الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«أيُّكُم مالُ وَارِثِهِ أحبُّ إليه مِن مالِهِ؟» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما منَّا أحدٌ إلَّا مالُهُ أحبُّ إليه، قال: «فإنَّ مالَهُ ما قَدَّمَ، ومالُ وارِثِهِ ما أَخَّرَ».


رواه البخاري برقم: (6442)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«وَارِثِهِ»:
الوِرَاثَةُ والإِرْثُ: انتقال قُنْيةٍ إليك عن غيرك من غير عَقْدٍ، ولا ما يجري مجرى العَقْدِ، وسُمِّي بذلك المنْتَقِلُ عن الميِّت فيُقال للقُنيةِ المَوْرُوثَةِ: مِيرَاثٌ وإِرْثٌ وتُرَاثٌ، أصله وُرَاثٌ، فقُلِبت الواو ألفًا وتاء، قال تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ} الفجر: 19. المفردات للراغب (ص: 863).

«ما أَخَّرَ»:
أي: ما أخَّره من المال الذي يَتْركه، ولا يتصدق منه حتى يموت. عمدة القاري، للعيني (23/ 49).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أيُّكُم مالُ وَارِثِهِ أحبُّ إليه مِن مالِهِ؟»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «أيُّكم مالُ وَارِثِه أحبُّ إليه» (أيُّ) مبتدأ، و(مالُ) مبتدأ ثانٍ و(أحبُّ) خبر الثاني، والجملة خبر (أيُّ).
والمراد بالاستفهام: تقريرهم بما جُبِلَ عليه الإنسان من حُبِّ مال النفس؛ ليبني عليه -صلى الله عليه وسلم- ما يريد بيانه لهم، زيادة في الإيضاح، والمراد من المحبة: لازمها من الحرص، وعدم التفريط. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 203).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أيُّكم مالُ وارِثِهِ أحبُّ إليه من مَالِه»؟ أي: مِن مالِ نفسه. مرقاة المفاتيح (8/ 3235).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أي: أنَّ الذي يَخْلُفُه الإنسانُ من المال، وإنْ كان هو في الحال منسوبًا إليه، فإنَّه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون منسوبًا للوارث، فنسبته للمالك في حياته حقيقية، ونسبته للوارث في حياة المورِّث مجازيَّة، ومن بعد موته حقيقية. فتح الباري (11/ 260).

قوله: «قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما منَّا أحدٌ إلَّا مالُهُ أحبُّ إليه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما مِنَّا مِن أحدٍ» (من) زائدة. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (30/ 80).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قالوا: يا رسول الله، ما مِنا أحدٌ» التقديم للخبر الظرفي على المبتدأ للاهتمام بجانبه، «إلا مالُه أحبُّ إليه» جملة وصْفِيَّة لـ«أحد»، ويصح كونها في محل الحال؛ لتخصيصه بتقديم الخبر، وحذف المفضَّل عليه، وهو قوله: «مِن مالِ وارثه» اكتفاءً بذكره في كلام السائل. دليل الفالحين (4/ 529).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
أي: ليس هناك إنسان إلاّ ويجد نفسه يحبُّ ماله الذي يملكه أكثر مما يحب مال غيره، لأن ما يملكه هو الوسيلة إلى تحقيق رغباته. منار القاري(5/٢٩٤).

قوله: «قال: «فإنَّ مالَهُ ما قَدَّمَ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ مالَه ما قدَّم» الفاء أفْصَحَت عن شرط مُقدَّر، أي: إذا كان الأمر كذلك فإنَّ مالَه ما قدَّم، وعائد الصلة مفعول «قدَّم» المحذوف، والمراد من التقديم: الإنفاق في وجوه الخيرات. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 203).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنَّ ماله» أي: حقيقةً «ما قدَّم» أي: ما قدَّمه على موته، بإرساله إلى الدار الآخرة، فإنَّه النافع الباقي له فيها، قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ} البقرة: 110. مرقاة المفاتيح (8/ 3235).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فإنَّ مالَه» الذي يُضاف إليه في الحياة «ما قدَّم»؛ بأنْ أنْفَقَه في وجوه الخيرات. إرشاد الساري (9/ 254).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ مالَه ما قدَّم» أي: هو الذي يضاف إليه في الحياة، وبعد الموت، بخلاف المال الذي يَخْلُفُه. فتح الباري (11/ 260).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإنَّ مالَه» الذي ينفعه «ما قدَّم» أي: تَصَدَّقه. شرح المصابيح (5/ 390).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ ماله ما قدَّم» بأنْ تصدَّق، أو أكَل، أو لَبِسَ، كما في الحديث السابق: «ليس لك من دنياك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأبقيتَ» أو كما قال، فهذا هو الذي يُضاف إليه حيًّا وميتًا، بخلاف ما يخلفه من المال. دليل الفالحين (4/ 529).

قوله: «ومالُ وارِثِهِ ما أَخَّرَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ومالُ» بالرفع في اليونينية (إحدى نُسخ البخاري)، وغيرها «وارِثِه ما أَخَّر» بعد موته، ولم يُنفقه في وجوهِه.
وفيه: الحث على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه المبرَّات، وأنواع القُربات؛ لينتفع به في الآخرة. إرشاد الساري (9/ 254).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
و«مالُ» بالنَّصب عطفًا على اسم «إنَّ»، وبالرفع على الابتداء. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 203).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ومالُ وارِثِه ما أخَّر» أي: ما خلَّفه لهم، حيث يفعلون فيه ما قدَّره الله عليهم من الخير والشر، قال تعالى: {عَلِمَت نَفْسٌ مَا قَدَّمَت وَأَخَّرَت} الانفطار: 5. مرقاة المفاتيح (8/ 3235).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ومالُ وارِثَه ما أخَّر» فيَنتفع به وارثُه، ويُحاسَب عليه مُورِّثُه. شرح المصابيح (5/ 390).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «ومالُ وارِثه ما أخَّر» فإنْ عَمِلَ فيه بطاعة الله، اختص بثوابه عن الميت، وإنْ كان عَمِلَ فيه بمعصية الله تعالى، فذلك أبْعَد لِمَالِكِه الأول من الانتفاع، إنْ سَلِمَ مِن تَبِعَتِهِ. دليل الفالحين (4/ 529).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا الحديث تنبيهٌ للمؤمن على أنْ يُقدِّم من مالِه لآخرته، ولا يكون خازنًا له، وممسِكه عن إنفاقه في طاعة الله، فيُخيَّب من الانتفاع به في يوم الحاجة إليه، وربما أنفقه وارثُه في طاعة الله، فيفوز بثوابه.
فإنْ قيل: هذا الحديث يدل على أنَّ إنفاق المال في وجوه البِرِّ أفضل مِن ترْكِه لوارثه، وهذا يعارض قوله -صلى الله عليه وسلم- لسعد: «إنَّك إنْ تترك ورَثَتَكَ أغنياء خير من أنْ تتركهم عالَة يتكفَّفون الناس»، قيل: لا تَعَارُض بينهما، وإنَّما خصَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سعدًا على أنْ يترك مالًا لوَرثته؛ لأن سعدًا أراد أنْ يتصدَّق بماله كله في مرضه، وكان وارثه ابنته، والابنة لا طاقة لها على الكَسْبِ، فأمره -صلى الله عليه وسلم- بأنْ يتصدَّق منه بثُلُثه، ويكون باقيه لابنته، ولبيت مال المسلمين، وله أجر في كل مَن يصل إليه من ماله شيء بعد موته، وحديث ابن مسعود إنما خاطب به -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في صِحَّتهم، ونبَّه به مَن شَحَّ على ماله، ولم تسمح نفسه بإنفاقه في وجوه البِرِّ أنْ يُنفق منه في ذلك؛ لئلا يحصل وارثُه عليه كاملًا موفّرًا، ويخيب هو من أجره، وليس فيه الأمر بصدقة المال كله، فيكون معارضًا لحديث سعد، بل حديث عبد الله مُجْمَلٌ يُفَسِّره حديث سعد، ويدل على صحة هذا التأويل ما ذكره أهل السِّيَر عن ابن شهاب أنَّ أبا لبابة قال: «يا رسول، إنَّ مِن توبتي أنْ أَهْجُر دار قومي التي أَصَبْتُ فيها الذنب، وأَنْخَلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله ورسوله، قال: يجزئك الثلث»، فلم يأمره بصدقة ماله كله. شرح صحيح البخاري (10/ 162).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: تلطيف القول بإيصال الحكمة إلى قلوب الخلق، فهو كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ مالَ الإنسان ما قدَّمه، ومالَ وارِثِه ما خلَّفه»، وقد شَرَدَ الناس عن ملاحظة هذا السر، إلا مَن وفقه الله تعالى، وإنَّه لمن البيان العجيب، والنطق الفصيح، والمقْنَع الكافي؛ وذلك من فضل الله على الناطق به. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 88).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه الله تعالى- (النسائي) وهو بيان كراهة تأخير الوصية.
ومنها: الحث على المبادرة في فعل الخير قبل فوات أوانه.
ومنها: أنَّ ما يفعله الإنسان في حياته من الإنفاق في وجوه الخير هو الذي يناله في الآخرة؛ لأنه مِن خالِص ملكه.
ومنها: أنَّ ما يجمعه الإنسان من المال، ويتركه للورثة، ليس له به أجر، وإنْ أَنْفَقَه وارثُه في وجوه الخير؛ لأنه مِلْكَه، وليس مِلْكًا لِمُكتَسِبِه. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (30/ 81).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البِرِّ؛ ليُنتفع به في الآخرة. تطريز رياض الصالحين (ص: 362).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويُؤخَذ من الحديث:
- مراعاة مقتضى الحال، وسؤال المخاطَب وتقريره؛ ليَبني عليه الجواب.
- بيان جِبِلَّةِ الإنسان في حُبِّه لنفسه فوق حُبِّه لأولاده.
- الدعوة إلى البذل والإنفاق في وجوه الخير قبل أنْ يرحل عن المال ويتركه للغير. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 204).
وقال الشيخ حمزة بن محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دلَّ هذا الحديث على الترغيب في إنفاق المال في طرقه المشروعة من النفس والأهل والولد، وبذله في المشاريع الخيرية، فإن مال الإِنسان ما ينفقه في حياته، لا ما يتركه بعد مماته، وفي الحديث: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأَبْليت، أو تصدَّقت فأمضيت». منار القاري (5/ 294).


إبلاغ عن خطأ