السبت 27 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-10

A a

«والله إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلى أهلي فأجد التَّمْرة ساقطة على فِراشي، أو في بيتي، فأرفعها لآكُلها، ثم أَخشى أنْ تكون صدقة، أو من الصدقة فأُلْقيها».


رواه البخاري برقم: (2432)، ومسلم برقم: (1070) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية للبخاري برقم: (2055)، واللفظ له، ومسلم برقم: (1071)، من حديث أنس -رضي الله عنه-: «مرَّ النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِتَمْرة مَسْقُوطَة، فقال: ‌لولا ‌أن ‌تكون ‌صدقة ‌لأكلتها».
وفي لفظ للبخاري برقم: (2431)، ومسلم برقم: (1071): «مرَّ بتمرةٍ بالطريق...».


مختصر شرح الحديث


 


غريب الحديث


«أَنْقَلِبُ»:
الانقلاب: الرجوع مطلقًا. لسان العرب، لابن منظور (1/ 686).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
قَلَبْتُ الشيء فانْقَلَب. وانْقَلَب: أي رجع، قال اللّه تعالى: }وَمَنْ يَنْقَلِبْ‌‌‌‌ عَلى عَقِبَيْهِ {آل عمران: 144، والمنقلَب: المرجع. شمس العلوم (8/ 5616).

«مَسْقُوطَة»:
أي: ساقطة. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 85).
قال الزبيدي -رحمه الله-:
«بتمرة ‌مسقوطة»، قيل: أراد ساقطة، وقيل: على النَّسَب، أي: ذات سقوط، ويمكن أن يكون من الإسقاط، مثل: أحَمَّه الله فهو محموم. تاج العروس (19/ 369).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «والله إنِّي لأنقلب إلى أهلي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنِّي لأنقلب» أي: لأنصرف وأرجع «إلى أهلي» ومنزلي. الكوكب الوهاج (12/ 296).

قوله: «فأجد التَّمْرة ساقطة على فراشي، أو في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أنْ تكون صدقة، أو من الصدقة فأُلْقيها»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أجد» ذُكِر بلفظ المضارع؛ استحضارًا للصورة الماضية. عمدة القاري (11/ 171).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها» إلى فمي «لآكلها ثم أخشى» وأخاف «أن تكون» تلك التمرة «صدقة فألقيها» أي: أرميها، قال ابن الملك: في الحديث بيان أنَّ التَّكبّر مُنْتَفٍ عن ذاته -صلى الله عليه وسلم-، حيث لم يتعاظم عن رفع شيء مُحَقَّر للأكل، وإرشاد لأمَّته. الكوكب الوهاج (12/ 296).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله -أيضًا:
«لِآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة أو مِن الصدقة فألقيها» والشك في الموضعين مِن همام بن منبه (أحد الرواة). الكوكب الوهاج (12/ 297).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم أخشى أن تكون صدقة» أي: مِن جملة تمر الصدقة التي تَولَّى قِسْمَتَها، فَسَقَطَت تلك منها «فأُلْقِيها» قال في "العمدة": بضم الهمزة، من الإلقاء، وهو: الرمي. البحر المحيط الثجاج (20/ 309).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنِّي لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها» فيه تحريم الصدقة عليه -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّه لا فرق بين صدقة الفرض والتطوع؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الصدقة» بالألف واللام، وهي تَعُم النوعين، ولم يقل: الزكاة.
وفيه استعمال الورع؛ لأنَّ هذه التمرة لا تُحْرَم بمجرد الاحتمال، لكنَّ الورع: تَرْكُها. شرح صحيح مسلم (7/176، 177).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «فأُلقيها» بالرفع لا غير، وفيه حرمة الصدقة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاحتراز عن الشبهة، وقيل: هذا أشدّ ما رُوي في الشبهات، وقالوا: فيه دليل على إباحة الشيء التَّافِه المُلْتَقَط بدون التعريف. الكواكب الدراري (11/ 7).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فأُلقيها» بالرَّفع، أي: على الأرض، وفي نسخة: بالنَّصب عَطْف على «تكون» بمعنى: «أخشى أن تكون صدقة فألقيها» في جوفي، فمن قال: لا يصحُّ عطفه، على أن تكون بناءً على أنَّ المعنى: فألقيها على الأرض. منحة الباري (5/ 203).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
«إني ‌لأنقلب ‌إلى ‌أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها» وهذا من الأشياء التافهة التي عُلِمَ أنَّ صاحبها لا يطلبها، فلا تعريف فيها، وأمَّا النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنَّما امتنع عن أكلها؛ مخافة أن تكون من الصدقة، وفي الكُتُب: أنَّ عمر مَرَّ على أعرابي يُعَرِّفُ تَمرًا، فخفقة بالدِّرَّة، وقال: «كُلْ يا بَارِدَ الزّهد». فيض الباري (3/ 598).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والنكتة في ذكره هنا (أي في باب ما يُتَنَزَّهُ): ما فيه من تعيين المحل الذي رأى فيه التمرة وهو فراشه -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك لم يأكلها، وذلك أبلغ في الورع، قال المهلب: لعله -صلى الله عليه وسلم- كان يقسم الصدقة ثم يرجع إلى أهله فَيَعْلَقُ بثوبه من تمر الصدقة شيء فيقع في فراشه، وإلا فما الفرق بين هذا وبين أكله من اللحم الذي تُصدق به على بريرة؟ قلت: ولم ينحصر وجود شيء من تمر الصدقة في غير بيته حتى يُحتاج إلى هذا التأويل، بل يحتمل أن يكون ذلك التمر حُمل إلى بعض من يستحق الصدقة ممن هو في بيته وتأخر تسليم ذلك له، أو حُمل إلى بيته فقسمه فبقيت منه بقية. فتح الباري (4/ 294).

