«إن الله -عزَّ وجلَّ- خلق آدم من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدرِ الأرض، جاء منهم الأبيض، والأحمر، والأسود، وبين ذلك، والخبيث، والطيِّب، والسَّهل، والحَزْنُ، وبين ذلك».
رواه أحمد برقم: (19582)، وأبو داود برقم: (4693)، والترمذي برقم: (2955)، من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1759)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1630).
غريب الحديث
«الحَزْنُ»:
خلاف السهل. المصباح المنير (1/ 134)
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الحَزْنُ: المكان الغليظ الخَشِنُ، والحُزُونة: الخشونة. النهاية (1/ 380).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إن الله -عزَّ وجلَّ- خلق آدم مِن قبضة قَبَضَهَا»:
قال السندي -رحمه الله-:
«مِن قبضة» بفتح القاف في الأصل للمرَّة، يطلق على المقبوض، وهو المراد ها هنا، أو بضمها فبالضم اسم للمقبوض بالكفِّ، والفتح أشهر. فتح الودود (4/ 472).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «مِن قبضة» وهي ما يُضم عليه الكفُّ من كل شيء، «من» إذا كان متعلقًا بـ«خلق» تكون ابتدائية، أي: ابتداء خلقه من قبضة، وإذا كان حالًا من «آدم» يكون بيانية، والقبضة ها هنا مطابقة لما في قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الزمر: 67 في بيان عظمة الله -سبحانه وتعالى- وجلالة قدره. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 564).
وقال المظهري -رحمه الله-:
القبضة: مِلْءُ الكفِّ من كل شيء، والمراد ها هنا: من التراب. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 206).
قوله: «من جميع الأرض»:
قال العظيم آبادي -رحمه الله-:
من جميع أجزائها. عون المعبود (12/ 297)
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
يعني وجهها. تحفة الأحوذي (8/ 233)
قوله: «فجاء بنو آدم على قدر الأرض»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«فجاء بنو آدم على قدر الأرض» أي: على لون الأرض وطبعها، وكل موضعٍ ترابها أحمر كان أهل ذلك الموضع ألوانهم أحمر، وكذلك الأسود والأبيض. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 206).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «على قدر الأرض» أي: مَبْلَغها من الأكوان ولما كانت الأوصاف الأربعة من الأمور الظاهرة في الإنسان، والأرض أجريت على حقيقتها، وتُركت الأربع الأخيرة مفتقرة إلى تأويل؛ لأنها من الأخلاق الباطنة. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 564).
قوله: «جاء منهم الأبيض، والأحمر، والأسود»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«منهم الأحمر والأبيض والأسود» بحسب لون تُرابهم. شرح المصابيح (1/ 121).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«منهم الأحمر» كالتركي، «والأبيض» كالعرب، «والأسود» كالحبشة. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 303).
قوله: «وبين ذلك»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وبين ذلك» أي: بين الأحمر والأسود والأبيض. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 206).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وبين ذلك» لون غير متمخِّض إلى أحد الثلاثة، بل يأخذ من كلٍّ منها ومن أحدها، وأصول الألوان عند المتكلمين خمسة، هذه الثلاثة، والصُّفرة والخُضرة، وكأنه ليس في ألوان الأرض من هو خالص إلى هذين اللونين، فلذا لم يعدَّهما في الحديث، بل الموجود الثلاثة. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 303).
قوله: «والخبيث، والطيب»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«والخبيث» المراد: خبث الخصال. شرح المصابيح (1/ 121).
وقال المظهري -رحمه الله-:
معنى «الخبيث»: خبيث الخصال والأخلاق. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 207).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«الخبيث» الذي يراد به الأرض السبخة: الكافر الذي هو ضُرٌّ وخسران في الدارين، قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} لأعراف: 58. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 564).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«والطيب» أي: طيِّب الخصال على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير الله لونًا وطبعًا وخَلقًا. شرح المصابيح (1/ 121).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«الطيِّب» الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي نَفْعٌ كلُّه. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 564).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ومن ثمَّ اختلفت قوى الإنسان، فتَقْبَل كل قوة منها ما يأتيها من المواد فيزيد لذلك، وينقص ويصلح لذلك، ويفسد ويطيب ويخبث؛ لما ذكر من أنه أُنْشِئَ من أشياء مختلفة وطبائع شتى. فيض القدير (2/ 231).
قوله: «والسهل، والحَزْنُ، وبين ذلك»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«السهل» الرفق واللين، و«الحزن» الخَرْقُ والعُنْفُ. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 564).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الحَزْنُ»: الغليظ والخشن، و«السهل»: اللين، يعني: كل موضع كان لينًا كان أهل ذلك الموضع طباعهم لينة، وكل موضع كان خشنًا كان أهله طباعهم خشنة، وكذلك الخبيث والطيب. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 207).
وقال المناوي -رحمه الله-:
السهل من الأرض السهلة، والفظ الغليظ الجافي من ضدها. فيض القدير (2/ 231).
وقال المظهري -رحمه الله-:
كل ذلك بتقدير الله تعالى، قدَّر لكل شخص لونًا وطبعًا وخُلُقًا ومسكنًا كما شاء، لا مرد لقضائه، ولا مانع لحكمه. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 207).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقد ضرب الله مَثَلَ المؤمن والكافر والطيب والخبيث، فمثل المؤمن مثل البلد الطيب الزاكي يخرج نباته، أي: زَرْعُه بإذن ربه سهلًا، والذي خبث مثل الكافر كمثل الأرض السبخة الخبيثة التي لا يخرج نباتها وغلتها إلا نَكِدًا، أي: عَسِرًا قليلًا بعناء ومشقة، وكذا المؤمن يعطي العطاء بسهولة كسهولة طبعه، والبخيل لا يعطي إلا بتكلف وتكلُّف كثير. شرح سنن أبي داود (18/ 232).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وكان مقتضى خَلْقِ آدم منها كلها أن يكون كلٌّ من هذه الألوان والطباع فيه وفي بَنِيْهِ، إلا أنه كان غلب على كل نوع من بنيه لون، ولا مانع من اجتماعها في آدم، وإن كان غالب لونه الأَدَمَة، لكنه فيه غلب ما طاب على ما خبث؛ لأنه عجنه بماء الجنة...، وكأنه خصه بأثر ذلك فيه، وإلا فإن بنيه من طينته وماء الجنة في جِبِلَّتهم. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 303).
قال الشيخ علوي السقاف -حفظه الله-:
الْقَبْضُ وَالطَّيُّ: صفتان فعليتان خبريَّتان لله عز وجل، ثابتتان بالكتاب والسنة، و(القابض) من أسماء الله تعالى.
الدليل من الكتاب:
1- قوله تعالى: {وَالله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة: 245.
2- قوله تعالى: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} الزمر: 67.
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ...». رواه البخاري (7382)، ومسلم (2787).
قال أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات (ص 168) بعد ذكر حديث: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها ...»: "اعلم أنه غير ممتنع إطلاق القبض عليه سبحانه، وإضافتها إلى الصفة التي هي اليد التي خَلق بها آدم؛ لأنه مخلوق باليد من هذه القبضة، فدلَّ على أنها قبضةٌ باليد، وفي جواز إطلاق ذلك أنه ليس في ذلك ما يُحيل صفاته ولا يُخرجها عما تستحقه". اهـ.
وقال ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة. (2/171):"وَرَدَ لفظ (اليد) في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوعًا متصرَّفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطيِّ والقبض والبَسْطِ ...
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري(1/140): "قوله: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه»: القبض: هو أخذ الشيء باليد وجمعه، والطيُّ: هو ملاقاة الشيء بعضه على بعض وجمعه، وهو قريب من القبض. وهذا من صفات الله تعالى الاختيارية، التي تتعلق بمشيئته وإرادته، وهي ثابتةٌ بآيات كثيرة وأحاديث صحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي مما يجب الإيمان به؛ لأن ذلك داخل في الإيمان بالله تعالى، ويحرم تأويلها الْمُخْرِج لمعانيها عن ظاهرها. صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة (ص: 273)
وقال الشيخ عبد الله الخليفي -رحمه الله-:
زعم (الحسن السقاق) لفظة: «مِنْ قبضةٍ قَبَضَها» مِن تصرُّف الرواة محتجًا برواية الحاكم ولفظها: «خلق الله آدم من أَدِيْمِ الأرض كلها، فخرجت ذريته على حسب ذلك، منهم: الأبيض، والأسود، والأسمر، والأحمر، ومنهم: بين بين ذلك، ومنهم: السهل، والخبيث، والطيب»، قال: فلم يذكر القبضة.
قلت: والجواب: أن سند الحاكم فيه كلام؛ فالحاكم يرويه في المستدرك (2 / 261) من طريق إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرزاق، أنبأ معمر، أخبرنا عوف العبدي، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري. وعوف العبدي بَصْرِي، وفي رواية معمر عن البصريين كلام، قال الحافظ في ترجمته في تهذيب التهذيب: "وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدَّثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس؛ فإنَّ حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام"، وقد رواه عن عوف كلٌّ من: محمد بن جعفر، ويحيى بن سعيد عند أحمد في المسند ( 4 /400و 406)، ويزيد بن زريع عند أبي داود (4693) وغيرهم في غيرها من مصادر السنة بذكر القبضة، من هذا يُعرف أن رواية معمر المختصرة منكَرة، ورواية القبضة هي المحفوظة وهي رواية الأكثر والأحفظ، فاعْجَبْ ممن يعل رواية الثقات برواية الضعيف، ويجعلها هي المحفوظة وروايتهم الشاذة!!
وزعم ابن الجوزي أن معنى القبضة في الحديث السابق: قبضة المخلوق المأمور من الله كقوله تعالى: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ القمر: 37 واحتج لذلك بخبر تقدُّم إعلاله.
والجواب: أن النصوص تظافرت على أن الله عز وجل خلق آدم بيديه، وأظهرها قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ص: 75، فالزعم أن مخلوقًا من المخلوقات هو الذي قبض من الأرض زعمٌ باطل يخالف ظواهر النصوص، ولا دليل ثابت عليه. تسفيه أدعياء التنزيه (ص: 230).