الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447 | 2026-06-09

A a

«خَرَجْنَا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما ورد البقيع فإذا هو بقبرٍ جديد، فسأل عنه، فقالوا: فلانة، قال: فعَرَفَها، وقال: أَلَا آذَنْتُمُونِي بها، قالوا: كنت قائلًا صائمًا، فكرِهنا أن نؤذيك، قال: فلا تفعلوا، ‌لا ‌أعرفنَّ ‌ما ‌مات منكم ميتٌ ما كنتُ بين أظهركم إلا آذَنْتُمُوني به؛ فإن صلاتي عليه له رحمة، ثم أتى القبر، فصَفَفْنَا خلفه، فكبَّر عليه أربعًا».


رواه أحمد برقم: (19452)، والنسائي برقم: (2022)، وابن ماجه برقم: (1528)، واللفظ له، وابن حبان برقم: (3087)، من حديث يزيد بن ثابت -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7171)، صحيح سنن النسائي برقم: (1911).


غريب الحديث


«البَقِيْع»:
البَقِيْعُ من الأرض: المكان المتَّسِع، ولا يسمى بَقِيعًا إلا وفيه شجر، أو أصولها، وبقيع الغَرْقَدِ: موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها، كان به شجر الغرقد، فذهب وبقي اسمه. النهاية، لابن الأثير (1/ 146).

«آذنتموني»:
أي: أَعْلَمْتُمُوني. مجمع بحار الأنوار، للفتني (1/ 39).

«قائلًا»:
قال، يَقِيْلُ، قَيْلًا، وقَيْلُولَة: نام نصف النهار، والقائِلَة: وقت القَيْلُولة. المصباح المنير، للفيومي (2/ 521).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
المَقِيْل والقَيْلُولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. النهاية (4/ 133).

«أَظْهُرِكُمْ»:
يقال: أقام فلان بين أَظْهُرِ قومه وظَهْرَانِيْهِم، أي: أقام بينهم، وإقحام الأَظْهُر، وهو جمع ظَهر على معنى أن إقامته فيهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم. النظم المستعذب، لبطال (2/ 223).  


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما ورد البقيع، فإذا هو بقبرٍ جديد، فسأل عنه، فقالوا: فلانة، قال: فعرفها»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
الظاهر: أنها المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد. الفتح الرباني (7/ 225).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فعَرَفها» أي: فعرف تلك الفلانة رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 228).

قوله: «وقال: أَلَا آذنتموني بها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للحاضرين: «ألا آذنتموني بها» أي: هَلَّا أعلمتموني بموت فلانة؛ لأصلي عليها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 228).

قوله: «قالوا: كنت قائلًا صائمًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالوا» اعتذارًا عن عدم إعلامهم له: «كنتَ» يا رسول الله «قائلًا» نائمًا نوم القيلولة، وهي الاستراحة في وسط النهار. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 228).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «كنتَ قائلًا» من القيلولة، أي: نصف النهار. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 465).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«صائمًا» صوم النفل. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 228).

قوله: «فكَرِهْنَا أن نؤذيك»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فكَرِهْنَا» أي: استحيينا «أن نؤذيك» بتجهيزها وأنت قائل صائم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 228).

قوله: «قال: فلا تفعلوا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا تفعلوا» مثل هذا الكتمان عني موت من مات منكم فيما بعد. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 228).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
أي: لا تعودوا إلى مثل ذلك. الفتح الرباني (7/ 225).

قوله: «‌لا ‌أعرفَنَّ ‌ما ‌مات منكم ميتٌ ما كنتُ بين أَظْهُرِكُم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا» نافية «أَعْرِفَنَّ» فعل مضارع مسند إلى المتكلم مؤكد بالنون المشددة ... والمعنى: والله، لا أعرفنَّ ولا أسمعنَّ موتَ ميِّت منكم في حال من الأحوال إلا في حال إيذانكم إياي بموته مُدَّة كوني حيًا بين أظهركم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 228-229).
وقال السندي -رحمه الله-:
«لا أعرفنَّ» أي: هذا الفعل منكم يريد تأكيد النهي عن العَود إلى مثله، أي: إنكم إن فعلتم هذا فقد عَرَفْتُ منكم هذا، والحال أنه لا ينبغي أن أعرف منكم مثله، وفي بعض النُّسخ: «لأعرفنَّ» أي: لأعرفنَّ ما قلتم حق، لكن لا تفعلوا بسببه مثل ما فعلتم. كفاية الحاجة (1/ 465-466).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما دمت بين أظهركم» أي: بينكم، فـأَظْهُرُ جمع ظَهْرٍ، وهو مقحم، والمعنى: ما دمت حيًا بينكم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (19/ 383).

قوله: «إلا آذنتموني به؛ فإن صلاتي عليه له رحمة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«آذنتموني به» بمد الهمزة، من الإيذان، وهو الإعلام، أي: إلا أعلمتموني بموته، حتى أصلي عليه. ذخيرة العقبى (19/ 383).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«فإن صلاتي» الفاء تعليلية، أي: لأن صلاتي عليهم سبب رحمة من الله تعالى لهم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (19/ 383).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإن صلاتي عليه» أي: على من مات منكم «له رحمة» أي: رحمة كائنة له. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 229).
وقال العيني -رحمه الله-:
وإنما قال ذلك لأن صلاته رحمة ونور في قبورهم، على ما جاء في رواية مسلم: «إن امرأة أو شابًا» الحديث، وزاد في آخره: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظُلمة على أهلها، وإن الله تعالى يُنَوِّرُها لهم بصلاتي عليهم». عمدة القاري (4/ 230).
وقال السندي -رحمه الله-:
«فإن صلاتي عليه رحمة» أَخذ من هذا الخصوص من لا يقول بالصلاة على القبر. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 465).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
واستَدل بهذا من لا يقول بمشروعية الصلاة على القبر، ووجه ذلك: أن قوله: «صلاتي له رحمة» يدل على الخصوصية، والحق أنها مشروعة. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (19/ 383).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ورُدَّ (يعني: دعوى الخصوصية) بأنّه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- لم ينكر على من صلى معه على القبر كما تقدم، ولو كان خاصًا به لأنكر عليهم، ولا يقال: إن الذي يقع بالتبعية لا يصلح دليلًا على الفعل أصالة؛ لأن كون الله ينوِّر القبور بصلاة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- عليها لا ينفي مشروعية الصلاة من غيره تأسيًا به -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-، لا سيما وقد قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي»، فهو بعمومه يشتمل صلاة الجنازة، وأيضًا فهذه الزيادة مدرجة في هذا الحديث كما بين ذلك جماعة من أصحاب حماد بن زيد. المنهل العذب المورود (9/ 47).

قوله: «ثم أتى القبر فصَفَفْنَا خلفه، فكبَّر عليه أربعًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم أتى» النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك «القبر» الجديد، «فصففنا خلفه» أي: وراءه «فكبر عليه أربعًا» أي: صلى عليه صلاة الجنازة بتكبيره الأربع. مرشد ذوي الحجا والحاجة (9/ 229).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء فيمن فاتته الصلاة على الجنازة، هل يصلي على قبرها؟
فروي عن علي، وابن مسعود، وعائشة أنه أجازوا ذلك، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بأحاديث هذا الباب وغيرها، وقالوا: لا يُصلى على قبرٍ إلا قُرب ما يُدفن، وأكثر ما حَدُّوا فيه شهرًا، إلا إسحاق فإنه قال: يصلي الغائب من شهر إلى ستة أشهر، والحاضر إلى ثلاثة.
وكره قوم الصلاة على القبر، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا انتهى إلى جنازة قد صُلي عليها دعا وانصرف ولم يصلِّ عليها، وهو قول النخعي، والحسن البصري، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، والليث.
وقال ابن القاسم: قلت لمالك: فالحديث الذي جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صلَّى على قبر امرأة؟ قال: قد جاء هذا الحديث ليس عليه العمل، وقال أبو الفرج: صلاة النبي على مَن دُفن خاص له، لا يجوز لغيره؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن هذه القبور مملوءة ظُلمة حتى أصلي عليها».
وقال أبو حنيفة: لا يصلى على قبر مرتين إلا أن يصلي عليها غير وليها، فيعيد وليها الصلاة عليها.
وقال الطحاوي: يسقط الفرض بالصلاة الأُولى إذا صلى عليها الولي، والصلاة الثانية لو فُعلت لم تكن فرضًا فلا يصلى عليها؛ لأنهم لا يختلفون أن الولي إذا صلى عليه لم يجز له إعادة الصلاة ثانية؛ لسقوط الفرض، وكذلك غيره من الناس إلا أن يكون الذي صلى عليها غير الولي، فلا يسقط حق الولي؛ لأن الولي كان إليه فعل فرض الصلاة على الميت، وما روي عن الرسول في إعادة الصلاة، فلأنه كان إليه فعل فرض الصلاة، فلم يكن يسقطه فعل غيره، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- تقدم إليهم أن يعلموا، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يموت منكم ميِّت ما دمتُ بين أظهركم إلا آذنتموني به؛ فإن صلاتي عليه رحمة»، وقد ذكر ابن القصار نحو هذه الحجة سواء، واحتج أيضًا بالإجماع في ترك الصلاة على قبر الرسول، ولو جاز ذلك لكان قبره أولى أن يصلى عليه أبدًا، ثم كذلك أبو بكر وعمر، فلما لم يُنقل أن أحدًا صلى عليهم كان ذلك من أقوى الدلالة على أنه لا يجوز.
واختلفوا فيمن دُفن ونُسيت الصلاة عليه، فقال أبو حنيفة ومحمد: يصلى على القبر ما بينهم وبين ثلاث.
وقال ابن وهب: إذا ذكروا ذلك عند انصرافهم من دفنه فإنه لا يُنْبَش، وليصلوا على قبره، سمعتُ هذا، وقاله يحيى بن يحيى، وروى موسى وعيسى، عن ابن القاسم أنه يُخرج بحضرة ذلك ويصلي عليه، وإن خافوا أن يتغير، وقاله عيسى بن دينار، وروى موسى، عن ابن القاسم، قال: وكذلك إذا نسوا غسله مع الصلاة عليه، وفي المبسوط: روى ابن نافع عن مالك إذا نسيت الصلاة حتى يفرغ من دفنه لا ينشره، ولا يصلى على قبره، ولكن يدعون له، وهو قول أشهب، وسحنون، ولم ير بالصلاة على القبر. شرح صحيح البخاري (3/ 317-319).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تبين بما ذكر من الأدلة الصحيحة، ومن أقوال أهل العلم أن الصواب جواز الصلاة على القبر، وإن دُفن الميت بعد الصلاة عليه، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (19/ 385).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
فوائده (أي: الحديث):
منها: ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من كمال الأخلاق، وكمال الرأفة بأمَّته، حيث كان يعتني بالضعفاء والمساكين أشد عناية، فيسأل عن أحوالهم، ويعود مرضاهم، ويصلي على موتاهم، ويشيِّع جنائزهم، فكان -صلى الله عليه وسلم- في الذروة العليا من مكارم الأخلاق، كما وصفه الله -سبحانه وتعالى- بذلك، حيث قال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} القلم: 4.
ومنها: ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من حسن الأدب (معه) -صلى الله عليه وسلم-، فلا يجترئون على أن يوقظوه إذا نام، حتى يكون هو المستيقظ.
ومنها: مشروعية الإعلام بموت الإنسان؛ حتى يجتمع المسلمون، فيصلوا عليه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إلا آذنتموني»، وفيه رد لقول مَن كَرِهَ الإذن بالجنازة، فاستحب أن لا يُؤذَن به أحد، ولا يُشعر بجنازته جارٌ ولا غيره...
ومنها: مشروعية الصف في الصلاة على الجنازة.
ومنها: بيان أن صلاته -صلى الله عليه وسلم- على أمَّته رحمة لهم، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (19/ 383-384).

ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم الصلاة على القبر لمن فاتته صلاة الجنازة قبل الدفن.


إبلاغ عن خطأ