قوله في الرواية الأخرى: «مرَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بتمرةٍ مسقُوطَة، فقال: ‌لولا ‌أن ‌تكون ‌صدقة ‌لأكلتها» وفي لفظ: «بتمرةٍ في الطريق..»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «مَرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بتمرة» أي: مُلقاة «في الطريق، فقال: لولا إني أخاف أن تكون من الصدقة» أي: من تمرها «لأكلتها» فتركها؛ تَنَزُّهًا لأجل الشبهة، وهو احتمال كونها من الصدقة، والحديث ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المُحَقَّرَات ملقًى في الطرقات؛ لأنَّه -صلى الله عليه وسلم- ذَكَر أنه لم يمتنع من أكلها إلَّا تورعًا لخشية أن تكون من الصدقة التي حُرمت عليه، لا لكونها مَرْمِيَّة في الطريق فقط. مرعاة المفاتيح (6/ 212).
وقال الصغاني -رحمه الله-:
«مرّ بتمرةٍ ‌مسقوطةٍ» مثل قولهِ تعالى: {كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} مريم: 61، أي: آتيًا، وقيل: ‌مسقوطة بمعنى النَّسب، أي: ذات سقوطٍ، كجاريةٍ مغنوجةٍ، أي: ذات غَنَجٍ؛ ولا يقال: غنَجْتها، ويمكن أن يكون من الإسقاط، مثل: أَحَمَّهُ الله فهو محموم. العباب الزاخر (1/ 265).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
هذا على ظاهر الوَرَع والتَّنزّه، وأما طريق الإباحة والفتوى فالحُكْم للغالب والأكثر. إكمال المعلم (3/ 625).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«لولا أنِّي أخاف أن تكون مِن الصدقة لأكلتها»...، فيه دليل: على أن اللُّقَطَة اليسيرة التي لا تتعلّق بها نفس فاقدها لا تحتاج إلى تعريف، وأنها تُستباح من غير ذلك؛ لأنه علّل امتناعه من أكلها: هو خوفه أن تكون من الصدقة، ثم إن دليل خطابه: أنَّها لو سَلِمَت من ذلك المانع لأكلها. المفهم (3/ 124).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لأكلتها» ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقَّرات ملقًى في الطرقات، لأنه -صلى الله عليه وسلم- ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعًا لخشية أن تكون من الصدقة التي حُرمت عليه، لا لكونها مرمية في الطريق فقط...، لكن هل يُقال: إنها لُقَطة رُخِّص في ترْك تعريفها، أو ليست لقطة؛ لأن اللقطة ما من شأنه أن يُتملك دون ما لا قيمة له؟
وقد استَشْكل بعضهم ترْكَه -صلى الله عليه وسلم- التمرة في الطريق مع أن الإمام يأخذ المال الضائع للحفظ، وأجيب: باحتمال أن يكون أخَذَها كذلك؛ لأنه ليس في الحديث ما ينفيه، أو تَرَكَها عمدًا لينتفع بها مَن يجدها ممن تَحِل له الصدقة، وإنَّما يجب على الإمام حفظ المال الذي يَعْلم تَطَلّع صاحبه له، لا ما جرت به العادة بالإعراض عنه لحقارته، والله أعلم. فتح الباري (5/ 86).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يجوز له أخْذُها (التمرة الملقاة في الطريق) وأكْلُها، وكذا نحوها من المُحَقَّرَات، وهو المشهور المجزوم به عند الأكثر، وأشار الرافعي إلى تخريج وجه فيه، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق ميمونة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّها وجدت تمرة فأكلتها، وقالت: لا يُحب الله الفساد، تعني: أنَّها لو تُرِكَت فلم تؤخذ فتؤكل فَسَدَت. فتح الباري (5/ 86).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال المهلب -رحمه الله-: إنَّما تَرَك النبي -صلى الله عليه وسلم- أكل التمرة؛ تَنَزّها عنها؛ لجواز أن تكون مِن تمر الصدقة، وليس على غيره بواجب أن يتبع الجوازات؛ لأن الأشياء مباحة، حتى يقوم الدليل على الحظر، فالتَّنَزّه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أَشْكَلَ أمرُه، ولا يُدرَى أحلال هو أم حرام، واحْتمل المعنيين، ولا دليل على أحدهما، ولا يجوز أن يُحْكَم على مَن أخذ مثل ذلك أنَّه أَخَذَ حرامًا؛ لاحتمال أن يكون حلالًا، غير أنَّا نستحب من باب الورع أن نقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما فَعَل في التمرة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- للنواس بن سمعان -رضي الله عنه-: «البِرُّ حُسن الخلق، والإثم ما حَاكَ في صدرك، وكرهْتَ أن يطَّلع فيه الناس» رواه مسلم.
