فإنَّه سَمِعَهَ معي».


غريب الحديث


«رُغاءٌ»:
‌الرُّغاء: رُغاء الفَحْل مِن الإِبِل، وهو صوت الهَدِيْرِ، يقال: رَغَا الفحلُ رُغاءً. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 1067).
قال الخطابي -رحمه الله-:
‌
الرُّغاء: صوت الإبل. غريب الحديث (3/ 57).

«خُوارٌ»:
‌الخُوار: صوت الثور، وما اشْتَدَّ مِن صوت البقرة والعِجْل، تقول: خارَ يَخُورُ خَوْرًا وخُوارًا. العين، للفراهيدي (4/ 303).

«تَيْعَرُ»:
يَعَرَتِ العَنزُ ‌تَيْعِرُ بالكسر، يُعارًا بالضم، أي: صاحت. الصحاح، للجوهري (2/ 859).

«‌‌يَغُلُّ»:
غَلَّ: خَانَ، والغلول: الخيانة في الغنيمة خاصة، وأصل الباب: الخفاء، ومنه الغِلُّ: الحقد، والغَلَلُ: الماء الجاري في أصول الشجر. التبيان في تفسير غريب القرآن، لابن الهائم (ص: 132).
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
الْغُلُول: هو الخيانة، وكل خيانة غُلُول، لكنه صار في عُرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال: غلَّ وأغلَّ. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (5/ 148).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- استعمل ابن الأُتَبِيَّةِ على صدقاتِ بني سُلَيْمٍ»:
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قلت: وقد جاء في الرواية الأخرى «الأتبيَّة»، وكلاهما صحيح الرواية جائز. المفهم (4/ 31).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«ابن اللُّتْبِيَّة» بضم اللام وسكون الفوقانية وبالموحدة وياء النسبة، عبد الله، وقيل: بفتح الفوقانية، وقيل: بالهمزة المضمومة بَدَل اللام. الكواكب الدراري (24/ 90).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «استعمل رجلًا يقال له: ابن الُّلتبِيَّة» كذا ضبطناه في الحديث الأول بفتح التاء، وصوابه سكونها، ولُتْب، بضم اللام وسكون التاء: بطن من العرب، وجاء في الحديث الآخر في رواية السمرقندي والسجزي: «الأَلْتَيِبِيَّة»، وفي غير مسلم: «‌الأَلْتَبِيَّة»، والصواب ما ذكرناه. إكمال المعلم (6/ 236).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«على الصدقة» وفي رواية: «على صدقات بني سُلَيم» بضم السين وفتح اللام، قال الحافظ: أفاد العسكري بأنه بُعِث على صدقات بني ذبيان، فلعلَّه كان على القبيلتين، وفي رواية: «بُعِث مُصَدِّقًا إلى اليمن». مرعاة المفاتيح (6/ 30).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«بنو سليم» بالضم قبيلة. الكواكب الدراري (24/ 235).

قوله: «فلمَّا جاءَ إلى رسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وحاسَبَه قال: هذا الذي لكم، وهذه هديَّةٌ أُهْدِيَتْ لي»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فلمَّا قدِم» (لفظ مسلم) أي: المدينة بعد رجوعه مِن عمله، وأَمَر -عليه السلام- مَن يحاسبه ويَقبض منه، «قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي لي» بصيغة الماضي المجهول، مِن الإهداء، أي: قال لبعض ما معه من المال: هذا مال الزكاة، وقال لبعضه الآخر: هذا أعطانيه القوم هديةً، وفي رواية أبي نعيم: فجعل يقول: «هذا لكم وهذا لي» حتى مَيَّزَه، قال: يقولون مِن أين هذا لك؟ قال أهدي لي، فجاؤوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بما أعطاهم. مرعاة المفاتيح (6/ 30).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قالوا: احتيال العامل: هو بأنَّ ما أُهْدِي له في عِمَالته يستأثر به، ولا يضعه في بيت المال، وهدايا الأمراء والعمال هي مِن جملة حقوق المسلمين. الكواكب الدراري (24/ 91).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
قوله: «فلما جاء حَاسَبَهُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-» فَدَلَّ على أنَّ الإِمام يباشر محاسبةَ العُمَّال بنفسه؛ ليطَّلع على أمانة النَّاس وأهليَّتهم للولايات وعدم استحقاقهم، ألا ترى إلى إظهار الغضب على ابن الأُتبية لما قال: «هذا لكم وهذا أُهْدِيَ إليَّ»؟
وفيه: نُصحٌ للسامعين، وتُنْقَل إلى آخر الدهر. الكوثر الجاري (11/ 96).

