«إسباغُ الوُضُوءِ في المكارهِ، وإعمالُ الأقدامِ إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ يَغْسِلُ الخطايا غَسْلًا».
رواه الحاكم برقم: (456)، وأبو يعلى برقم: (488)، والبزار في البحر الزخار برقم: (528) والقاسم بن سلام في كتاب الطهور برقم: (14)، والضياء في المختارة برقم: (477)، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
ورواه بنحوه ابن ماجه برقم: (428)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (926)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (191).
غريب الحديث
«إِسْبَاغُ»:
الإِسْبَاغُ: استيعاب المحل، وتطويل الغرُّة، وتكرار المسح، والغَسل ثلاثًا. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 396).
وقال الحميدي -رحمه الله-:
«إِسْبَاغُ الوضوء»: إتمامه على ما أمر به واستيعابه، ويقال: شيء سابغ، أي: كامل. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص: 430).
«الْمَكَاره»:
جمع الْمَكْرَهِ وهو ضد الْمَنْشَط، يقال: فلان يفعل كذا على الْمَكْرَهِ والمنشط، أي: على كل حال. الفائق في غريب الحديث (3/255).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«المكارِه» هي جمع مَكْرَهٍ، وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكُره بالضم والفتح: المشقة، والمعنى: أن يتوضأ مع البرد الشديد والعِلَل التي يتأذى معها بمسِّ الماء. النهاية (4/ 168).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إسباغ الوُضُوء على المكاره»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله: «إسباغ الوضوء على المكاره» فالإسباغ: الإكمال والإتمام في اللغة، من ذلك قول الله -عز وجل-: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} لقمان: 20، يعني: أَتَمَّها عليكم وأكملها.
وإسباغ الوضوء: أن تأتي بالماء على كل عضو يلزمك غسله، وتعمَّه كله بالماء، وجرِّ اليد (إمرار اليد) وما لم تأتِ عليه بالماء منه فلم تغسله، بل مسحته، ومَن مسح عضوًا يلزمه غسله، فلا وضوء له ولا صلاة، حتى يغسل ما أمر الله بغسله، على حسب ما وصفت لك. التمهيد (13/ 56).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إسباغ الوضوء على المكاره»... فإسباغ الوضوء في شِدة البرد من أفضل الأعمال، ومِن أعلى خصال الإيمان، فلو لم يسبغ الوضوء بالغسل حتى تَرك قدرًا يسيرًا من أي عضو من أعضاء الوضوء لم تصح طهارته، واستحق على ذلك العقوبة إذا ترك شيئًا من ذلك، وكذا لو كان على أعضاء الوضوء ما يمنع وصول الماء إلى البَشَرة كشمعة أو أثر عجين أو طعام أو غير ذلك، وقد تُوُعِّد على ذلك بالنار، ففي الحديث: «ويل للأعقاب من النار». فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب(2/ 386).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إسباغ الوضوء» مضاف إلى مفعوله، أي: إسباغكم، والإسباغ: الإتمام، أي: إبلاغ كل عضو إلى حيث شرعه الله، وليس من مسماه التكرير. التحبير لإيضاح معاني التيسير (7/ 157).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله: «على المكاره» فقيل: أراد البرد وشدته، وكل حال يُكْرِهُ المرء فيها نفسه، بدفع وسوسة الشيطان في تكسيله إياه عن الطاعة، والعمل الصالح، والله أعلم. التمهيد (13/ 56).
وقال الإمام النووي -رحمه الله-:
«المكاره» تكون بشدة البرد وألم الجسم ونحو ذلك. شرح صحيح مسلم (3/ 141).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «على المكاره»... المراد هنا: على حال كُرْهِ الإِنسان الماء؛ لمشقته عليه كالأوقات الباردة التي يَكره الناس فيها الماء البارد، والمكاره جمع مَكْرَهٍ، وهو كل ما لا يحبه الإِنسان لمشقته عليه؛ لأن فعله تكرهه النفس ويخالف هواها، والأوامر الشرعية غالبها ثقيل على النفس؛ ولهذا قيل لها: التكليف؛ لأنها في مذاق متَّبِعي الهوى مُرّة؛ ولهذا قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات: 40-41.
