«ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرَةً، فإن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم».
رواه أحمد برقم: (9843)، والترمذي برقم: (3380) واللفظ له، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (5838) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (9965)، وابن حبان برقم: (452): «إلا كان عليهم حَسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة للثواب».
صحيح الجامع برقم: (5607)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (74)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1513).
غريب الحديث
«تِرَةً»:
التِّرَةُ: النقص، وقيل: ها هنا التَّبِعَة، وقد وَتَرْتُهُ تِرَةً، مثل: وَعَدْتُه عِدَة. المجموع المغيث، للمديني (3/ 380).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ما جلس قوم مجلسًا» منصوب على الظرف، وتنكيره لما تقدم. دليل الفالحين (5/ 312).
قوله: «لم يذكروا الله فيه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«لم يذكر الله تعالى فيه» يحتمل: أن يراد الذكر اللساني، وهو المتبادر، ويؤيده قَرْنُ الصلاة على النبي معه...، فإنها لا تكون إلا باللسان مع رفع الصوت إلى أن يسمعها المتكلم بها المعتدل السمع الخالي عن نحو لغط.
(و) يحتمل: أن يكون المراد ما يعمّه، والذكر القلبي، فيدخل فيه من حصل له فيه خوف، أو رجاء لله سبحانه، أو غير ذلك من الأحوال، وإن لم يذكر ما بالمقال. دليل الفالحين (5/ 312).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ويتحقق ذكر الله -عزَّ وجلَّ- في المجالس بصور عديدة، فمثلًا إذا تحدث أحد الأشخاص في المجلس عن آية من آيات الله -عزَّ وجلَّ-، فإن هذا من ذكر الله. شرح رياض الصالحين (4/ 367).
قوله: «ولم يُصَلُّوا على نبيهم»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ولم يصلوا على نبيهم» أي: مع السلام عليه. دليل الفالحين (5/ 312).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولم يصلوا على نبيهم» تخصيص بعد تعميم. مرقاة المفاتيح (4/ 1555).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم» ظاهره أنه لا بد من الأمرين. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 383).
قوله: «إلا كان عليهم تِرَةً»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا كان» يحتمل: أن تكون ناقصة، واسمها مستكن يرجع إلى المجلس، و«عليهم» ظرف إما لغو متعلق بخبر كان أعني «ترة» لما أنه بمعنى نقص، وذلك كالفعل في التعلق به، أو بالفعل نفسه، أو مستقر في محل الحال من اسم كان.
ويحتمل: أنها تامة، و«ترة» فاعلها، و«عليهم» فيه الأوجه المذكورة. دليل الفالحين (5/ 312).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا كان» أي: ذلك المجلس «عليهم ترة». مرقاة المفاتيح (4/ 1555).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«تِرَةً» -بكسر التاء وتخفيف الراء-: تَبِعَةً، ومعاتبة، أو نقصانًا، وحسرة؛ مِن وَتْرِهِ حقه نقصه، وهو سبب الحسرة، ومنه قوله تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} محمد 35. تحفة الأحوذي (9/ 228).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«عليهم من الله ترة» يعني: قطيعة وخسارة. شرح رياض الصالحين (4/ 367).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وقيل: هي النار، وقيل: الذنب. البدر التمام (10/ 393).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وتَرَه حقه أي: نقصه، وكلا الأمرين معقب للحسرة، فعبر عنه في الحديث بالحسرة. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 521).
وقال المغربي -رحمه الله-:
والحسرة تكون في الموقف؛ لما فاتهم من ثواب الذكر والصلاة، وإن صاروا إلى الجنة. البدر التمام (10/ 393).
قوله: «فإن شاء عذبهم»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فإن شاء عذبهم» جزاء ما قصروا في ذلك بتركها. دليل الفالحين (5/ 312).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن شاء عذبهم» أي: بذنوبهم السابقة، وتقصيراتهم اللاحقة. مرقاة المفاتيح (4/ 1555).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن شاء عذبهم» بترك ذلك عدلًا. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 383).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وإن شاء عذبهم» من باب التشديد، والتغليظ، ويحتمل: أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة من حصائد ألسنتهم، والصلوات على الرسول في هذا الحديث تلميح إلى معنى قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} النساء: 64. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1736).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فإن شاء عذبهم» أي: على ذنوبهم الماضية لا على ترك الذكر، فإنه ليس بمعصية كذا في الحرز.
وقيل: إنه على سبيل الزجر والتهديد؛ إذ لله أن يعذب من غير ذنب، فكيف وتفويت ذكره، والصلاة على أفضل خلقه بالكلمات التي تجري في المجالس الموجبة للعقوبة غالبًا في غاية من التفريط والاستهتار بجانب الحق سبحانه، ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فعُلِمَ أنَّ ذلك المجلس لما كان مظنة للذنب نُزِّلَ ما وقع فيه منزلة الذنب، فهددوا بذلك تنفيرًا للناس عن خلو مجالسهم عن أحد الأمرين: الذكر أو الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-. الفتوحات الربانية (6/ 176).
