«يُخَرِّب الكعبة ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ من الحَبَشَة».
رواه البخاري برقم (1591)، ومسلم برقم: (2909)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي البخاري برقم: (1595)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، ولفظه: «كأني به أسود أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجرًا حجرًا».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (7053)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: «يُخرب الكعبة ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ من الحبشة ويَسْلُبُها حِلْيَتَهَا، ويُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِها، ولكأني أنظر إليه أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ، يَضْربُ عليها بِمِسْحَاتِهِ ومِعْوَلِهِ».
سلسلة الأحاديث الصحيحة تحت رقم: (2743).
مختصر شرح الحديث
جاءت السُّنَّةُ النبويّةُ ببيانِ جملةٍ من أحداثِ آخرِ الزمان، ومن ذلك: ما يتعلّقُ ببيتِ اللهِ الحرام، الذي جعله اللهُ مثابةً للناس وأَمْنًا، حيث وردت الأخبارُ عمّا يقعُ له في آخرِ الزمان عند تغيُّرِ الأحوال وذهابِ أهلِ الإيمان، ومن ذلك: قولُه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيْقَتَيْنِ من الحبشة»، أي: أنَّ رجلًا مِن الحبشة -وهُم قومٌ من السُّودان- يتولَّى هدمَ الكعبة في آخرِ الزمان.
و«ذو السُّوَيْقَتَيْنِ» وصفٌ له؛ أي: دقيقُ الساقين جدًّا، صُغِّرت سَاقاهُ تحقيرًا لشأنِه وضَعْفِ خِلقته، ومع ذلك يُسلَّط على أعظمِ بيتٍ في الأرض؛ إشارةً إلى تغيُّرِ الأحوال وذهابِ التَّعظيم له.
وقد وصَفه النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وصفًا دقيقًا كأنَّه يُرى، فقال: «كأنِّي به أسودُ أَفْحَجُ، يَقْلَعُها حَجَرًا حَجَرًا»، وفي رواية: «أُصَيْلِعٌ أُفَيْدِعٌ، يَضْرِبُ عليها بمِسْحاته ومِعْوَلِه»، وفيه بيانُ شدَّةِ التَّخريب وتَتَابُعه، وأنَّه يَهْدِمُها شيئًا فشيئًا حتى يُزيلَها. وفي بعضِ الروايات أنَّه يَسلبُها حِلْيَتَها، ويُجرِّدُها مِن كسوتِها، فيجمعُ بذلك بين الهدمِ والتجريد، ويكونُ ذلك قُربَ قيامِ السَّاعة، حين يَضْعُفُ الإيمانُ أو يذهبُ أهلُه، فلا يبقى مَن يُعظِّمُ البيتَ ويحفظُ حُرْمَتَه، فحينئذٍ يُسلَّطُ عليه هذا الرَّجل، لا امتهانًا له ابتداءً، ولكن لزوالِ مقصوده الذي كان قائمًا بتعظيمِ المؤمنين له.
ولا يُعارِضُ هذا ما ورد من كونِ مكةَ حَرَمًا آمنًا؛ لأنَّ ذلك مقيَّدٌ بوجودِ الإيمان وأهلِه، فإذا انقرضوا في آخرِ الزمان ارتفع هذا الوصف.
وفي الحديث: إخبارُه -صلّى الله عليه وسلّم- عمّا يقعُ في آخرِ الزمان، وهو من الأمورِ الغيبيّةِ التي يجبُ الإيمان والتصديق بها ؛ فإنَّه لا ينطقُ عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحى.
وفيه: بيانُ ما يكون في آخر الزمان مِن ضَعْفِ تعظيم شعائر الله، حتى يصل الأمر إلى التسلُّط على أعظم بيتٍ على وجه الأرض.
وفيه: إشارةٌ إلى ضعفِ الإيمانِ وذهابِ أهلِه في آخرِ الزمان.
غريب الحديث
«ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ»:
السُّوَيقة: تصغير السَّاق، وهي مؤنثة؛ فلذلك ظَهَرت التاء في تصغيرها، وإنَّما صغّر الساق؛ لأن الغالب على سُوق الحَبَشَة الدّقة والحُموشة. النهاية، لابن الأثير (2/ 423).
«أَفْحَجَ»:
الفَحَجُ: تَباعُدُ ما بين الساقَيْن في الإنسان والدَّابَّة، والنعْتُ: أفحَجُ وفَحْجاءُ، ويُقال: لا فَجَحٌ فيها ولا صَكَكٌ (تقارب الركبتين). العين، للفراهيدي (3/ 85).
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
الأفلجُ: الذي اعوجاجُه في يده، فإنْ كانَ في رِجليه فهو أفْحَجُ. الغريب المصنف (1/ 322).
«حِلْيَتَهَا»:
الحِلْيَةُ بالكسر: الحُلِي... وحَلَّاهَا تَحْلِيَةً: أَلْبَسَها حُلِيًا، أو اتخذه لها. القاموس المحيط، للفيروز آبادي (ص: 1276)
«أُصَيْلِعَ»:
تصغير الأصلع الذي انحسر الشعر عن رأسه. لسان العرب، لابن منظور (8/ 204).
«أُفَيْدِعَ»:
الفَدَعُ بالتحريك: زَيغ بين القدم وبين عَظم الساق، وكذلك في اليد، وهو أن تَزُول المفاصل عن أماكنها. وفي صفة ذي السُّوَيْقَتَيْنِ الذي يهدم الكعبة: «كأني به أُفَيْدِعَ أُصَيْلِعَ»، أُفَيْدِع: تصغير أَفْدَع. والفَدَعَة: موضع الفَدْعِ. والأَفْدَعُ: الظَّلِيم (ذَكَر النعام)؛ لانحراف أصابعه، صفة غالبة، وكل ظَلِيم أَفْدَع؛ لأن في أصابعه اعوجاجًا. لسان العرب، لابن منظور (8/ 246)
«بمِسْحَاتِه»:
كالمجرفة إلا أنها من حديد. مختار الصحاح، للرازي (ص: 144)
«مِعْوَلِهِ»:
المِعْول: الفأس العظيمة التي يُنقر بها الصَّخر، وجمعها مَعَاول. لسان العرب، لابن منظور (11/ 487).
شرح الحديث
قوله: «يُخَرِّب الكعبة ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«يُخَرِّب» بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وكسرها، مِن التخريب. مصابيح الجامع (4/ 121).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «يُخْرِّب الكعبة» بضم الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء المكسورة، من التَّخريب، وبإسكان الخاء وتخفيف الراء المكسورة، مِن الإخراب، والجملة فعل ومفعول، والفاعل قوله: «ذو السويقتين». مرعاة المفاتيح (9/ 486).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
السُّوَيقة: تصغير الساق، يريد به: رَجُلًا حبشيًّا دقيق الساق. تحفة الأبرار (3/ 345).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«السُّوَيقَتَيْن»: تثنيةٌ، واحدتها: سُويقة، وهي تصغير ساق، والسَّاق مُؤنَّث سماعية، والمؤنث السماعية إذا صُغِّرت رُدَّت في تصغيرها الهاء المُقدَّرة فيما قبل التصغير. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 362).
وقال جلال الدين السيوطي -رحمه الله-:
«ذو السويقتين»...، زاد أحمد: «فلا يَعْمُر بعده أبدًا»، وذلك قرب الساعة، وهو مِن أشراطها. التوشيح شرح الجامع الصحيح (3/ 1267).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ذو السويقتين مِن الحبشة»...، أي: هو دقيقهما جدًّا، والحبشة وإن كان شأنهم دِقَّة السُّوق لكن هذا مُتَميِّز بمزيد من ذلك يُعرَف به. التيسير (1/ 25).
وقال المناوي -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون الرجل اسمه ذلك (ذو السُّويقتين)، أو أنَّه وَصْفٌ له، أي: رَجُل من الحبشة دقيق الساقين رقيقهما جدًّا. فيض القدير (1/ 118).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
فإذا زالت الكعبة يَختل أمور الناس. الحاشية على صحيح البخاري (3/ 665).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وإنَّما سُلِّط عليها ولم يُحبَس عنها كالفيل؛ لأن هذا إنما هو قُرب الساعة، عند فناء أهل الحق، فَسُلِّط على تخريبها؛ لئلا تبقى مُهانة مُعطلة بعد ما كانت مُهابة مُبجَّلة. فيض القدير (6/ 459).