والمكارِه في الوضوء كوقت البرد كما تقدّم، وحال التعب والاستعجال كما في حديث: «ويل للأعقاب من النار» ... والأجر على قدر المشقة كما في حديث عائشة ... قال: «لكنها على قَدْرِ نَصَبِكِ»، أي: أجرك فيها على قدر تعبك. شرح سنن النسائي (2/453).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما إذا كان فعل العبادة لا يتأتى إلا بمشقة، وهذه المشقة لا تسقطها عنك، ففعَلْتَها على مشقة، فهذا أجر يزداد لك، فإنّ «إسباغ الوضوء على المكاره» مما يرفع الله به الدرجات ويكفِّر به الخطايا، لكن كون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل هذا خلاف الأفضل، فالأفضل اتباع الأسهل في كل شيء. شرح رياض الصالحين (3/ 588).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
لكن هذا لا يعني أنَّ الإنسان يشقُّ على نفسه؛ ويذهب يتوضأ بالبارد، ويترك الساخن، أو يكون عنده ما يسخِّن به الماء، ويقول: لا، أريد أن أتوضأ بالماء البارد؛ لأنال هذا الأجر، فهذا غير مشروع؛ لأن الله يقول: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} النساء:147، و «رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا واقفًا في الشمس قال: ما هذا؟ قالوا: نَذَرَ أن يقف في الشمس» فنهاه عن ذلك، وأمره أن يستظلَّ، فالإنسان ليس مأمورًا ولا مندوبًا أن يفعل ما يشق عليه ويضره، بل كلما سَهُلَت عليه العبادة فهو أفضل، لكن إذا كان لا بد من الأذى والكُرْهِ فإنه يؤجَر على ذلك؛ لأنه بغير اختياره. شرح رياض الصالحين(5/ 21).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«على المكاره» أي: متجلدًا على المكاره، مستعليًا عليها، جمع مَكْرَهَةٍ، بمعنى: الكُرْهِ والمشقة، أي: إسباغه حال كراهة فعله لمشقته لشدة برده، أو علة يتأذى معها بمس الماء، أو لإعوازه وتحمل المشقة في طلبه، وابتياعه بثمن غالٍ، ونحو ذلك.
وفيه: أنَّ الأجور على المشقات. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 368).
وقال الأصبهاني -رحمه الله-:
«المكاره» ... ويجوز أن يراد به: إعواز الماء وضيقه، حتى لا يقدر عليه إلا بالثمن الغالي. المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (3/ 37).
قوله: «وإعمال الأقدام إلى المساجد»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وإعمال الأقدام إلى المساجد» السعي إليها لنحو صلاة. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 209).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«وإعمال الأقدام» بفتح أوله أي: استعمالها في المشي بالتكرار، أو لبُعد الدار هو أفضل كما يأتي، «إلى المساجد» أي: مواضع الجماعة. فيض القدير (1/ 483).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وإعمال الأقدام» بالكسر مصدر عَمِلَ أي: جعلتها عاملة أي: ساعية إلى المساجد داعية إليها، وفتح الهمزة على أنه عمل بعيد، والله أعلم. حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/ 165).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإعمال الأقدام» بكسر الهمزة أي: نقلها، وعبَّر عنه بالأعمال إشارة إلى أنه عمل متكرر بنية واختيار. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 308).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلى المساجد» للصلاة وغيرها من العبادات، ولا دلالة في ذلك على فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة منه، كما ذكره ابن حجر، فإنه لا فضيلة للبعد في ذاته، بل في تحمل المشقة المترتبة عليه؛ ولذا لو كان للدار طريقان إلى المسجد، ويأتي من الأبعد ليس له ثواب على قدر الزيادة، وإنما رغَّب في الحديث على كثرة الخُطَا تسلية لمن بَعُدَ داره، وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: «دياركم تُكْتَبُ آثاركم» لمن بَعُدَت ديارهم عن مسجده؛ فأرادوا القُرب منه دليل على أنهم فهموا أن القرب منه أفضل؛ لما يترتب عليه من معرفة الأوقات وعدم فوت الجمعة والجماعات، فسلَّاهم -عليه الصلاة والسلام- بقوله: «تُكتب آثاركم» يعني: إن فاتكم بعض الفوائد يحصل لكم بعض العوائد، والأمر بلزوم الديار لما يترتب من تغيير الدار كثير من الأكدار مع أنه قيل: إنما أَمَرَهم بالاستمرار لئلا يخلو حول المدينة، ويصير محل الإمكار، ويؤيد ما قلنا عدَّه -عليه الصلاة والسلام- من شؤم الدار بعدها من المسجد. مرقاة المفاتيح (1/ 344).
