الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«إنَّ لله ‌عُتقاءَ في كُل يوم وليلة، لِكُل عبدٍ منهم دعوة مستجابة».


رواه أحمد برقم: (7450)، من حديث أبي هريرة أو من حديث أبي سعيد -رضي الله عنهما-، الشك من الأعمش.
وفي رواية عند ابن ماجه برقم: (1643)، من حديث جابر -رضي الله عنهما-: «إنَّ لله ‌عند ‌كُلَّ ‌فِطْرٍ ‌عُتقاءَ، وذلك في كُل ليلة».
وفي رواية عند الترمذي برقم: (682)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «ولله عُتقاءُ من النار، وذلك كُلَّ ليلة».
صحيح الجامع برقم: (761)، قال الألباني في التعليق الرغيب (2/68): حسن صحيح. 


مختصر شرح الحديث


مِن رحمةِ اللهِ تعالى بعبادِهِ أنْ تفضَّلَ عليهم بمواسمِ الخيرات، فيُفيض عليهم مِن رحمته وإحسانه، ومِن أعظمِ تلك المواسم: شهرُ رمضان؛ إذ تُغفَرُ فيه الذنوب، وتُضاعَفُ فيه الأجور، وتُعتَقُ فيه الرقابُ من النار كلَّ ليلةٍ، كما أخبر بذلك النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «إنَّ لله عُتقاءَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ»، وفي روايةٍ: «وللَّهِ عُتقاءُ مِن النارِ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ»، وفي رواية: «إنَّ لله عند كلِّ فِطرٍ عُتقاء»؛ ومعنى ذلك: أنَّ اللهَ تعالى بمنِّه وكرمِه يُعتِق في ليالي رمضان خَلقًا كثيرًا ممَّن استَوْجَبُوا النارَ بذنوبهم، فيَتَداركهم الله بعفوِه ورحمتِه.
ولا تعارضَ بين هذه الألفاظ؛ فإنَّ المقصودَ بيانُ تجدُّدِ هذا الفضلِ وتكرارِه في رمضان، وأنَّ هذا العِتقَ يتكرَّر في كلِّ يومٍ وليلة، ويكون عند فِطرِ كلِّ يومٍ، أي عند غروب الشمس وانتهاء الصيام؛ ليكون ختامُ الطاعة مقرونًا بالعفو والقبول، فذِكرُ «اليوم» إنما هو باعتبار فطر الصائم، لا على وجه الاستقلال عن الليل.
وقوله: «لكلِّ عبدٍ منهم دعوةٌ مُستجابة»، أي أنَّ كلَّ عبدٍ أعْتَقَهُ الله من النار جَعَل له دعوةً لا تُرَدّ، فهي دعوةٌ مُحقَّقةُ القبول، لا مجرَّدُ دعوةٍ مرجوَّة الإجابة.
وفي الحديث بشارةٌ عظيمةٌ تجمع للمَعْتُوق بين النَّجاة من النار وإجابة الدعاء، فيَنَالُ السلامةَ من العقوبة، ويُعطى مطلوبَه من الخير.
وفيه أيضًا: دليلٌ على كثرةِ العِتقِ في رمضان، وعِظَمِ رحمةِ الله تعالى فيه، غيرَ أنَّه لا يَحسُنُ بالعبد أن يركنَ إلى عفوِ الله وسَعةِ رحمتِه، بل الواجبُ عليه أن يغتنمَ فرصة شهرِ رمضانَ بكثرةِ الطاعة، وصِدقِ التوبة، وحُسنِ الإقبال على الله؛ رجاءَ أن يكون مِن زمرةِ المعْتُوقِين.   


غريب الحديث


«‌عُتقاء»:
العِتْقُ: خلاف الرِّق، وهو الحرية، وكذلك العَتَاق، بالفتح والعَتَاقَة. لسان العرب، لابن منظور (10/ 234).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «إنَّ لله ‌عُتقاء»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إن لله تعالى عُتقاء» جمع عَتِيق. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 328).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن لله عُتقاءَ» أي: مِن النار كانوا قد صاروا أَرِقَّاء لذنوبهم، فأَعْتَقَتهم الرَّحَمة. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 35).