وقال العيني -رحمه الله-:
غَزْوُهَا يَقَع مرتين، ففي الأولى: هَلَاكُهم، وفي الثانية: هَدْمُها. عمدة القاري (9/ 238).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ذكر الحليمي: أن ذلك يكون زمن عيسى، وأنَّ الصَّريخ يأتيه بأن ذا السُّويقتين قد سار إلى البيت يهدمه، فيبعث عيسى -عليه السلام- طائفةً بين الثمان إلى التسع. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (11/ 334).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«يُخرِّب الكعبة ذو السويقتين» وهذا عند قُرب الساعة، حيث لا يبقى قائل: اللَّه اللَّه، وقيل: يُخرِّب في زمان عيسى -عليه السلام-. لمعات التنقيح (8/ 646).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
تخريب ذي السويقتين له في آخر الزمان؛ لأنَّ ذلك قُرب انقضاء الدنيا، وعند عدم وجود مؤمِن في الأرض، ولا يُرجى وجوده بعد ذلك. كوثر المعاني الدراري (13/ 417).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
... ولا ينافي هذا قوله تعالى: {حَرَمًا آمِنًا} القصص: 57؛ لأنَّ الأمن إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وحينئذ يأتي ذو السويقتين، قيل: وتخريب الكعبة يكون في زمن عيسى -عليه السلام-، وقيل: بعد موته، وهو الصّحيح. منحة الباري (4/ 86).
قوله: «من الحَبَشَة»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«من الحبشة» «مِن» للتبعيض. منحة الباري (4/ 86).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من الحبشة» أي: هو منهم، ويكون أميرهم، أو المراد به: جنس الحَبَش؛ لكون هذا الوصف غالبًا فيهم. مرقاة المفاتيح (8/ 3420).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من الحبشة» بالتَّحريك، نوع معروف من السودان، أشار إلى أن الكعبة المُعظَّمة يَهتك حُرمتها حقيرٌ نِضْو (ضعيف) الخَلق. التيسير (2/ 507).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«مِن الحبشة» بالتحريك نوع معروف من السودان يقال: إنهم مِن وَلَد حَبَشِ بن كوش بن حام، قال ابن دريد: جَمْع الحَبَشِ: أُحْبُوش بضم أوَّله، وأما قولهم: الحبشة، فعلى غير قياس، وأصل التحبيش: التَّجميع، و«مِن» للتبعيض، أي: يُخرِّبها ضعيفٌ من هذه الطائفة. فيض القدير (6/ 459)
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من الحبشة» زاد أبو داود في هذه الرواية: «ويَسْتَخْرج كنزها». الكوكب الوهاج (26/ 163).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
جاء في الأحاديث... مِن أنَّ ذا السويقتين يستخرج كنز الكعبة، لا أدري معناه؛ لأنَّ الكعبة الآن، ومنذ مدة طويلة لا كنز لها، اللَّهُمَّ إلا تكون يطرأ لها كنز. كوثر المعاني الدراري (13/ 186).
قوله في الرواية الأخرى: «كأني به أسود أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حجرًا حجرًا».