قوله: «وإن شاء غفر لهم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وإن شاء غفر لهم» كرمًا منه. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 348).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإن شاء غفر لهم» أي: فضلًا منه ورحمة، وفيه: إيماء بأنهم إذا ذكروا الله لم يعذبهم حتمًا، بل يغفر لهم جزمًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1555).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وإن شاء غفر لهم» ذلك النقص، وهذا يقتضي وجوب وجود الذكر والصلاة على النبي في المجلس؛ لأنه رتَّب العذاب على ترك ذلك، وهو آية الوجوب، ولم أرَ مَن ذكر عنه القول بوجوب ذلك في كل مجلس، والحديث يقتضيه، والله أعلم. دليل الفالحين (5/ 312).
وقال المناوي -رحمه الله-:
يتأكد ذكر الله والصلاة على رسوله عند إرادة القيام من المجلس، وتحصُل السنة في الذكر والصلاة بأي لفظ كان، لكن الأكمل في الذكر: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وفي الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ما في آخر التشهد. فيض القدير (5/ 439).
قوله في رواية: «إلا كان عليهم حَسرة يوم القيامة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
لأنه خلا عن فائدة يعود عليهم نفعها. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 328).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
لأن المجلس عادة لا يخلو عن كلام زائد أو ناقص، وذكر الله -تبارك وتعالى- بمنزلة الكفارة. بذل المجهود (13/ 272).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عليهم حسرة يوم القيامة»؛ حيث أضاعوه عن ذكر الله، وظاهره ولو لم يجر فيه حديث آخر من أحاديث اللغو، وذلك أنه لا ربح في الدنيا إلا في ذكر الله، فمن فاته فقد خسر، وكذلك إذا كان وحده خاليًا، وإنما خص القوم لأنهم مظنة الأحاديث، فأحسنها ذكر الله، وأقله كفارة المجلس. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 497).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عليهم حسرة يوم القيامة» أي: ندامة لازمة لهم من سوء آثار كلامهم فيه. فيض القدير (5/ 493).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
أي: ندامة لازمة لهم؛ لأجل ما فرطوا في مجلسهم ذلك من ذكر الله تعالى. عون المعبود (13/ 138).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وذلك لِمَا يظهر لهم في موقف الحساب من أجور العامرين لمجالسهم بذكر الله تعالى، فيتحسرون على كل لحظة من أعمارهم لم يذكروا الله فيها. مرعاة المفاتيح (7/ 407).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يعني: أنهم يندمون على ما حصل منهم في ذلك المجلس الذي عُمِرَ باللهو والغفلة، ولا سيما إذا عُمِرَ بالخوض والاشتغال، والطعن في أعراض الناس، فإن ذلك يكون عليهم حسرة وندامة، ويكون شأنهم يوم القيامة أن يؤخذ من حسناتهم للذين أساءوا إليهم وتكلموا في أعراضهم، كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث المفلس: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طُرح في النار»، فهذا يدل على أن المجالس لا يجوز أن تُعْمَر وأن تُشغل بالغيبة والنميمة والكلام الفاحش الساقط الهابط الذي ليس بشيء، وإنما تُعمر المجالس بذكر الله -عزَّ وجلَّ-؛ لأنها إذا عُمرت بذكر الله حضرتها الملائكة، وإذا عُمرت بغير ذلك حضرتها الشياطين، وفرق بين حضور الملائكة وحضور الشياطين، فهذا في غاية الحسن وهذا في غاية السوء. شرح سنن أبي داود (552/ 3).
قوله في رواية: «وإن دخلوا الجنة للثواب»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
أي: الثواب على أعمال أخرى، ولكنهم يتحسرون بسبب تفريطهم في ذكر الله تعالى، وذلك لما يظهر لهم في موقف الحساب من أجور العامرين لمجالسهم بذكر الله تعالى. الفتح الرباني (19/ 166).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وفي الحديث: دلالة على وجوب الذكر والصلاة في المجلس، لا سيما إذا فُسرت الترة بالنار أو العذاب، ومع زيادة قوله: «فإن شاء عذبهم»، فإن التعذيب إنما هو للذنب، واحتمال أن يكون التعذيب بذنب آخر، وأنه مع الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر الله تعالى يغفر لهم الذنوب، ومع عدمها يكون الغفران واقفًا على المشيئة. البدر التمام (10/ 393).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
(و) فيه: الحث على ألا يخلو مجلس عن ذكر الله والصلاة على نبيه. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 383).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
- وجوب الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
- فضل الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
- شرف المجلس الذي يُذكر فيه الله، ويصلى فيه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
- سوء المجلس الذي لا يذكر فيه الله، ولا يُصَلى فيه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 322).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
وفي الحديث: ذم الغفلة عن الذكر، واستحبابه في كل حال من الأحوال. تطريز رياض الصالحين (ص: 509).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
لقد دلَّ هذا الحديث الشريف -وما في معناه- على وجوب ذكر الله سبحانه، وكذا الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل مجلس، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه:
أولًا: قوله: «فإن شاء عذَّبهم وإن شاء غفر لهم»، فإن هذا لا يقال إلا فيما كان فعله واجبًا وتركه معصية.
ثانيًا: قوله: «وإن دخلوا الجنة للثواب»، فإنه ظاهر في كون تارك الذكر والصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم- يستحق دخول النار، وإن كان مصيره إلى الجنة ثوابًا على إيمانه. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 162).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
* المجلس بلا ذكر الله كجيفة حمار وحسرة على أهله.