قوله: «فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: فهلَّا جلستَ في بيتِ أبيك وبيتِ أمِّك حتى تأتيك هديَّتُك إن كنت صادقًا، ثم قام رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- فَخَطَبَ النَّاس، وحمِد اللهَ وأثنى عليه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قال سفيان: أيضًا فَصَعَدَ المِنبر» (كما في لفظ) يريد أنَّ سفيان كان تارة يقول: «قام»، وتارة: «صَعَدَ»، وَوَقَعَ في رواية شعيب: «ثم قام النبي -صلى الله عليه وسلم- عشيَّة بعد الصلاة»، وفي رواية معمر عند مسلم: «ثم قام النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا»، وفي رواية أبي الزناد عند أبي نعيم: «فَصَعَد المنبر وهو مُغْضَب». فتح الباري (13/ 165).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فَخَطَبَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-» أي: النَّاس؛ ليُعلِّمهم، وليحذرهم مِن فعله، زاد في رواية قبل ذلك: «أَلَا جَلَست ‌في ‌بيت ‌أبيك، وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا، ثم قام فخطب» وفي رواية: «فَصَعد المنبر، وهو مغضب». مرعاة المفاتيح (6/30ـ 31).

قوله: «ثم قال: أمَّا بعد، فإنِّي أَسْتَعْمِلُ رجالًا مِنكم على أمورٍ ممَّا ولَّاني الله، فيأتي أحدُكم، فيقول: هذا لكم وهذه هديَّةٌ أُهدِيتْ لي»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما بال العامل نَبْعَثُه، فيأتي فيقول» (كما في لفظ)، وفي رواية الكشميهني: «يقول» بحذف الفاء، وفي رواية شعيب: «فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول» ووقع في رواية هشام بن عروة: «فإني أستعمل الرجل منكم على أمور مما ولَّاني الله».
قوله: «هذا لك وهذا لي» في رواية عبد الله بن محمد: «هذا لكم، وهذا أُهدِيَ لي»، وفي رواية هشام: «فيقول: هذا الذي لكم، وهذه هدية أُهْدِيت لي» وقد تقدم ما في رواية أبي الزناد من الزيادة. فتح الباري (13/ 166).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«أَسْتَعْمِلُ رجالًا» أي: أجعلهم عُمَّالًا «ممَّا ولَّاني الله» أي: جَعَلَني حاكمًا فيه، «فيأتي أحدهم» أي: مِن العُمَّال، وَرُوعِي فيه الإجمال، ولم يُبيَّن عينه؛ سترًا وتَكرُّمًا عليه، «وهذه» أنَّثَ لتأنيث الخَبَر، وهي «هدية أُهدِيَت لي» أُعْطِيَت لي، أو أُرسِلَت إليَّ هدية. مرعاة المفاتيح (6/30ـ 31).

قوله: «فهلَّا جَلَسَ في بيت أبيه وبيتِ أمِّه حتى تأتيه هديَّتُه إن كان صادقًا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فهلَّا جَلَس في بيت أبيه وأمه فينظر أَيُهدى له أم لا؟» في رواية هشام: «حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا». فتح الباري (13/ 166).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في قوله: «أَلَا جَلَس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيُهدى إليه أم لا» دليل على أنَّ كلَّ أمْر يُتذرَّع به إلى محظور فهو محظور، ويدخل في ذلك القَرْض يَجُرّ المَنفعة، والدار المرهونة يَسكنها المُرتهِن بلا كِراء، والدَّابَّة المرهونه يركبها ويرتفق بها من غير عِوض، وفي معناه: مَن باع درهمًا ورغيفًا بدرهمين؛ لأنَّ معلومًا أنَّه إنَّما جَعَلَ الرَّغيف ذريعة إلى أن يربح فضل الدرهم الزائد، وكذلك كلُّ تَلْجِئَةٍ وكلُّ دخيل في العقود يجري مجرى ما ذكرناه، على معنى قول: «هلَّا قَعَد في بيت أمه حتى يَنظر أيُهدى إليه أم لا»، فيُنظَر في الشيء وقرينه إذا أُفرِد أحدهما عن الآخر، وَفُرِّق بين قِرانها هل يكون حُكْمُه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا؟ والله أعلم. معالم السنن (3/ 8).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أفلا قَعَد في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أَيُهدى إليه أم لا» يعني: أنَّ الذي يستخرج الهدايا من الناس للأمير إنما هو رهبة منه، أو رغبة فيما في يديه، أو في يدي غيره، ويستعين به عليه؛ فهي رشوة. المفهم (4/ 31).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فهلَّا»، وفي رواية «أَلا» بفتح الهمزة وتشديد اللام وهما بمعنى «جَلَسَ» أي: لِمَ لَمْ يجلس «في بيت أبيه أو بيت أمه»...، وفي رواية للشيخين: «في بيت أبيه وأمه» وفي رواية للبخاري: «في بيت أبيه وبيت أمه» أي: بالواو بدل أو، «فينظر» بالنصب جواب قوله: «فهلَّا جَلَسَ» أي: فيرى أو فينتظر، وقال القسطلاني: الظاهر أنَّ النَّظر ههنا من طريق العِلم، وتَوَقَّفَ فيه ابن هشام في مُغْنِية، وقال به أخرى، حكاه في المصابيح، «أيُهْدَى له» أي: شيء في بيته الأصلي، «أم لا»، وفي رواية للبخاري: «حتى تأتيه هدِيَّته إن كان صادقًا» والمعنى: لولا الإمارة والحكومة لم يُهْدَ له شيء، فهذا الّذي أهدى له إنَّما هو لإمَارَتِه وعمله، وهو الرشوة، فلا يحل له. مرعاة المفاتيح (6/30ـ 31).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أفلا جَلَسَ» أي: فهلَّا جَلَس «في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا» فيما يقول. الكوكب الوهاج (20/ 40).
قال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «فَهَلّا جَلَسَ في بيت أبيه وأمه، فينظر أيُهدى له أم لا»؛ وذلك أنَّ العامل اعتقد أن الذي يُهدى له يَستَبِد به دون أصحاب الحقوق التي عَمِلَ فيها، فبيَّن له النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الحقوق التي عَمِل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنَّه لو أقام في منزله لم يُهدَ له شيء، فلا ينبغي له أن يَسْتَحِلَّها بمجرد كونها وَصَلَت إليه على طريق الهدية، فإنَّ ذاك إنَّما يكون حيث يَتَمَحَّض الحق له. كوثر المعاني الدراري (12/ 466).

قوله: «فواللهِ لا يأخذ أحدُكم منها شيئًا بغيرِ حقِّه إلَّا جاءَ اللهَ يحمله يومَ القيامةِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«لا يأخذ أحَدٌ منها شيئًا»، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: «لا ينال أحد منكم منها شيئًا» وفي رواية أبي الزناد عند أبي عوانة: «لا يَغُلّ منه شيئًا إلَّا جاء به» وكذا وقع في رواية شعيب عند المصنف، وفي رواية معمر عند الإسماعيلي كلاهما بلفظ: «لا يغُل» بضم الغين المعجمة مِن الغُلُول، وأصله: الخيانة في الغنيمة، ثم استُعمِل في كلِّ خيانة. فتح الباري (13/ 166).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والله» أي: أَقْسَمْتُ بالإله الذي لا إله غيره «لا يأخذ أحد منكم» أيُّها العمَّال «منها» أي: من الهدايا «شيئًا» أي: قليلًا ولا كثيرًا، أو شيئًا من الأموال التي تُهدى إليكم «بغير حقه» أي: بغير استحقاقه «إلَّا لقي الله تعالى» حالة كونه «يحمله يوم القيامة» فضيحة له على رؤوس الأشهاد. الكوكب الوهاج (20/40، 41).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
«يحمله يوم القيامة» يُعَذَّب به. توفيق الرب المنعم (5/ 295).

قوله: «ألَا فَلَأعْرِفنَّ ما جاء اللهَ رجلٌ ببعيرٍ له رُغاءٌ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «فَلَأَعْرِفَنَّ» بلام جواب القَسَم، وفي بعضها: «فلا أَعْرِفَنَّ» بلفظ النهي و«ما جاء اللهَ» أي: مجيئه ربه، و«ما» مصدرية، أو موصوفة، أي: رجل جاء الله، و«رجلٌ» فاعلٌ لنحو يجيء، أو خبر مبتدأ. الكواكب الدراري (24/235، 236).
وقال العيني -رحمه الله-:
«فَلَأَعْرفَنَّ» أي: والله لأعرفن، قوله: «رُغَاء» هو صوتُ ذات الخُفِّ. عمدة القاري (24/ 124).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«ألَا فَلَأَعرِفَنَّ ما جاء اللهَ رجلٌ ببعير» يُحتمل أنْ تكون «ما» موصولة بمعنى: «مَن» أُطلِقَت هنا على صِفَة مَن يَعقل، وهو الجائي، و«رجل»: فاعلُ مقدَّرٍ، أي: جاءه رجل بكذا، أو كذا، أو يُحتمل أن تكون مَصدَريِّة، أي: فَلَأَعْرِفَنَّ مجيء رجل إلى الله بكذا أو كذا. مصابيح الجامع (10/ 120).
وقال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
«فلا أَعْرِفَنَّ أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء» (في رواية) يعني: يُحَذِّرُهُم، وهذه فضيحة كبيرة جدًا أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى أحدًا منهم كان في الدنيا عاملًا أمينًا، ويجده يوم القيامة خائنًا، فهو يقول: «لا أَعرفنَّ»، أي: لا تفضحوا أنفسكم، وتفضحوا دينكم، وتفضحوا نبيكم -صلوات الله وسلامه عليه- يوم القيامة؛ لذلك كانوا -رضي الله عنهم- يحاولون أن يستمروا على نفس الأخلاق ونفس الأعمال، فإذا كَبُر أحد منهم في السِّن، يحاول أن يواظب على ما كان عليه، يقولون له: ألَّا يشق على نفسه، فيقول: لقد كنتُ مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- على شيء أخاف أنْ ألقاه بغيره. شرح رياض الصالحين (3/ 9).