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«كأنِّي به» في معنى: أبْصر به على هذه الصفة، يريد به: مُخرِّب الكعبة مِن الحبشة. الميسر (2/ 642).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «كأني به» يعني: حاصلٌ ومحيطٌ بحضرته، أَنْظُر إليه مِن غاية عِلمي به وبصورته...، الضمير في «يقلعها» راجع إلى الكعبة. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 363).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كأني به» كذا في جميع الروايات عن ابن عباس في هذا الحديث، والذي يظهر: أنَّ في الحديث شيئًا حُذِف، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث علي عند أبي عبيد في غريب الحديث من طريق أبي العالية، عن علي قال: «اِسْتَكثروا مِن الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأنِّي برجل مِن الحبشة أصلع -أو قال: أَصْمَع- حَمْشُ الساقين (دقيقهما)، قاعد عليها وهي تُهدم». فتح الباري (3/ 461).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الأَفْحَجُ: البعيدُ ما بينَ الرِّجلينِ، وذلكَ مِن نُعوتِ الحُبشانِ، وقيلَ: ذو السُويقتينِ؛ لأنَّ في سِيقانِ الحبشِ حُمُوشةً، فصغَّرهُما لدِقتهما ونَقصِهما. أعلام الحديث (2/ 874).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«أَفْحَجَ»: بتقديم الحاء على الجيم، وهو الذي يتدانى صدور قدميه، ويتباعد عَقِباه، ويتفحَّج ساقاه، ومعناه: ينفرج، والفجج -بجيمين-: فتح ما بين الرِّجلين، وهو أقبح من الفَحَج، و«يَقْلَعها» في معنى الحال، والضمير: للكعبة، وفي الحديث اختصار، اختصره الراوي؛ لِعِلم السامعين به. الميسر (2/ 642).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«أسودَ أَفْحَجَ» حالان من الضمير المجرور. تحفة الأبرار (2/ 195).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حجرًا حجرًا» حال، كقولك: بوَّبته بابًا بابًا، وقوله في حديث علي: «أَصْلَع، أو أَصْعَل أو أَصْمَع» الأَصْلَعُ: مَن ذهب شعر مقدَّم رأسه، والأَصْعَل: الصغير الرأس، والأَصْمَعُ: الصغير الأذنين.
وقوله: «حَمْش الساقين» (كما في لفظ) بحاء مهملة وميم ساكنة، ثم معجمة؛ أي دقيق الساقين، وهو موافق لقوله في رواية أبي هريرة: «ذو السويقتين». فتح الباري (3/ 461).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في هذه الآثار إخبارٌ عمَّا يكون مِن الحَدَثان والأشراط، وذلك يكون في أوقات مختلفة، فحديث عائشة: أنَّ الجيش الذي يغزو الكعبة يُخسف بهم، هو في وقت غير وقت هَدْم ذي السويقتين لها، ويُمكن أن يكون هَدْمه لها عند اقتراب الساعة، والله أعلم، ولا يدل ذلك أنَّ الحَجَّ ينقطع، فقد أخبر -عليه السلام-: «أنَّ البيت يُحَجّ بعد خروج يأجوج ومأجوج، وأنَّ عيسى ابن مريم يحج ويعتمر بعد ذلك». شرح صحيح البخاري (4/ 278).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
هذا الحديث وشِبهه لا يعارض قوله تعالى: {حَرَمًا آمِنًا} القصص: 57، فمعنى ذلك إلى هذا الحين، وهو قُرْب الساعة وخراب الدنيا؛ بدليل الحديث الآخر: «لَيُحَجَّنّ البيت بعد يأجوج ومأجوج» وَذَهَب بعضهم: أنَّ معنى {آمِنًا}: إلَّا ما قدَّرَه الله مِن قضية هذا الحبشي، ثم يرجع الأمر إليه كما كان، والأول عندي أظهر. إكمال المعلم (8/ 454).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ولا يُعارض هذا (الحديث) قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} العنكبوت: 67؛ لأنَّ تخريب الكعبة على يدي هذا الحبشي إنَّما يكون عند خراب الدنيا، ولعلَّ ذلك في الوقت الذي لا يبقى إلا شرار الخلق، فيكون حَرَمًا آمنا مع بقاء الدِّين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى.
قلت: وتحقيق الجواب عن ذلك: أنَّه لا يَلزم من قوله تعالى: {أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} العنكبوت : 67، أن يكون ذلك دائمًا في كل الأوقات، بل إذا حَصَلَت له حُرمة وأَمْنٌ في وقتٍ ما فقد صَدَقَ اللفظ، وصَحَّ المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر، فإن قيل: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله أحل لي مكة ساعةً من نهار، ثم عادت حُرمتها إلى يوم القيامة» قلنا: أمَّا الحُكم بالحُرمة والأمْن فلم يرتفع، ولا يرتفع إلى يوم القيامة؛ إذ لم يُنسخ ذلك بالإجماع، وأمَّا وقوع الخوف فيها وترك حرمتها، فقد وُجِد ذلك كثيرًا، ويكفيك بعوث يزيد بن معاوية، وجيوش عبد الملك، وقتال الحَجَّاج لعبد الله بن الزبير، وغير ذلك مما جرى لها، وما فُعل فيها مِن إحراق الكعبة ورميها بحجارة المنجنيق. المفهم (7/ 246).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قيل: هذا الحديث يخالف قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} العنكبوت: 67؛ ولأنَّ الله حَبَسَ عن مكة الفيل، ولم يُمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة ولم تكن إذ ذاك قِبلة، فكيف يُسلّط عليها الحبشة بعد أن صارت قِبلة للمسلمين؟!
