«ما بالُ أحدِكم يقومُ مستقبلَ ربِّه فيتنَخَّعُ أمَامَه؟ أيحبُّ أحدُكم أنْ يُستقبَلَ فيُتنَخَّعَ في وجِهِه؟ فإذا تَنَخَّعَ أحدُكم فليتنَخَّعْ عن يسارِه، تحتَ قدمِهِ، فإنْ لم يجدْ فليقلْ هكذا» ووصفَ القاسمُ فتَفَلَ في ثوبِهِ، ثم مسحَ بعضَه على بعضٍ.
رواه مسلم برقم: (550)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«بَالُ»:
البَالُ: الحال والشأن. النهاية، لابن الأثير (1/ 164).
«يتنَخَّعُ»:
النُّخَاعة: هي البَزْقَةُ التي تَخرج من أصل الفم، مما يلي أصل النخاع. النهاية، لابن الأثير(5/ 33).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
النُّخاعة بالضم: ما تَفَلَهُ الإنسان كالنخامة، وتنخَّع الرجل: رمى بنُخَاعته. لسان العرب (8/ 349).
«تَفَل»:
التَّفْلُ: شبيهٌ بالبَزْقِ، وهو أقل منه، أوله البَزق، ثم التَّفْل، ثم النَّفْث، ثم النَّفخ، وقد تَفَل يَتْفُل. الصحاح، للجوهري (4/ 1644).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
التَّفْل: نفخ معه أدنى بُزاق، وهو أكثر من النفث. النهاية (1/ 192).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «ما بالُ أحدِكم؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ما بال أحدكم؟» أي: ما حاله وشأنه؟. الكوكب الوهاج (8/ 170).
وقال الشيخ محمد بن آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما بالُ أحدِكُم؟» (ما) استفهامية، والاستفهام إنكاري أي: ما شأنه وما حاله؟ البحر المحيط الثجاج (12/ 373).
قوله: «يقومُ مستقبلَ ربِّه»:
قال الشيخ محمد بن آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«يقومُ» جملة حالية من «أحدكم»، وقوله: «مستقبلَ ربِّه» منصوب على الحال من فاعل «يقوم». البحر المحيط الثجاج (12/ 373).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا محمول على تعظيم حرمة هذه الجهة وتشريفها؛ كما قال: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» أي: بمنزلة يمين الله، ولَمَّا كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده وكُلِّيته إلى هذه الجهة، نزَّلها في حقه منزلة وجود الله تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبلَ قِبلة ربه أو رحمة ربه؛ كما قال في الحديث الآخر: «فلا يبصق قِبَل القِبلة؛ فإن الرحمة تواجهه». المفهم (2/ 157).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يقوم مستقبلَ» قِبلة «ربِّه» سبحانه، ففي الكلام مجاز الحذف. الكوكب الوهاج (8/ 170).
وقال السندي -رحمه الله-:
أي: مستقبلَ الله تعالى، والمراد أنه متوجِّه مُقْبِلٌ إلى الله تعالى فهو كالمستقبِل له تعالى، فينبغي تعظيم تلك الجهة في تلك الحالة. حاشيته على سنن ابن ماجه (1/ 319).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
إنَّ حُرمة الصلاة تتعلق بمحلَّين: مسجد وقِبلة، ثم ثبت أن المسجد يُحترم؛ لأنه بقعة مخصوصة بالصلاة، فكذلك ينبغي أن تُحترم القِبلة؛ لأنها جهة مخصوصة بالصلاة، وهذا هو مذهب مالك -رحمه الله-؛ لأنه عقَّب الباب بقوله: "باب النهي عن البُصاق في القبلة"، فأفهمك أنها إذا احتُرمت عن البصاق إلى جهتها، فأوْلى وأَحْرى أن تُحترم عن البول والغائط، وهما نجسان.
