الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«مَن قرأ بالآيتينِ من آخرِ سورةِ البقرةِ في ‌ليلةٍ ‌كَفَتَاهُ».


رواه البخاري برقم (5009) ومسلم برقم (808)، من حديث أبي مسعود الأنصاري (عُقبة بن عمرو) -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«كَفَتَاهُ»:
أي: أَغْنَتَاهُ عن قيام الليل. وقيل: أراد أنهما أقل ما يجزئ من القراءة في قيام الليل. وقيل: تكفيان الشر وتقيان من المكروه. النهاية، لابن الأثير(4/ 193). 


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ‌ليلة»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
الآيتان من قوله: {آمَنَ اَلرَّسُولُ} البقرة: 285 إلى آخر السورة كما ذكره ابن التين.
وسبب تخصيصهما بما تضمنتا من الثناء على رسول الله وعلى أصحابه؛ لجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه في جميع أمورهم؛ ولِمَا حصل فيهما من إجابة دعائهم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (24/ 69).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «الآيتان» هما: {آمَنَ الرَّسُولُ} البقرة: 285 إلى آخره، قيل: أقل ما يكفي في قيام الليل آيتان؛ لهذا الحديث، يريد مع أمِّ القرآن، وقيل: أقله ثلاث آيات؛ لأنه ليس سورة أقل من ذلك. عمدة القاري (17/ 113).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الآيتان من آخر سورة البقرة» (كما في رواية) يعني من قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ} البقرة: 285 إلى آخر السورة، وآخر الآية الأولى {الْمَصِيرُ} البقرة: 286 ومن ثم إلى آخر السورة آية واحدة، وأما {مَا كَسَبَتْ} البقرة: 286 فليست رأس آية باتفاق العادِّين.
فقوله: «الآيتان» مبتدأ أول، وقوله: «من آخر سورة البقرة» متعلق بصفة له، أي: الكائنتان من آخرها، وقوله: «من قرأهما» «مَن» مبتدأ ثانٍ، «في ليلة» متعلق بـ«قرأ»...
ووقع في رواية للبخاري بلفظ: «من قرأ بهما» قيل: هذه الباء زائدة، وقيل: ضمّن الفعل معنى التبرك، فعُدِّي بالباء، وعلى هذا تقول: قرأت بالسورة، ولا تقول: قرأت بكتابك؛ لفوات معنى التبرك، قاله السهيلي.
قال الجامع -عفا الله عنه-: تقدم عن (المصباح) أنَّ "قَرَأ" يُعَدَّى بنفسه، وبالباء، فلا حاجة إلى دعوى التضمين، فتنبه، والله تعالى أعلى أعلم.
وأخرج علي بن سعيد العسكري في (ثواب القرآن) حديث الباب، ... عن عقبة بن عمرو بلفظ: «مَن قرأهما بعد العِشاء الآخرة، أجزأتا، {آمَنَ الرَّسُولُ} البقرة: 285 إلى آخر السورة». ومن حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- رفعه: «إن الله كتب كتابًا أنزل منه آيتين خَتَمَ بهما سورة البقرة»، وقال في آخره: {آمَنَ الرَّسُولُ} البقرة: 285، وأصله عند الترمذي، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم. البحر المحيط الثجاج (16/ 378).