وأُجيب بأنَّ ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قُرب قيام الساعة، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله، كما ثبت في صحيح مسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله»؛ ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: «لا يَعْمُرُ بعده أبدًا»، وقد وَقَعَ قبل ذلك فيه مِن القتال وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية، ثم مَن بعده في وقائع كثيرة، مِن أعظمها: وَقْعَة القرامطة بعد الثلاثمائة، فَقَتَلوا مِن المسلمين في المطاف مَن لا يُحصى كَثْرَة، وقَلَعُوا الحجر الأسود، فَحوَّلوه إلى بلادهم، ثمّ أعادوه بعد مدة طويلة، ثم غُزِيْ مرارًا بعد ذلك، كل ذلك لا يعارض قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} العنكبوت : 67؛ لأنَّ ذلك إنَّما وقع بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولن يَستَحِل هذا البيت إلا أهلُه»، فَوَقَعَ ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو مِن علامات نبوته، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، والله أعلم. فتح الباري (3/ 462).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
«لا تقوم الساعة حتى لا يُحَجّ البيت، وأنَّ الكعبة يُخرِّبها ذو السويقتين من الحبشة» فينتظم مِن ذلك أنَّ الحبشة إذا خَرَّبَتِ البيت خرج عليهم القحطاني فَأَهلَكَهُم، وأنَّ المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأنَّ الريح التي تَقْبِض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى، ويتأخر أهل اليمن بعدها، ويمكن أن يكون هذا مما يُفَسَّر به قوله: «الإيمان يمان» أي: يتأخر الإيمان بها بعد فقده مِن جميع الأرض، وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا. فتح الباري (13/ 78).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن قال قائل: ما السِّر في حراسة الكعبة مِن أصحاب الفيل في الجاهلية، ولم تُحرس في الإسلام مِمَّا صَنَعَ بها الحَجَّاج، والقرامطة حين سَلَبوها ثيابها وقلعوا الحجر، ومما يُصنَع بها في آخر الزمان؟
فالجواب: أنَّ حَبْس الفيل كان عَلَمًا لنبوة نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-، ودليلًا على نبوَّته؛ لأنَّ أهله كانوا عمَّار البيت وسكَّان الوادي، فَصِيْن؛ ليعرفوا نعمة الذي حَفِظه بلا قتال، فلمَّا ظهر نبيٌّ منهم تأكَّدت الحجة عليهم بالأدلة التي شوهِدَت بالبصر قبل الأدلة التي تُرى بالبصائر، وكان حكم الحِسّ غالبًا على القوم، فَؤُرُوا آية تدل على وجود الناصر، وليس لقائل أن يقول: فقد كانوا يُقِرُّون بالإله؛ لأنَّه ليس بإقرار، من جِهَة أنَّ مُدَّعي الشريك مع القوي القادر لا يَعرِف القادر، فلمَّا ظهر الدِّين وَقَوِيت حُججه كان ما جرى ويجري على الكعبة ابتلاء للخلق، كما سلَّط الكفار على الأنبياء؛ لينظر إيمان المؤمنين، هل يثبت أو يتزلزل. كشف المشكل (2/389، 390).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّه لابد مِن وَقْع ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ذلك، إلّا أنه حينئذ تكون آية لخراب الدنيا كلها؛ لأنَّه بعد انهدام الكعبة فعلى الدنيا العفاء، والقيامة تكون على أثر ذلك. الإفصاح (3/ 114).