قوله: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة»:
قال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
قوله: «انتظار الصلاة بعد الصلاة» يريد: كالعصر بعد الظهر، والعشاء بعد المغرب.
وأما انتظار الصبح بعد العشاء فلم يكن من عمل الناس؛ لأنه وقت يتكرر فيه الحدث، وكذلك الظهر بعد الصبح.
وأما المغرب بعد العصر، فلا أذكر فيه نصًّا، وحكمه عندي حكم الصبح بعد العشاء؛ لأنه ينتظر صلاةً ليس بينها وبين التي صلّى اشتراك في وقت. المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 133).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة» يعني: إذا أدى صلاة بالجماعة، أو منفردًا ينتظر صلاة أخرى، وتعلق قلبه بها، إما أن يجلس في المسجد ينتظرها، أو يكون في بيته، أو مشتغل بكسبه وقلبه متعلق بالصلاة ينتظر حضورها. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 348).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة» لأن انتظار الصلاة يجوز أن يكون -وهو الأفضل والأكمل- شوقًا إليها؛ لأنها تخلُّصٌ من مخاطبة الخلق، وعذر في ترك أجوبتهم، وانقطاع إلى الخالق سبحانه وتعالى، ويجوز أن يكون الانتظار لها اهتمامًا بآدابها، وخوفًا من فوت فاضل وقتها، وهذا إذا كان من ذي شغل كان داخلًا في الموصوفين بقوله تعالى: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} النور: 37، وإن كان من متفرغ فإنه يدخل في قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} المزمل: 8. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 159).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة» ظاهره انتظارها حيث صُلِّيت الأولى في مسجد أو غيره، ويحتمل: أنْ يُراد توطين النفس على أدائها، وإن لم يكن في مسجد. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 308).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة» يحتمل وجهين:
أحدهما: الجلوس في المسجد، وذلك يتصور في أكثر الصلوات: العصر، والمغرب، والعشاء ولا يكون بين العَتَمة والصبح...
الوجه الثاني: تعلُّق القلب بالصلاة والاهتمام بها والتأهب لها، وهذا يتصور في الصلوات كلها. النفح الشذي شرح جامع الترمذي (1/457).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
السبب الثالث من مكفرات الذنوب: الجلوس في المساجد بعد الصلوات، والمراد بهذا الجلوس: انتظار صلاة أخرى كما في حديث أبي هريرة: «… وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» فجعل هذا من الرباط في سبيل الله -عز وجل-، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها؛ فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤدِّيها ثم يذهب تقصر مدة انتظاره، بخلاف من صلى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلى صلاة جلس ينتظر ما بَعْدَها استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله -عز وجل-. اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص:67).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة» ...قيل: أراد به الاعتكاف. فيض القدير (3/ 109).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة»... قال الشيخ -يعني ابن عرفة-: جلوس الإمام في المسجد ينتظر الصلاة يدفع بذلك مشقة الرجوع لبُعْدٍ أو مطرٍ لا يمنع من نيل الثواب. شرح على الموطأ (1/ 557).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة» قوله: «انتظار» مصدر انتظر الشيء إذا ترقّب وقته، وهو مصدر معطوف على إسباغ الوضوء.