قال لنا فخر الإسلام (الشاشي): قال لنا أبو إسحاق الشيرازي: لو كانت الحُرمة للقِبلة لما جاز الفصد إليها، ولا الحجامة؛ لأنها نجاسة تستقبل بها، قلنا: هذه الأمور الضرورية كالفصد والحجامة والقيء والرعاف التي تأتي العبد بغير اختياره، لا يتعلق بها هذا التكليف كما لم يتعلق بالبنيان. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 394-395).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وإنما يُكره البُصاق إلى القِبلة في الصلاة أو المسجد، فإما مَن بَصَقَ إلى القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك. فتح الباري (3/ 109).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وفرض على المسلم ألا يبصق أمامه ولا عن يمينه، في صلاة كان أو في غير صلاة، وحكمه: أن يبصق في الصلاة في ثوبه، أو عن يساره تحت قدمه، أو على بُعد على يساره، ما لم يُلْقِ البصقة في المسجد، أو يبصق خلفه ما لم يؤذِ بذلك أحدًا، ولا يجوز البصاق في المسجد ألبتة، وإن كان في غير صلاة، إلا أن يدفنه. المحلى بالآثار (2/ 338).
قوله: «فيتنَخَّعُ أمامَه»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
«أمامَه» بفتح الهمزة أي: قُدَّامه، لعل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجاة لله، قاله في حديث ابن عمر في أول الباب: «فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى» أي: الجهة التي عظَّمها. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (3/ 33).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيتنخع» أي: يُخرج النخاعة من رأسه أو صدره ويرميها «أمامه» أي: قدامه. الكوكب الوهاج (8/ 170).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
«فيتنخَّع» بالعين، أو بالميم: يتنخَّم، والمعنى واحد، والبصاق والبزاق والمخاط من الفم، والنخام من الأنف، والنخاع أو النخامة من الحلق أو من الصدر، وكلها طاهرة. توفيق الرب المنعم (2/ 219).
قوله: «أيحبُّ أحدُكم أن يُستقبَلَ فيُتنَخَّعَ في وجِهِه؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أيُحب» بهمزة الاستفهام الإنكاري «أن يُستقبَل» بالبناء للمجهول أي: يُتَوَجَّه إليه «فيُتَنَخَّعَ» بالبناء للمفعول أيضًا أي: فتُخرج النخاعة «في وجهه» أي: قدامه، فهذا لا يحبه لنفسه، فكيف يحبه لربه؟ الكوكب الوهاج (8/ 170).
وقال الشيخ محمد بن آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«أيحبُّ أحدُكم أن يُستقبَل» بالبناء للمفعول أي: يستقبله أحد من الناس «فيتنخع في وجهه؟» بالبناء للمفعول أيضًا، والمعنى: أنه كما يكره أن يقابله أحد ثم يتنخع في وجهه، كذلك ينبغي له أن يعظِّم ربه، ويعظم القِبلة التي يواجه فيها ربه. البحر المحيط الثجاج (12/ 373).
قوله: «فإذا تَنَخَّعَ أحدُكم فليتنَخَّعْ عن يسارِه، تحتَ قدمِه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإذا تَنَخَّع» أي: أراد «أحدكم» أن يخرج النخاعة «فلْيَتَنَخَّع» أي: فليخرجها ويرمها «عن يساره تحت قدمه» إذا لم يكن في المسجد. الكوكب الوهاج (8/ 171).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
تنزيه أيضًا لجهة اليمين عن الأقذار كما نُزِّهت تصريف الميامن فيها، أو تنزيه للملائكة -عليهم السلام-، فقد ذكر البخاري في هذا الحديث زيادة: «فإن عن يمينه مَلَكًا»، وهذا مع إمكان البصاق لغير اليمين من على اليسار وتحت القدم كما جاء في الحديث، فأما مع تعذُّر هذه الجهات؛ لكون مَن يصلي على يساره فله أن يبصق عن يمينه ويدفنه، لكن الأَولى تنزيه اليمين عن ذلك ما قدر؛ لما ذكرناه، وجاء في بعض الطرق: «ولكن عن شماله تحت قدمه» وهذا في غير المحصَّب، فيدلكه بقدمه أو بنعله كما جاء في الحديث، وخَصَّ اليسرى؛ لما قدمناه من تنزيه اليمنى عن إزالة الأقذار وتناولها، قال بعضهم: فيه دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد ما يكتب لكونه في طاعة؛ لأنه علل منع البصاق على اليمين لكون الملَك هناك وأباحه على اليسار. إكمال المعلم (2/ 484- 485).