قوله: «في كُل يوم وليلة»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«في كُل يوم وليلة» يعني: من رمضان. فيض القدير (2/ 476).
قال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
«ولله عُتَقَاءُ من النّار» اعْلَمُوا -وفقكم الله ووفق لكم المُعَلِّم- أنَّ لله ‌سبحانه ‌عُتقاء ‌من ‌النار ‌في ‌كُل ‌ليلة ‌ويوم، ‌وفي ‌كُلِّ ساعة من كل شهر، ولعِتقه أسباب من الطاعات، فلله عتقاء من النار بالتوحيد، وبالصلاة، وبالزكاة، وبالصيام، فعتقاء رمضان بثواب الصيام وبركته، وفي الحديث الصحيح: «والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حُجَّة لك أو عليك، كُلُّ الناس يَغْدُو، فبائعٌ نفسَه فمُعْتِقُها أو مُوبِقُها»، فهذا الحديث يفسِّر لك معنى قوله: «عتقاء» والحمد لله. المسالك في شرح موطأ مالك (4/ 249).

قوله: «لِكُل عبد منهم دعوة مستجابة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«لكُلِّ عبدٍ منهم» من الذين أُعْتِقُوا. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 35).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لكل عبدٍ منهم» أي: لكل إنسان من أولئك العُتَقَاء «دعوة مستجابة». فيض القدير (2/ 476).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«دعوة مستجابة» كأنَّ المراد بعد الإعتاق، ويحتمل: قَبْله. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 35).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«دعوة مستجابة» أي: عند فِطْره، أو عند بروز الأمر بِعِتْقِه، وهذه منقبة عظيمة لرمضان وصومِه، وللدعاء، والداعي. فيض القدير (2/ 476).

قوله في لفظ: «إنَّ لله ‌عند ‌كُلِّ ‌فِطر ‌عُتقاء»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«عند كُلِّ فطرٍ» أي: وقت فطرٍ كل يوم من رمضان، وهو تمام الغروب «عتقاء». فيض القدير (2/ 478).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عند كُلِّ فطرٍ» كل إفطار من صوم، أو كل عيدِ فطرٍ، لكن آخر الحديث يُناسب الأول. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 37).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عُتقاء» مِن صائِمِي رمضان. فيض القدير (2/ 478).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعتق الله عبادًا كثيرًا من النار؛ لحُرمة هذا الشهر. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 12).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مِن النار» أي: مِن دخول نار جهنم. فيض القدير (2/ 478).

قوله: «وذلك»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
الإشارة بقوله: «ذلك» إما إلى البعيد، وهو النداء (أي في قوله: «يا باغي الخير أقبل»)، أو إلى القريب، وهو «ولله عتقاء». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1576).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وذلك» أي: المذكور من النداء، والعتق. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 504).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا النداء يكون كل ليلة من ليالي شهر رمضان. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 12).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وذلك في كُل ليلة» بمنزلة التأكيد لما قاله، وإلا فقوله: «عند كل فطر» يشمل كل ليلة بعمومه. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 504).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وذلك» يعني: العتق المفهوم من «عتقاء في كُل ليلة». فيض القدير (2/ 478).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وذلك» أي: كون العُتقاء لله «في كُل ليلة». مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 29).

قوله: «في كُل ليلة»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«في كل ليلة» أي: من رمضان كما جاء مصرَّحًا به في روايات أُخَر، وهذا أيضًا مُعْلِمٌ بعِظَمِ فضل الشهر وصومه. فيض القدير (2/ 478).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«في كل ليلة» أي: عند إقبال كل ليلة من ليالي رمضان عند الفِطر من الصوم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 29).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
(هذا) تنبيه على أن الأجرة يأخذها عند انتهاء عمله متصلًا به. المسالك في شرح موطأ مالك (4/ 249).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال العراقي: الظاهر: أنه أراد كل ليلة من ليالي شهر رمضان.
ويحتمل: أن يراد في كل ليلة من السَّنة كلها، ويتضاعف ذلك في رمضان. قوت المغتذي على جامع الترمذي (1/ 255).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وذلك في كُلِّ ليلة» زيادته لدفع أنه أُريد به يوم عيد الفطر. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 37).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
ولم يُبيِّن في هذه الرواية مقدار العُتقاء في كل ليلة، وقد جاء مصرَّحًا به في روايةٍ للبيهقي من حديث ابن مسعود...، وفيه: «ولله -عزَّ وجلَّ- عند كُلِّ فطرٍ من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفًا، فإذا كان يوم الفطر أَعْتَقَ الله مِثلَ ما أَعْتَقَ في جميع الشهر ستين ألفًا ستين ألفًا». (حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: (599)). الفتح الرباني (10/ 9).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
حديث: «يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة»


إبلاغ عن خطأ