قوله: «أو ببقرةٍ لها خُوارٌ»:
قال الأصبهاني -رحمه الله-:
«الخُوَار»: صَوت البقر...، ويقال: جُؤار، والجؤار: لا يختص بالبقر. شرح صحيح البخاري (3/ 355).
‌وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«لها ‌خُوار» ويقال: جؤار {تَجْأَرُوْن} النحل:53: ترفعون أصواتكم، كما تجأر البقرة. التوضيح (10/ 414).

قوله: «أو شاةٍ تَيْعَرُ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «تَيْعَرُ» مِن اليُعَار، وهو: صوت الشّاء. أعلام الحديث (4/ 2280).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«تَيْعَرُ» بالكسر (في العين)، وقيل: بالفتح أيضًا من اليُعَار: صوت الشاة. الكواكب الدراري (23/ 99).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
لمَّا كان ‌الرُّغاء ‌والخُوار من الأصوات التي يسمعها البعيد كما يسمعها القريب؛ قال: «له رغاء» و«له خُوار» فلمَّا انتهى إلى الشاة جَعَل الصياح صفة لازمة لها؛ ليدل على أنَّها لا تزال تَيْعَر بين أهل الموقف؛ ليكون ذلك أنكل في العقوبة، وأبلغ في الفضيحة. الميسر (2/ 416).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اليُعَار: صوت الشاة الشديد، وهذا -والله أعلم- إذا لم يَردّ ذلك إلى أربابه على قَصْد التوبة، وذكره -عليه السلام- على المنبر؛ ليُنْقل فَيَقَع الامتناع منه. التوضيح (32/ 529).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«شاة تَيْعَرُ» أي: ترفع صوتها. الكوكب الوهاج (20/ 41).