وقوله: «بعد الصلاة» أي: بعد أداء التي صلّاها، و(أل) في الصلاة للعهد الذهني؛ لأن المراد إحدى الصلوات المكتوبات، ويحتمل أنها للجنس، فتكون من باب العام الذي أريد به الخصوص؛ لأن الشرع دلّ على أنه لا ينتظر ويتردد للمسجد لأدائه إلا المكتوبات، وأما التطوّع ففعله في البيوت أفضل... ولم تجرِ العادة أنه يُنْتَظر؛ لعدم اختصاصه في الغالب بوقت، وهذا صادق بجلوسه في المسجد ينتظر، وبشغل قلبه بها حتى يحضر وقتها فيذهب إليها كما في قوله –صلى الله عليه وسلم-: «ورجل قلبه معلّق بالمسجد» فالأمران يصدق عليهما انتظار الصلاة بعد الصلاة. شرح سنن النسائي (2/ 454).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«انتظار الصلاة بعد الصلاة» يعني: أن الإنسان من شدة شوقه إلى الصلوات، كُلَّما فرغ من صلاة، فقلبه مُتعلق بالصلاة الأخرى ينتظرها، فإن هذا يدل على إيمانه ومحبته وشوقه لهذه الصلوات العظيمة، التي قال عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة» فإذا كان ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فإن هذا مما يرفع الله به الدرجات، ويكفِّر به الخطايا. شرح رياض الصالحين (2/ 186).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة» المعنى: انتظار الصلاة بقَلْبِهِ، واهتمامه ومراقبته للصلاة حتى يعود إليها في المسجد إذا جاء وقتها، وليس المراد أنه يجلس في المسجد ويعطِّل أعماله وواجباته، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل الخَلق ما كان يجلس في المسجد، بل كان يخرج للدعوة إلى الله، وزيارة المريض، واتباع الجنائز، وزيارة بعض أصحابه، وقضاء حوائج أهله وحوائج الناس. بل لو جلس في المسجد وعطَّل الواجبات لكان آثمًا، بل إن هذا جريمة ومنكر.
فانتظار الصلاة بعد الصلاة نوع من الرباط والمرابطة في سبيل الله، والمرابط في سبيل الله ليس ملازمًا للمكان، يذهب ليأكل، ويبيع ويشتري، ويقضي حوائجه، لكنه مستعدٌّ للدفاع عند الحاجة ومنتبه ومهتم ومراقب، وكذلك المنتظر للصلاة، ينتظرها بقلبه، وإن كان يخرج من المسجد لقضاء حوائجه وأداء الواجبات والمستحبات، وإذا جلس بين العشاءين في المسجد بعض الأحيان للتلاوة، أو لطلب العلم، فهذا نوع من المرابطة. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (1/465).
قوله: «يَغْسِلُ الْخَطَايَا غَسْلًا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«يغسل» هذه الثلاثة «الخطايا غسلًا» تأكيدًا لذلك. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 308).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«تغسل الخطايا غسلًا» أي: تمحها فلا تُبقي شيئًا من الذنوب كما لا يُبقي الغسل شيئًا مِن وسخ الثوب ودنسه، فكما أن الثوب يُغسل بماء حار ونحو صابون لإزالة الدنس، فكذا السيئات تغسل بالحسنات، فالمحو كناية عن الغفران، أو المراد محوها من صُحف الملائكة التي يكون فيها المحو والإثبات لا في أم الكتاب التي هي عِلْمُ الله الباقية على ما هي عليه، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها أبدًا.
ثم قضية ذلك وقفه على مجموع الخصال الثلاثة، لكن في أخبار أُخر ما يدل على استقلالها كل منها في ذلك، والمراد الصغائر؛ بدليل قوله في الحديث الآتي: «ما اجْتُنِبَتِ الكبائر» وأخذ بعض أهل القرن السابع بالتعميم، رده مغلطاي بأنه جهل بيِّنٌ وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز حمله على العموم مع قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} التحريم: 8، و{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} النور: 31، في آي كثيرة؟! فلو كانت أعمال البر مكفِّرة للكبائر لم يكن لأمره بالتوبة معنى، وكان كل مَن توضأ وصلى يشهد له بالجنة، وإن ارتكب كل كبيرة. فيض القدير (1/ 484).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
حديث: «ألا أَدُلُّكُم على ما يَمْحُو اللهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟»