الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«لا تُقتل نفسٌ ظُلمًا إلا كانَ على ابنِ آدم الأوَّلِ كِفْلٌ من دَمِها؛ لأنَّه كان أوَّلَ مَن ‌سَنَّ ‌القَتل».


رواه البخاري برقم: (3335)، ومسلم برقم: (1677)، من حديث عبد الله مسعود -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«كِفْلٌ»:
الكِفْلُ: النَّصيب. العين، للفراهيدي (5/ 373).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «لا تُقتل نفسٌ ظلمًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «تُقتل» على صيغة المجهول. عمدة القاري (25/ 53).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لا تُقتل نفس ظلمًا...» يَدخُل فيه بحكم عمومه ‌نفْسُ ‌الذِّمِّي والمُعاهِد إذا قُتلا ظلمًا؛ لأنَّ نفسًا نكرة في سياق النفي، فهي للعموم. المفهم (5/ 40).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا تُقتل نفس» مُحرَّم قتْلها بإيمان أو أمان. الكوكب الوهاج (18/ 368).

قوله: «إلا كانَ على ابنِ آدم الأوَّلِ»:
قال الطبري -رحمه الله-:
أهل العلم يختلفون في اسم قابيل، فيقول بعضهم: هو ‌قين ‌بن آدم، ويقول بعضهم: هو قايين بن آدم، ويقول بعضهم: هو قاين، ويقول بعضهم: هو قابيل. تاريخ الرسل والملوك (1/ 137).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أراد بـ«ابن آدم الأول» قابيل؛ فإنه قتل أخاه هابيل، وهو أول قاتل في العالم، ويدل هذا أنَّ قابيل أوَّلُ وَلَدٍ وُلِد من آدم.
قوله: «ابن آدم الأول» «الأول» صفة للابن، لا لآدم؛ لأنَّه لم يكن آدم أكثر من واحد حتى يكون هو أولهم، وقد بَلَغَنا أنَّ بعض الجُهَّال يقولون: إنَّه قد كان قبل آدم هذا سبعة أوَادِم، وهذا القول كُفْر، بل لم يكن آدم غير آدم الذي هو أبو البشر. المفاتيح (1/ 312).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «على ابن آدم الأول» إنَّما قيَّد ابن آدم بـ«الأوَّل»؛ لئلَّا يُشْبَه؛ لأن في بني آدم كثرة. للطيبي (2/ 671).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ابن آدم المذكور هنا هو: قابيل؛ إذ قَتَل أخاه هابيل لمَّا تنازعا في تزويج إقليما، وقصتهما مشهورة. التوضيح (19/ 289).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «على ابن آدم الأول» هو قابيل عند الأكثر، وعَكَسَ القاضي جمال الدين بن واصل في تاريخه فقال: اسم المقتول قابيل، اُشتُقَّ مِن قبول قربانه...، وعن الحسن: لم يكن ابن آدم المذكور وأخوه المقتول من صلب آدم، وإنَّما كانا من بني إسرائيل، أخرجه الطبري.
وعن مجاهد: أنَّهما كانا وَلَدَيْ آدم لِصُلبه، وهذا هو المشهور، وهو الظاهر من حديث الباب؛ لقوله: «الأول» أي: أول من وُلِدَ لآدم، ويقال: إنَّه لم يُولد في الجنة لآدم غيره وغير توأمته، ومِن ثَمَّ فَخَرَ على أخيه هابيل فقال: نحن من أولاد الجنة، وأنتم من أولاد الأرض، ذكر ذلك ابن إسحاق في "المبتدأ". نيل الأوطار (13/ 119).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
ابن آدم المذكور: هو قابيل، والمقتول: هابيل، وهما المذكوران في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} المائدة: 27. تطريز رياض الصالحين (ص140).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
...وعن الحسن: ذُكِر لي أنَّ هابيل قُتِل وله عشرون سنة، ولأخيه القاتل خمس وعشرون سنة، وتفسير هابيل: هبة الله، ولمَّا قُتِل هابيل، وحَزِن عليه آدم وُلِد له بعد ذلك شيث، ومعناه: عطية الله، ومنه انتشرت ذرية آدم.
وقال الثعلبي: ذَكَرَ أهل العلم بالقرآن أنَّ حواء وُلدت لآدم أربعين نفسًا في عشرين بطنًا، أولهم قابيل وأخته إقليما، وآخرهم عبد المغيث، وأمة المغيث، ثم لم يمت حتى بَلَغ ولده، وولد ولده أربعين ألفًا، وهلكوا كلهم، فلم يبق بعد الطوفان إلا ذرية نوح، وهو من نسل شيث، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} الصافات: 77، وكان معه في السفينة ثمانون نفسًا، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} هود: 40، ومع ذلك فما بقي إلا نسل نوح، فتوالدوا حتى ملؤوا الأرض. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الحكايات مُعظمها تكون من الإسرائيليات، فالله تعالى أعلم بصحتها. البحر المحيط الثجاج (29/ 259).

قوله: «كِفْلٌ مِن دَمِها»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
الكِفْلُ: النَّصيب، ومنه قول الله -عز وجل-: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} الحديد: 28. أعلام الحديث (3/ 1529).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
...يعنى: إثمًا؛ لأنه أول مَن ‌سنَّ ‌القتل، فاستَنَّ به القاتلون بعده، وهذا نظير قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن سنَّ سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سُنَّة سيئة كان عليه وِزْرها وَوِزر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة». شرح صحيح البخاري (8/ 497).
وقال المازري -رحمه الله-:
الكِفْلُ: -بكسر الكاف-: الجزء والنصيب، ومنه قول الله تعالى: {يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} النساء: 85. المعلم بفوائد مسلم (2/ 380).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«كِفْل» أي: نصيب من دم كلِّ امرئ يُقتل ظلمًا. تحفة الأبرار (1/ 152).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«كِفْلٌ من دَمِها» ... الضمير في «دمها» راجع إلى النفس، في قوله: «لا تُقتل نفسٌ» يعني: كلُّ قَتْل باطل يجري بعد قابيل إلى نفخة الصور يكون لقابيل نصيب من ذلك الإثم، وهذا الحديث نظير قوله: «ومن سَنَّ سنةً...» إلى آخر الحديث. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 312).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«الكِفْلُ»: النصيب والحَظّ، يُقال للحظِّ الذي فيه الكفاية: الكِفْلُ، كأنَّه تَكفَّل بأمر صاحبه، وكم مِن مِثل هذه الألفاظ قد استُعمِلت في معانٍ قد اختُصَّت بها، ثم شاعت واتسعت في غيرها، وحقيقة المعنى في قوله: «كِفْل مِن دمها» أي: نصيب، تَكفَّل بأمره، فهو فيه جزاء ما ارتكبه من الإثم، وعقوبة ما سَنَّه من القتل.