وقال ابن عمر -رضي الله عنه-: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يَدَعَ ما حاك في الصدور. البحر المحيط الثجاج (20/ 309).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الصدقة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله محرّمة، وهل يعمّ التحريم الواجبات وغيرها، أو يخص الواجبة؟
اختلف فيه: فذهب مالك وأبو حنيفة في أحد قوليه إلى أن المحرّم الواجبة فقط.
وحكى ابن القصار عن بعض أصحابنا: أن المحرّم صدقة التطوع دون الفريضة؛ لأنها لا مِنَّةَ فيها.
وقال أبو حنيفة أيضًا: إنها كلّها حلال لبني هاشم وغيرهم، وإنَّما كان ذلك محرمًا عليهم؛ إذ كانوا يأخذون سَهم ذي القُربى، فلمَّا قُطِع عنهم حَلَّتْ لهم، ونحوه عن الأبهري من شيوخنا.
وروي عن أبي يوسف: أنها حرام عليهم من غيرهم، حلال لهم صدقة بعضهم على بعض.
قلت: والظاهر من هذه الأحاديث أنها مُحرَّمة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله، فرضُها ونفلُها؛ تمسُّكًا بالعمومات. المفهم (3/ 124).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختُلِف مَن هُمْ آل محمد هؤلاء: فقال مالك وأكثر أصاحبه: هم بنو هاشم خاصة، ومثله عن أبي حنيفة واستثنى آل أبي لهب، وقال الشافعي: هم بنو هاشم، ويدخل فيهم بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّا نحن وبنو المطلب شيء واحد»؛ ولِقَسْم النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم مع بني هاشم سهم ذي القربى دون غيرهم، ونحا إلى هذا بعض شيوخ المالكية.
وقال أصبغ: هم عشيرة النبي -عليه السلام- الأقربون الذين أُمِرَ بإنذارهم، آل قصي، قال: وقيل: قريش كلها. إكمال المعلم (3/ 626).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قلت: وفي الأم: أنَّ زيد بن أرقم سُئِل عن أهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن هُم؟ فقال: أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومَن هُم؟ قال: هم آل عليٍ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآل عباس، فقال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.
وهذا يؤيد قول مالك؛ فإن هؤلاء كلُّهم بنو هاشم. المفهم (3/125، 126).
وقال المازري -رحمه الله-:
هذا (الحديث) فيه دليل على أنَّ المال وإنْ كان الأقلُّ منه حرامًا يُجْتَنَب؛ لأن الزكاة في جنب الأموال يسيرة، فإذا امْتَنَع من الأكل مع تجويز التحريم، فأحْرَى مع ثبوته وتَحَقُّقه. المعلم (2/ 40).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
فيه: تحريم قليل الصدقة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويؤخذ منه تحريم كثيرها من باب الأولى. مرعاة المفاتيح (6/ 212).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: استعمال الورع.
وفيه: أن التمرة ونحوها من محقَّرات الأموال لا يجب تعريفها بل يباح أكلها والتصرف فيها في الحال؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- إنما تركها خشية أن تكون من الصدقة، لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه وعلَّلَه أصحابنا وغيرهم: بأن صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع والله أعلم. شرح صحيح مسلم (7/ 178).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
في الحديث: دليل على وَرَعِ النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث لم يأكل هذه التمرة مع أنَّها مُباحة له؛ لأنَّها مِن حيث المِلك لُقطة يسيرة، ومن حيث الصدقة لم تَتَحَقَّق، ولكن ورعه كفَّهُ عمَّا فيه شبهة، وإنْ قَلَّت. منحة العلام (7/ 71).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

حديث: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بها؛ أما عَلِمْتَ أنَّا لا نأكلُ الصَّدقةَ؟».


إبلاغ عن خطأ