قوله: «‌كَفَتَاهُ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
محتمل أن يريد كَفَتَاه من قيام الليل، أو من أن يكون ممن توسَّد القرآن، أو من أذى الشياطين، كما جاء فيمن «قرأ آية الكرسي ما يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح»، أو بما حصل له بقراءتهما من الأجر؛ لأنهما مشتملتان على أبواب الإيمان والاستسلام والعبودية لله، والدعاء بخير الدنيا والآخرة. إكمال المعلم (3/ 175).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كَفَتَاهُ» أي: أَجْزَأَتَا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أَجْزَأَتَا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه: أَجْزَأَتَاه فيما يتعلق بالاعتقاد؛ لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل: معناه: كَفَتَاهُ كل سوء، وقيل: كَفَتَاهُ شرَّ الشيطان، وقيل: دفَعَتَا عنه شر الإنس والجن، وقيل: معناه: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختصتا بذلك لما تضمَّنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله، وابتهالهم، ورجوعهم إليه، وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم. فتح الباري (9/ 56).
وقال النووي -رحمه الله-:
«كفتاه» قيل معناه: كفتاه من قيام الليل، وقيل: من الشيطان، وقيل: من الآفات، ويحتمل من الجميع. شرح مسلم (6/ 91).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«كفتاه» أي: دفعتا عن قارئهما شرَّ الإنس والجن، وهو من: كَفَى يكفي كفايةً إذا دفعَ عن أحد شيئًا، وأغناه. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 77).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«كفتاه» أي: فيما يتعلق بالاعتقاد من المبدأ والمعاد والمعاش، وبالعمل من الدعاء والاستغفار وما يترتب عليهما من الثواب، أو كفتاه مما يتعلق بإحياء الليل من التهجد ونحوه.
قال النووي: كَفَتَاه عن قراءة سورة الكهف وآية الكرسي. الكواكب الدراري (19/ 21).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفي قوله: «كفتاه» أقوالٌ: أظهرها: مِن قيام ليلة، وقد جاء مصرحًا به في رواية علقمة عن أبي مسعود البدري أنه قال: «من قرأ خاتمة سورة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة»... وقريب منه: «أقلُّ ما يكفي من قيام الليل آيتان» يريد مع أم القرآن.
وقال ابن شبرمة في البخاري بعد هذا: نظرتُ كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلتُ: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات. وفيه: قول ثانٍ: تكفيه مما يكون من الآفات تلك الليلة.
وثالث: من الشيطان وشره.
ورابع: مِن خوفه إن كان له خوف (فتكفيه آيتان) من القرآن.
وقيل: حسبه بهما أجرًا وفضلًا. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (24/ 69).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وذكر الكرماني عن النووي أنه قال: ‌كفتاه ‌عن ‌قراءة سورة الكهف وآية الكرسي، كذا نقل عنه جازمًا به، ولم يقل ذلك النووي، وإنما قال ما نصه: قيل معناه: كفتاه من قيام الليل، وقيل: من الشيطان، وقيل: من الآفات، ويحتمل من الجميع، هذا آخر كلامه، وكأن سبب الوهم: أن عند النووي عقب هذا "باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي"؛ فلعل النسخة التي وقعت للكرماني سقط منها لفظ "باب" وصُحِّفت "فضل" فصارت "وقيل"، واقتصر النووي في (الأذكار) على الأول والثالث نقلًا ثم قال: قلتُ: ويجوز أن يراد الأولان انتهى.
وعلى هذا فأقول: يجوز أن يُراد جميع ما تقدم، والله أعلم. فتح الباري (9/ 56).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ويؤيد ذلك ما تقرر في عِلم المعاني والبيان مِن أنَّ حذف المتعلِّق مُشعِر بالتعميم، فكأنه قال: كفتاه من كُل شر، أو مِن كل ما يخاف، وفضل الله واسع. تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين (ص:122).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وروى الدارمي أبو محمد عن علي بن أبي طالب قال: "ما أظن أحدًا أعقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما"، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة نزلت عليَّ من كنز تحت العرش، لم يُؤْتَهنّ أحد قبلي». فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (7/ 434).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فهذه ثلاثة عشر حديثًا في فضل هاتين الآيتين مرفوعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد روي في فضلهما من غير المرفوع عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي مسعود وكعب الأحبار والحسن وأبي قلابة، وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يغني عن غيره. فتح القدير (1/ 354).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

- أثر سورة البقرة في طرد الشيطان.


إبلاغ عن خطأ