ويجوز أن يكون «الكِفل» بمعنى الكفيل، يعني: أنَّه أقام كفيلًا بفعله الذي سنَّه في الناس يُسْلِمه إلى عذاب الله، انتهى كلامه. الكاشف (2/ 671).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الكِفْل: -بكسر الكاف وإسكان الفاء- النصيب والجُزْء، وقال الخليل: الكِفل من الأجر والإثم: هو الضِّعف، وفي التنزيل: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} النساء: 85، وأما قوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} الحديد: 28 فلعله من تغليب الخير. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (19/ 288).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «كِفْلٌ» الكِفْلُ: الحظ والنصيب والمِثل، وكأن الكِفْل فيما نحن فيه: الوِزر؛ لِتَضَمُّنِه معنى الكفالة والضمان، ويُستأنس له بقوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} النساء: 85، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (1/ 545).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«كِفْلٌ» بكسر الكاف وسكون الفاء: أي: نصيب «مِن» إثم «دمها؛ لأنَّه كان أول مَن ‌سَنَّ ‌القتل» فَفَعَلَهُ بأخيه، فكلّ مَن فعله بعده مُقتدٍ به، ولو بواسطة أو وسائط. دليل الفالحين (2/ 448).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
أكثر ما يُطلق (الكِفْل) على الأجر، كقوله تعالى: {كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} الحديد: 28، ويُطلق على الإثم كقوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} النساء: 85. نيل الأوطار (13/ 119).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
مِن سُنَّة الله -عز وجل-: أنَّ مَن سَنَّ سُنَّةً لم تَكُنْ مِن قَبل فابتدعها للناس، أنَّه لا يَزَالُ يقع على مُبدعها كِفْلٌ منها من أجرٍ أو وزرٍ ما دام يفعلها الناس. فيض الباري (6/ 530).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّ كلَّ نفس تُقتل بغير حق فعلى القاتل الأول من إثمها نصيب -والعياذ بالله-، وهكذا -أيضًا- مَن ‌سَنَّ ‌القتل بَعد أَمْنِ الناس وصار يَغتال الناس وما أشبه ذلك، وتَجَرَّأ الناسُ على هذا؛ مِن أجل فِعْله، فإنَّ عليه من الإثم نصيبًا؛ لأنه هو الذي كان سببًا في انتهاك هذا، ومَن سَنَّ سُنَّة سيئة فعليه وِزْرها وَوِزْر مَن عَمِلَ بها إلى يوم الدين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دُعاة الخير وفاعليه، إنه جواد كريم. شرح رياض الصالحين (2/ 548).

قوله: «لِأنَّه كانَ أوَّلَ مَن ‌سَنَّ ‌القَتل»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «‌سَنَّ ‌القتل» سَنَّ وأسَنَّ: لغتان صحيحتان. الكوكب الدري (3/ 367).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «لأنَّه أول مَن ‌سنَّ ‌القتل» ظُلمًا. صحيح البخاري (3/ 253).
وقال الشيخ حسن أبو الأشبال - حفظه الله -:
«‌سَنَّ ‌القتل» أي: أَحْدَثَه. شرح صحيح مسلم (70/ 3).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أوَّل مَن سنَّ القتل» فهو مَتْبوع في هذا الفعل، وللمَتبوع نصيب مِن فِعل تابِعِه وإنْ لم يقصد التابع اتِّباعه في الفعل، والله تعالى أعلم. الحاشية على سنن النسائي (7/ 82).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لأنَّه أوَّل مَن ‌سنَّ ‌القتل» نصٌّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنَّه لمَّا كان أول مَن قَتَل كان قتلُه ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده، وتعليمًا له، فمن قَتَل كأنَّه اقتدى به في ذلك، فكان عليه مِن وِزْرِه، وهذا جارٍ في الخير والشَّرِّ؛ كما قد نصَّ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتقدم بقوله: «من سنَّ في الإسلام سُنة حسنة...» الحديث، وبِهذا الاعتبار يكون على إبليس كِفْل من معصية كلِّ مَن عصى بالسجود؛ لأنَّه أول مَن عصى به.
وهذا -والله أعلم- ما لمْ يَتُبْ ذلك القاتل الأول مِن تلك المعصية؛ لأنَّ آدم -عليه السلام- أول مَن خالفَ في أكْلِ ما نُهِي عنه، ولا يكون عليه شيء مِن أوزار مَن عصى بأكل ما نُهِي عنه، ولا شُرْبِه مِمَّن بعده بالإجماع؛ لأنَّ آدم -عليه السلام- تاب من ذلك، وتاب الله عليه، فصار كأنْ لم يَجْنِ؛ فإنَّ التائب مِن الذَّنب كمن لا ذنب له، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 41).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: لا تَزِرُ وازرة وزر أخرى، قلتُ: هذا جزاء التأسيس وهو فِعْلُ نفسه. الكواكب الدراري (13/ 230).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أوَّل مَن ‌سَنَّ ‌القتل» أي: جَعَلَه طريقة مُتَّبَعة. السراج المنير (1/ 220).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أول مَن ‌سَنَّ ‌القتل» أي: أوَّل مَن أبرَز هذه المعصية ونَبَّه عليها، وعرَّف الناس بها. التنوير (2/399، 400).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ابن آدم المذكور هنا هو: قابيل، قَتَل أخاه هابيل لمَّا تنازعا تزويج إقليمياء، فأمرهما آدم أن يُقرِّبا قُربانًا، فمَن تُقبِّل منه قربانُه كانت له، فتُقُبِّل قُربان هابيل، فَحَسَدَهُ قابيل؛ فَقَتَلَهُ بغيًا وعدوانًا، هكذا حكاه أهل التفسير. المفهم (5/ 41).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ذَكَر ‌السُّدِّيُّ في تفسيره عن مشايخه بأسانيده: أن سبب قتل قابيل لأخيه هابيل: أن آدم كان يُزَوّج ذَكَر كلِّ بطن من وَلَدِه بأنثى الآخر، وأنَّ أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل، فأراد قابيل أن يستأثر بأخته فَمَنَعَه آدم، فلمَّا أَلَحَّ عليه أمَرَهُما أن يُقرِّبا قربانًا، فقرَّب قابيل حُزمة من زرْع وكان صاحب زرع، وقرَّب هابيل جذعة سَمينة وكان صاحب مواشي، فنزلت نار فَأَكَلَت قربان هابيل دون قابيل، وكان ذلك سبب الشَّر بينهما، وهذا هو المشهور.
ونقل الثعلبي بسند واهٍ عن جعفر الصادق: أنَّه أنكر أن يكون آدم زوَّج ابنًا له بابْنَةٍ له، وإنَّما زوَّج قابيل جِنِّيَّة، وزوَّج هابيل ‌حُورِيَّة، فَغَضِب قابيل، فقال: يا بُنَيَّ ما فعلتُه إلا بأمر الله، فقرَّبا قربانًا، وهذا لا يثبت عن جابر ولا عن غيره، ويلزم منه أنَّ بَنِي آدم من ذرية إبليس؛ لأنَّه أبو الجن كلهم، أو من ذرية الحور العين، وليس لذلك أصل ولا شاهد. فتح الباري (6/ 369).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
تنبيه: اختُلِف في كيفية قَتْله، وموضعه: فعن السدي: شَدَخَ رأس أخيه بحجر فمات، وعن ابن جريج: تَمَثَّل له إبليس، فأخذ بحَجَر فشدخ به رأس طير، ففعل ذلك قابيل، وكان ذلك على جبل ثور، وقيل: على عقبة حِراء، وقيل: بالهند، وقيل: بموضع المسجد الأعظم بالبصرة، وكان من شأنه في دفنه ما قصَّه الله تعالى في كتابه. قاله في الفتح.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاختلافات... لا يُعتَمَد على شيء منها؛ إذ لا تَعْتَمِد على حُجَّة، فلا ينبغي الركون إليها، وإنَّما الركون والاعتماد على ما قصَّه الله في كتابه العزيز فقط، حيث قال الله سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} المائدة: 27، إلى قوله عز وجل: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} المائدة: 31، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (29/ 259).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الحسد أوَّل معصية عُصِي اللهُ بها في السماء، وأول معصية عُصي الله بها في الأرض، أوَّل مَن حَسَدَ في السماء إبليس؛ حَسَدَ آدم -عليه السلام- فلم يَسْجد له، وأول من حَسَد في الأرض قابيل فَقَتَل هابيل، فكان الحَسَد حاملًا لإبليس على الكفر، وحاملًا لقابيل على القتل. فتح القريب المجيب (1/ 612).
وقال الفيومي -رحمه الله- أيضًا:
«إلَّا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها؛ لأنَّه أول من سَنَّ القتل» فإذا كان هذا في العقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى. فتح القريب المجيب (1/ 762).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
كلُّ معصية اخْتَصَّت بصاحبها ولم تَتَعَدَّهُ فَوِزرُها مقصور عليه، وكلَّما تعدَّتْه فإنَّه يَتَعَدَّى، والتَّعدِّي يكون بوجهين: يكون بالفِعْل نفسه، ويكون بتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، والتعليم من أعظم أنواع التَّعدّي، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن نفس تُقتل إلَّا وعلى ابن آدم الأوَّل كِفْل منها؛ لأنَّه أوَّل مَن ‌سَنّ ‌القتل»، ويشهد له قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} النساء: 85، وقوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} العنكبوت:13. المسالك (3/ 485).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث من قواعد الإسلام، وهو أنَّ كلَّ من ابتدع شيئًا من الشَّرِّ كان عليه مثل وزر كلِّ من اقتدى به في ذلك العمل، مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئًا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح: «منَّ سَنَّ سنة حسنة...، ومن سن سنة سيئة...» وللحديث الصحيح: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»، وللحديث الصحيح: «ما من داع يدعو إلى هدى...وما مِن داعٍٍ يدعو إلى ضلالة...»، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (11/ 166).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: فيه الأخذ بالمآل، والحديث على معنى الوعيد، وهذا الباب والذي قبله في معنى التحذير من الضلال، واجتناب البدع، ومُحدثات الأمور في الدّين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين المتَّبِعين لسنة الله، وسنة رسوله التي فيها النجاة. شرح صحيح البخاري (10/ 366).
وقال المازري -رحمه الله-:
هذا الحديث أصلٌ في أنَّ المعونة على ما لا يَحِل لا تَحِل، وقال الله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة: 2، وقد جعل الدال على الخير كفاعله، وهكذا الدال على الشر كفاعله، ولعل القتل إنما كان في الناس على جهة التَّعليم، فَأَخَذَه واحدٌ عن واحد عن آخر، حتى ينتهي إلى ابن آدم الأول، وهكذا التعليم في البِدَع والضلالات، يكون على مُعلّمِها الأول كِفْل منها، وهكذا على قياسه يكون للمعلّم الأول للهدى والحقائق نصيب من الأجر. المعلم (2/380، 381).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في هذا الأخذ بالمآل؛ والسبب: لمَّا كان هو سببها، واقتدى فاعلها به في خيره أو شرِّه، كُتِب له مثل أجر العامل بذلك، أو وِزره، وإنْ لم يكن له في ذلك عَمَل، كما جاء في خبر ابن آدم القاتل لأخيه أنَّ عليه كِفلًا مِن كل نفس قُتِلت؛ لأنَّه أول مَنْ سَنَّ القتل، وقد يكون له نية في أن يعمل بها مَن بعده؛ فيكون بهذا جزاؤه على نيته أو وزره. إكمال المعلم (8/ 171).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: شِدَّة التحذير مِن سَنّ السُّنن السيئات، وأنَّها لا تزال تَتَجدَّد على الذي سنَّها أولًا بأذى كلّما تَجدَّدَ مِن تلك السُّنَّة السَّيِّئة فِعْل يشابه فِعل الفاعل الأول، فليكن الإنسان شديد الحذر من المعاصي على الإطلاق، وليكن أشد حذرًا من كلِّ شيء يستمر ويبقى ويكون عُرْضة لأنْ يَعمل به غيره. الإفصاح (2/ 29).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
للمتقدم في الخير والشر أَثَرٌ يزيد به على غيره. كشف المشكل (1/ 280).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: ما تَرْجَم له المصنّف (النسائي) -رحمه اللَّه تعالى-، وهو: بيان تحريم دم المسلم إلا بالحق، كما قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} الآية الإسراء: 33. ذخيرة العقبى (31/ 247).


إبلاغ عن خطأ