قوله: «ثم رَفَعَ يديه حتى رأيتُ بياضَ إبطيه»:
‌قال ابن العربي -رحمه الله-:
«بياض ‌إبطيه» قال الإمام: كان هذا مِن جماله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّ كلَّ إبط أسود من سائر الناس... وكان منه -صلى الله عليه وسلم- ... عَطِرًا. المسالك (3/ 309).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
يعني: يُبالغ في رفع مِرْفَقيه وساعِدَيه عن الأرض مبالغة بحيث يَرى الأجنبيُّ ‌بياض ‌إبطيه؛ لشدة رفعهما. العدة في شرح العمدة (1/ 485).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: اختلف النَّاس في رفع اليدين في الدعاء في غير الصلاة، فكان بعضهم يختار إذا دعا الله تعالى في حاجته أن يشير بأصبعه السباّبة، ويقول: ذلك الإخلاص، ويكره رفع اليدين... عن عمارة بن روبية: أنَّه رأى بشر بن مروان رافعًا يديه على المنبر، فسبَّه وقال: «لقد رأيت رسول الله لا يزيد على هذا»... وكان بعضهم يختار أن يبسط كفَّيه رافعهما، ثم يختلفون في صفة رفعهما، حذو صدره بطونهما إلى وجهه، رُوي ذلك عن ابن عمر، وقال ابن عباس: إذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء، وكان علي بن أبي طالب يدعو بباطن كفَّيه، وعن أنس مثله... وكان آخرون يختارون رفع أيديهم إلى وجوههم، رُوي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير...
وكان آخرون يختارون رفع أيديهم حتى يحاذوا بها وجوههم وظهورها مما يلي وجوههم، وروى يحيى بن سعيد عن القاسم قال: رأيت ابن عمرو بن العاص يرفع يديه يدعو حتى يحاذي مَنكِبيه ظاهرهما يَلِيانه، وعن ابن عباس قال: ... وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه، وظاهرهما يلي وجهه فهو الابتهال...
قال الطبري: والصواب أن يقال: إنَّ كل هذه الآثار المروية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- متفقة غير مختلفة المعاني، وللعمل بكل ذلك وجه صحيح، فأمّا الدعاء بالإشارة بالأصبع الواحدة، فكما قال ابن عباس: إنَّه الإخلاص، والدعاء بَسْطُ اليدين، والابتهال رَفْعهما... وجائز أن يكون ذلك كان مِن النَّبي لاختلاف أحوال الدعاء، وجائز أن يكون إعلامًا منه بسعة الأمر في ذلك، وأن لهم فعلَ أيَّ ذلك شاءوا في حال دعائهم...
فإن قال: فقد جَعَلت للداعي رفع يديه في كل حال فما أنت قائل فيما روى يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدَّثه: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء، فإنّه كان يرفعهما حتى يُرى بياض إبطيه»؟
قيل: ... قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- رَفْع الأيدي في الدعاء مطلقًا من وجوه، منها:... قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن ربَّكم حَيِيٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يَرُدَّهما صَفْرًا». شرح صحيح البخاري (10/101- 104).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
يجوز أن تُرفع (الْيدان) على كل صفة، إلَّا أن العلماء -رحمهم الله- قالوا: ينبغي أن يَرفع يديه إلى صدره، وأن يضم بعضهما إلى بعض...، إلَّا عند الابتهال والمبالغة في الدعاء، فإنَّه يرفع يديه حتى يبدو ‌بياض ‌إبطيه، كما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل، ويَزداد في المبالغة في الدعاء في الاستسقاء؛ فإن الرسول دعا ورفع حتى كانت ظهور يديه إلى السماء من شدة الرفع. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 483).
قوله: «ألَا هل بلَّغتُ؟»، وفي لفظ عند البخاري: «اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ ثلاثًا»، وعند مسلم: «مرتين»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أَلَا» بالتخفيف «هل بَلَّغْتُ؟» بالتشديد «ثلاثًا» أي: أعادها ثلاث مرات، وفي رواية عبد الله بن محمد في الهبة: «اللهم هل بلَّغت؟ اللهم هل بلَّغت؟ ثلاثًا» وفي رواية مسلم قال: «اللهم هل بلَّغت؟» مرتين، ومثله لأبي داود، ولم يقل: مرتين، وصرَّح في رواية الحميدي بالثالثة: «اللهم بلَّغت؟» والمراد: بَلَّغتُ حكم الله إليكم؛ امتثالًا لقوله تعالى له: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} المائدة : 67، وإشارة إلى ما يقع في القيامة من سؤال الأمم: هل بلغهم أنبياؤهم ما أُرْسِلوا به إليهم؟ فتح الباري (13/ 166).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«اللهمَّ هل بلَّغت؟» بالتشديد، أي: قد بلَّغت، أو استفهام تقريري...، وكرَّر هذا؛ لتقرير وَعْظِهِ على الناس؛ ليكون أكثر وقعًا وتعظيمًا وحفظًا في خواطرهم، يعني: الله تعالى شِاهِدِيْ على تبليغ حال السَّرِقة حتى لا يُنكروا تبليغي يوم القيامة. مرعاة المفاتيح (6/ 32).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
كرَّر «اللهم هل بلَّغت؟»؛ تعظيمًا لشأن الخيانة، وتغليظًا لها، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (32/ 23).
قوله في لفظ عند مسلم: قال عروة: فقلت لأبي حميد الساعدي: أَسَمِعْتَه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: «مِن فِيْه إلى أُذُنِي»:
قال النَّووي -رحمه الله-:
«مِن ‌فِيه ‌إلى ‌أُذُني» فهذا تصريح من عروة بأنه سمعه من أبي حميد؛ فاتَّصل الحديث، ومع هذا فهو متصل بالطرق الكثيرة. شرح صحيح مسلم (12/ 221).

قوله في الرواية الأخرى: «سَمِعَ أُذُنَاي، وأَبْصرته عيني، وَسَلوا زيد بن ثابت؛ فإنَّه سَمِعَهَ معي»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وسلوا زيد بن ثابت؛ فإنه سَمِعَه معي» في رواية الحميدي: «فإنَّه كان حاضرًا معي» وفي رواية الإسماعيلي من طريق معمر، عن هشام: «يشهد على ما أقول زيد بن ثابت، يَحُكّ مَنْكِبُه مَنْكِبِي، رأى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل الذي رأيتُ، وَشَهِد مثل الذي شهدتُ» وقد ذكرتُ في الأيمان والنذور أنِّي لم أجده من حديث زيد بن ثابت. فتح الباري (13/ 167).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «بَصر عَيني، وسمع أُذُنِي» (كما في لفظ) معناه: أَعْلَمُ هذا الكلام يقينًا، وأبصَرَت عيني النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حين تكلَّم به، وسمِعَتْه أُذُنِي، فلا شك في عِلمِي به...، قوله: «وسلوا زيد بن ثابت؛ فإنَّه كان حاضرًا معي» فيه استشهاد الراوي والقائل بقول مَن يوافقه؛ ليكون أوقع في نفس السامع، وأبلغ في طمأنينته. شرح صحيح مسلم (12/220، 221).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث) من الفقه: أنّ هَدِيَّة العامل مردودة إلى بيت المال.
وفيه: دليل أنّ هَدِيَّة الغريم لصاحب الدَّين تجري مجرى الرّبا، إلَّا أن يقْتَصَّ مِن الحق، وكذلك سُكْنى المُرتهِن الدّار المرهونة في يده إلَّا أن يكون يُكرى مثلها.
وفيه: إبطال كُل ذريعة وتَلْجِئَة يُتوصَّل بها إلى نَفْعٍ لو انفرد بنفسه ولم يُضمَّن بغيره لم تطِب نَفْسُ صاحبه به. أعلام الحديث (4/2280، 2281).
وقال الخطابي -رحمه الله-أيضًا:
في هذا: بيانٌ أنَّ هدايا العمّال سُحْت، وأنَّه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة، وإنَّما يُهدى إليه للمحاباة، ولِيخفِّف عن المُهْدِي، وَيُسوّغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة منه، وبَخْسٌ للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله. معالم السنن (3/ 8).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: حيلة العامل لِيُهدى إليه إنَّما تكون بأن يَضَع من حقوق المسلمين في سعايته ما يُعوِّضُهُ مِن أجله الموضوع له، فكأنَّ الحيلة إنَّما هي أنْ وَضَع مِن حقوق المسلمين ليستجزل لنفسه، فاستدلَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على أنَّ الهدية لم تكن للمعوِّض فقال: «فهلّا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا» فغلَّب الظَّنَّ وأوجب أخذ الهدية وضمَّها إلى أموال المسلمين، قال غيره: وهذا الحديث يدل أن ما أُهْدي إلى العامل في عِمَالته، والأمير في إمارته؛ شكرًا لمعروف صَنَعَه أو تَحبّبًا إليه أنَّه في ذلك كله كأحد المسلمين لا فَضْل له عليهم فيه؛ لأنه بولايته عليهم نال ذلك، فإن استأثر به فهو سُحْت، والسُّحْت كلُّ ما يَأخذه العامل والحاكم على إبطال حق، أو تحقيق باطل، وكذلك ما يأخذه على القضاء بالحق، وقد رُوي عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «هدايا الأمراء غُلُول» والغُلُول معلوم أنَّه للمُوْجِفِين (الذين يوجِفُون بالخيل والرِّكاب) ولم يكن معهم، وعلى هذا التأويل كانت مقاسمة عمر بن الخطاب لعمَّاله على طريق الاجتهاد؛ لأنهم خَلَطوا ما يجب لهم في عمالتهم بأرباح تجاراتهم وسهمانهم في الفيء، فلمَّا لم يقف عمر على مبلغ ذلك حقيقة أدَّاه اجتهاده إلى أن يأخذ منهم نصف ذلك، وقد رُوي عن بعض السلف أنه قال: ما عدا مَن تَجَر في رعيته، وقد فَعَلَه عمر -رضى الله عنه- أيضًا في المال الذى دَفَعَه أبو موسى الأشعري بالعراق مِن مال الله إلى ابنيه عبد الله وعبيد الله، أراد عمر أن يأخذ منهم المال وربحه، فقال عثمان: لو جعلتَه قراضًا، أي: خُذ منهم نصف الربح، فَفَعَل ورأى أن ذلك صواب، وقد جاء معاذ بن جبل مِن اليمن إلى أبي بكر الصديق بِأَعْبُدٍ له، أصابهم في إمارته على اليمن، فقال له عمر: ادفع الأَعْبُد إلى أبي بكر، فَأَبى معاذ مِن ذلك، ثم إن معاذًا رأى في المنام كأنه واقف على نارٍ يكاد أن يقع فيها، وأنَّ عمر أَخَذَ بِحُجْزَتِه فَصَرَفَه عنها، فلمَّا أصبح قال لعمر: ما ظني إلّا أني أعطي الأَعْبُدَ أبا بكر، فقال له: وكيف ذلك؟ قال: رأيت البارحة في النوم رؤيا وما أظن ما أشرت به على في الأعبد إلا تأويل الرؤيا، فَدَفَعَها إلى أبي بكر، فرأى أبو بكر أن يَرُدَّهم عليه، فردَّهم عليه فكانوا عند معاذ، فاطَّلع معاذ يومًا فرآهم يصلُّون صلاة حسنة فأعتقهم. شرح صحيح البخاري (8/333، 334).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في إنكار النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أَخْذها باسم الهديَّة، وأنَّ عقابه عقاب الغالِّ، كما ذكر في الحديث مِن أنَّه يجيء به على عُنُقِه، كما ذكر في الغَالِّ، مطابق لقوله: «هدايا الأمراء غُلُول» وإنْ كان ذلك كأنَّه خيانة لله تعالى وللمسلمين، إمَّا لأنَّه يأخذه لنفسه منهم باسم الهدية؛ ليسامحهم في بقيَّة ما يأخذ منهم، فهي خيانة للطائفتين، أو لأجل مجرد ولايته، والتَّصنع إليه بما يُهدى إليه، فهي خيانة لأمانة الله، وكُلّه غُلُول، وبيّن له النَّبي -صلى الله عليه وسلم- عِلة المنع من ذلك، وأنَّه إنَّما يُهدى إليه لِمَا ذكر لقوله: «هلّا جَلَس في بيت أبيه وأمه، فينظر هل يُهدى له». إكمال المعلم (6/236، 237).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل دلالة صحيحة واضحة على أنَّ هدايا الأمراء والقضاة وكلِّ مَن وُلِي أمرًا مِن أمور المسلمين العامة لا تجوز، وأنَّ حُكْمَها حُكْم الغُلُول في التغليظ والتحريم؛ لأنَّها أكل المال بالباطل ورِشًا، وهو قول مالك وغيره. المفهم (4/ 31).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
وليس لأحد أن يتمسَّك في استباحة هدايا الأمراء بأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقبل الهديَّة، ولا بما يُروى أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أباح لمعاذ الهديَّة حين وَجَّهَه إلى اليمن.
أما الجواب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فمن وجهين:
أحدهما: أنه كان لا يقبل الهدية إلا مِمَّن يعلم أنَّه طيّب النفس بها، ومع ذلك فكان يكافئ عليها بأضعافها غالبًا.
والثاني: أنه -صلى الله عليه وسلم- معصوم عن الجَور والميل الذي يُخاف منه على غيره بسبب الهدية.
وأمَّا عن حديث معاذ، فلأنَّه لم يَجِئ في الصحيح، ولو صَحّ لكان ذلك مخصوصًا بمعاذ؛ لما عَلِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن حاله، وتحققه من فضله ونزاهته ما لا يشاركه فيه غيره، ولم يُبِحْ ذلك لغيره، بدليل هذه الأحاديث الصحاح، والله تعالى أعلم. المفهم (4/32، 33).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: بيان أن ‌هدايا ‌العمال حرام وغُلُول؛ لأنَّه خانَ في ولايته وأمانته، ولهذا ذَكَر في الحديث في عقوبته وحَمْلِه ما أُهْدِي إليه يوم القيامة، كما ذَكَر مثله في الغَالِّ، وقد بيّن -صلى الله عليه وسلم- في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنَّها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل فإنَّها مستحبة، وقد سبق بيان حُكم ما يقبضه العالِم ونحوه باسم الهدية، وأنَّه يردُّه إلى مُهدِيه، فإن تعذَّر فإلى بيت المال. شرح صحيح مسلم (12/ 219).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث من الفوائد: أنَّ الإمام يَخطب في الأمور المهمة.
واستعمال "أما بعد" في الخطبة كما تقدم في الجمعة.
ومشروعية محاسبة المؤتَمَن...
ومنع العمال من قبول الهدية مِمَّن له عليه حكم...، ومحل ذلك: إذا لم يأذن له الإمام في ذلك؛ لما أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن فقال: «لا تُصيبَنَّ شيئًا بغير إذني؛ فإنَّه غُلول».
وقال المهلب: فيه أنَّها إذا أُخِذَت تُجعل في بيت المال، ولا يَخْتَصّ العامل منها إلَّا بما أَذِن له فيه الإمام، وهو مبني على أن ابن اللُّتْبِيَّة أَخَذَ منه ما ذكر أنه أُهْدِي له، وهو ظاهر السياق، ولا سيما في رواية معمر قَبْل، ولكن لم أرَ ذلك صريحًا.
ونحوه قول ابن قدامة في المغني لمَّا ذَكَر الرشوة: وعليه ردُّها لصاحبها، ويُحتمل أنْ تُجعل في بيت المال؛ لأنَّ النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر ابن اللُّتْبِيَّة بردِّ الهدية التي أُهديت له لمن أهداها...
وفيه: إبطال كل طريق يَتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ.
وقال ابن المنير: يؤخذ من قوله: «هلَّا جلس في بيت أبيه وأمه» جواز قبول الهدية ممَّن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال، ولا يخفى أنَّ محلَّ ذلك إذا لم يزد على العادة.
وفيه: أنَّ مَن رأى متأوِّلًا أخطأ في تأويلٍ يضر مَن أخذ به، أن يُشهِر القول للناس، ليُبَيِّن خَطَأَه؛ ليُحَذّر من الاغترار به.
وفيه: جواز توبيخ المُخطئ، واستعمال المفضول في الإمارة والإمامة والأمانة مع وجود مَن هو أفضل منه.
وفيه: استشهاد الراوي والناقل بقول مَن يوافقه؛ ليكون أوقع في نفس السامع وأبلغ في طمأنينته، والله أعلم. فتح الباري (13/ 167).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قال المهلب: حيلة العامل ليُهدى له تقع بأن يسامِح بعضُ مَن عليه الحق فلذلك قال: «هلَّا جلس في بيت أمه؛ لينظر هل يُهدى له» فأشار إلى أنَّه لولا الطَّمع في وَضْعِهِ من الحق ما أهدِيَ له، قال: فأوجب النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أَخْذ الهدية، وضمَّها إلى أموال المسلمين، كذا قال، ولمْ ‌أَقِفْ ‌على ‌أَخْذ ذلك منه صريحًا. فتح الباري (12/ 349).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
في "شرح الأقطع": الفرق بين الرشوة والهدية: أنَّ الرشوة يُعطيه بشرط أن يُعينه، والهدية لا شَرْط معها، والأصل فيه ما في البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: «استَعْمَلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا مِن الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِيَّة على الصدقة...» وساق الحديث وقال: قال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هدية، واليوم رشوة، ذكره البخاري، واستعمل عمر أبا هريرة فقدِم بمالٍ فقال له: مِن أين لك؟ قال: تلاحقت الهدايا، فقال له عمر: أي عدو الله هلَّا قَعَدت في بيتك فتنظر أيُهدى لك أم لا؟ فأخذ ذلك منه فَجُعل في بيت المال، وتعليل النبي -صلى الله عليه وسلم- دليل على تحريم الهدية التي سببها الولاية، ولهذا لو زاد المهدي على المُعتاد أو كانت له خصومة كَرِه عندنا، وعند الشافعي هو محرَّم كالرشوة، هذا ويجب أن يكون هدية المستقرِض للمُقرض كالهدية للقاضي، إن كان المستقرِض له عادة قبل استقراضه فأهدى إلى المُقرِض، فللمُقرِض أن يقبل منه قدْر ما كان يهديه بلا زيادة، انتهى مختصرًا. الحاشية على صحيح البخاري (14/ 112).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
دلَّ الحديث على أنَّ العامل لا يجوز له قبول الهدية أثناء عمله، إلَّا مِمَّن كان يهدي إليه قبل أن يتولى العمل، فإنَّ الظاهر أن مَن يهدي إليه بصفة كونه عاملًا لا يفعل ذلك إلَّا تقرّبًا إليه، واستغلالًا، ومِن طبيعة البشر أنَّه يلين لمَن يَهدي إليه هدية، فرُبَّما يؤدي ذلك إلى المداهنة في الأعمال، فتكون هذه الهدية كالرشوة، أمَّا مَن تبيّن منه أنَّه لا يُهدى إليه إلَّا حبًّا لذاته، ولا يُبتغى بذلك إلَّا وجه الله، فالظاهر أنَّه لا يدخل في وعيد هذا الحديث -إن شاء الله تعالى-، ويكون مثل هؤلاء المخلصين قليلًا نادرًا، والنفاق ربَّما يَتزيّا بزِيّ الإخلاص؛ كان الاجتناب من قبولها في جميع الأحوال أولى وأسلم، اهـ من التكملة. الكوكب الوهاج (20/ 39).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
الوعيد على الغلول وكتمان شيء من مال العمل.


إبلاغ عن خطأ