وقال السنوسي الحسني -رحمه الله- معلقًا:
البصاق في اليسار أو تحت القدم إنما هو في غير المسجد، وأما في المسجد فلا يبصق إلا في الثوب؛ لحديث: «البصاق في المسجد خطيئة». مكمل إكمال إكمال المعلم (2/454).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال القاضي عياض: النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره، فإن تعذَّر فله ذلك، قلتُ: لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذي هو لابسه، وقد أرشده الشارع إلى التَّفل فيه. فتح الباري (1/ 510).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
سمعنا من بعض مشايخنا: أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بُسُطٌ، وما له بال من الحُصُر مما يفسده البصاق ويقذِّره، فلا يجوز احترامًا للمالية، والله تعالى أعلم. المفهم (2/ 160).
قوله: «فإن لم يجدْ فليقلْ هكذا» ووصفَ القاسمُ فتَفَلَ في ثوبِهِ، ثم مسحَ بعضَه على بعضٍ:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإن لم يجد» مكانًا يتنخع فيه؛ كأن كان في المسجد «فليقل» أي: فليفعل بنخاعته «هكذا» أي: مثل الذي بيَّنْتُه لكم، «ووَصَف القاسمُ» بن مهران أي: بَيَّن القاسم ذلك الفعلَ الذي فَعلَه النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا السندِ، وقولُه: «فتَفَلَ» أي: بصق القاسمُ «في ثوبِه ثُم مسح» أي: رَدّ «بعضه على بعض» ومَرّخه، تَفْسيرٌ لقولهِ: «وَصَف».
قوله: «فليقل هكذا» أي: فليفعل هكذا أي: مثل ما أنا بيَّنْتُه لكم، وإطلاق القول على الفعل مَرَّ غير مرة، وهو مجاز مرسل علاقته السببية؛ فإنَّ القول يصير سببًا للفعل. الكوكب الوهاج (8/ 171).
وقال الشيخ محمد بن آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإن لم يجد فليقل هكذا» أي: فليتفل، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو شائع، وقد سبق تحقيقه غير مرة.
ولفظ أبي نعيم في (مستخرجه) من طريق هشيم، عن القاسم بن مهران: «فإن لم يستطع فليبزق في ناحية ثوبه، ثم لِيَرُدَّ بعضه على بعض».
«ووصف القاسم» بن مهران كيفية ما أشار إليه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «فليقل هكذا» «فتفل» تقدم أنه من بابي ضَرَبَ وقَتَلَ «في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض» يعني أنه دَلَكَ ذلك التفل حتى يتلاشى ويذهب أثره، فلا يظهر عليه قبح المنظر. البحر المحيط الثجاج (12/ 374).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
يعني: يتفل في ثوبه ثم يردُّ بعضه إلى بعض، والآن يُفعل هذا بالمنديل. توفيق الرب المنعم (2/ 219).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وهذا يستدل به على أن البصاق على الأرض حيث أمكن فهو أولى من البصاق في الثوب؛ لأنه لم يأمر به إلا عند تعذر البصاق عن يساره، وليس المراد أنه لا يجوز فعله إلا عند تعذر البصاق على الأرض، بل المراد أنه لا حاجة إلى تلويث ثوبه بالبصاق مع القدرة على الاستغناء عنه. فتح الباري (3/ 140).
وقال ابن تيمية –رحمه الله-:
فأمر بالبصاق في الثوب إذا تعذر لا لأن البصاق في الثوب بدل شرعي؛ لكن مثل ذلك يلوث الثوب من غير حاجة. مجموع الفتاوى (21/ 199)
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فإن لم يجد...» الحديث دليل على طهارة البصاق، ولا خلاف فيه إلا شيئًا روي عن سلمان (الفارسي) والنخعي، والناس كلهم على خلافه، وصحيح الآثار يشهد بضده.
وفيه دليل على جواز البصاق في الصلاة لمن احتاج إليه، والنفخ اليسير لمن لم يصنعه عبثًا؛ إذ لا يسلم منه البصاق، وكذلك يجب أن يكون التنخم والتنحنح لمن اضطر إليهما، وهو أحد قولَي مالك أن ذلك كله لا يفسد الصلاة، وبه قال الشافعي، وقال مالك أيضًا: ذلك يفسدها، وهو قول أبي حنيفة. إكمال المعلم (2/ 485- 486).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- أيضًا:
وكونه (أي: البزاق في المسجد) خطيئة إنما هو لمن تفل فيه ولم يَدفن؛ لأنه يقذِّر المسجد، ويتأذى به من يعلق به أو رآه، كما جاء في الحديث الآخر: «لئلا تُصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه»، فأما مَن اضطر إلى ذلك فدَفَن وفعل ما أُمر به فلم يأتِ خطيئة، فكأنَّ بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفَّرها، لو قدَّرنا بصاقه فيه ولم يدفنه. إكمال المعلم (2/ 487).
وقال العيني -رحمه الله-:
واعلم أن البصاق في المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إليه أم لا، فإن احتاج يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد يكون خطيئة وعليه أن يكفِّر هذه الخطيئة بدفنه. عمدة القاري (4/ 150).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: جواز الفعل في الصلاة.
وفيه: أن البزاق والمخاط والنخاعة طاهرات، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين إلا ما حكاه الخطابي عن إبراهيم النخعي أنه قال: البزاق نجس، ولا أظنه يصح عنه.
وفيه: أن البصاق لا يُبطل الصلاة، وكذا التنخع إن لم يتبين منه حرفان أو كان مغلوبًا عليه. شرح مسلم (5/ 40).
وقال الأسطواني -رحمه الله-:
فهذا يدل على أنَّ المراد بالنهي التحريم؛ لأنَّه قد اقترن بالوعيد، ولا سيما أنَّه مؤذٍ لله ولرسوله، وهو يدل على التحريم، كما لا يخفى. أصل الزراري شرح صحيح البخاري (ص :275).
وقال الشيخ محمد بن آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي الحديث):
منها: بيان النهي عن البزاق في المسجد في الصلاة أو غيرها.
ومنها: بيان النهي عن البزاق بين المصلي وقِبلته؛ لأنه يناجي ربه.
ومنها: النهي عن البزاق عن يمين المصلي؛ لأنه مكان الملك.
ومنها: بيان طهارة البصاق والنخامة؛ إذ لو لم يكن طاهرًا لما أُمر بدفنه في المسجد، ولا بأن يبصق في ثوبه ويدلكه كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهو كذلك...
ومنها: أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة، ولا تفسد صلاته.
ومنها: أن البصاق طاهر، وكذا النخامة والمخاط خلافًا لمن يقول: كل ما تستقذره النفس نجس.
ومنها: أنه يستفاد منه أن التَّحسين والتقبيح إنما هو بالشرع، فإن جهة اليمين مفضَّلة على اليسار، وأن اليد مفضلة على القدم، هكذا قصر في (الفتح) التحسين والتقبيح على الشرع فقط، وهو مذهب الأشاعرة، والحق أن التحسين والتقبيح بالشرع والعقل، وإنما الذي يختص بالشرع هي الأحكام الشرعية من الإيجاب والتحريم، ومقدار الثواب والعقاب ونحو ذلك. البحر المحيط الثجاج (12/ 360).
ولمزيد من الفائدة يُنظر: