«مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خيرًا يُصِبْ منهُ».
رواه البخاري برقم: (5645)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يُصِبْ منه»:
أي: ابتلاه بالمصائب؛ ليثيبه عليها... وهو الأمر المكروه ينزل بالإنسان. النهاية لابن الأثير (3/ 57).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن يُرد اللهُ به خيرًا يُصِبْ منه»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«مَن يرد الله به خيرًا» تنوينه للتنويع، والجار والمجرور حال عنه؛ أي: خيرًا ملتبسًا به.
«يُصِبْ» بالجزم جواب الشرط، روي مجهولًا؛ أي: يصير ذا مصيبة، وهي اسم لكل مكروه، ومعلومًا؛ أي: يجعله الله ذا مصيبة؛ ليطهِّره بها من الذنوب، وليرفع بها درجاته.
«منه» بمعنى لأجله، وضميره عائد إلى الخير. شرح المصابيح (2/ 308).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مَن يرد الله به خيرًا» أي: جميع الخيرات أو خيرًا غزيرًا، «يُصِبْ منه» بكسر الصاد عند الأكثر والفاعل «الله»، وروي بفتحها... والضمير في قوله: «منه» على التقديرين للخير.
قال الزمخشري: أي: يَنَلْ منه بالمصائب ويبتليه بها؛ ليثيبه عليها، وقال القاضي: أي: يوصِل إليه المصائب ليطهِّره من الذنوب ويرفع درجته، وهي اسم لكل مكروه؛ وذلك لأن الابتلاء بالمصائب طِبٌّ إلهي يداوى به الإنسان من أمراض الذنوب المهلكة، ويصحُّ عَود الضمير في «يُصِبْ» إلى «مَن» وفي «منه» إلى الله وإلى الخير، والمعنى: أن الخير لا يحصل للإنسان إلا بإرادته تعالى، وعليه فلا شاهد فيه، وإنما تَرَكه لوضوحه؛ لأن الخير الذي هو مراد لمن يحصل له مختار مرضيٌّ به إذا كان بإرادة من الغير لا من نفسه، فلَأَنْ يكون ما يحصل بغير إرادة ورضا أولى. فيض القدير (6/ 243).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«يُصِبْ» عامة المحدثين يقرؤونه بكسر الصاد، يجعلون الفعل لله -عز وجل-، وسمعتُ أبا محمد ابن الخشاب يفتح الصاد، وهو أحسن وأليق.
واعلم أن سلامة البدن والمال توجِب غفلة وإعراضًا... والبلاء يكسر النفس عن أَشَرِهَا وشَرِّها وشَرَهِهَا، ويثمر صدق اللجأ إلى الله سبحانه، ويحصل ثواب الآخرة. كشف المشكل (3/ 529).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:
«يُصِبْ منه» كذا للأكثر بكسر الصاد، والفاعل الله، قال أبو عبيد الهروي: معناه: يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها، وقال غيره: معناه: يوجه إليه البلاء فيصيبه، وقال ابن الجوزي: أكثر المحدِّثين يرويه بكسر الصاد، وسمعت ابن الخشاب يفتح الصاد، وهو أحسن وأليق، كذا قال، ولو عكس لكان أولى، والله أعلم...
قلتُ: ويشهد للكسر ما أخرجه أحمد من حديث محمود بن لبيد رفعه: «إذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهم، فمن صَبَرَ فله الصبر، ومن جَزِعَ فله الجزع» ورواته ثقات إلا أن محمود بن لبيد اختلف في سماعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد رآه وهو صغير، وله شاهد من حديث أنس عند الترمذي وحسنه، وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك غالبًا من ألمٍ بسبب مرض أو همٍّ أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تُكفِّر ذنوب مَن تقع له، وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: «ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّ الله عنه خطاياه» وظاهره تعميم جميع الذنوب؛ لكن الجمهور خَصُّوا ذلك بالصغائر؛ للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجْتُنِبَتِ الكبائر» فحمَلوا الْمُطْلَقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب، فيكفِّر الله بها ما شاء من الذنوب، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخِفَّته، ثم المراد بتكفير الذنب سِتْرُه أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة، وقد استُدل به على أن مجرد حصول المرض أو غيره مما ذكر يترتب عليه التكفير المذكور، سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا، وأبى ذلك قوم كالقرطبي في "المفهم" فقال: محل ذلك إذا صَبَر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله به في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} البقرة: 156 الآية، فحينئذٍ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من ذلك، وتُعُقِّب بأنه لم يأتِ على دعواه بدليل، وأن في تعبيره بقوله: "ما أمر الله" نظرًا؛ إذ لم يقع هنا صيغة أَمَرَ، وأجيب عن هذا بأنه وإن لم يقع التصريح بالأمر فسياقه يقتضي الحث عليه والطلب له ففيه معنى الأمر، وعن الأول بأنه حَمَلَ الأحاديث الواردة بالتقييد بالصبر على المطلقة، وهو حَمْلٌ صحيح لكن كان يتم له ذلك لو ثبت شيء منها، بل هي إما ضعيفة لا يحتج بها، وإما قوية لكنها مقيدة بثواب مخصوص، فاعتبار الصبر فيها إنما هو لحصول ذلك الثواب المخصوص مثل ما سيأتي فيمن وقع الطاعون ببلد هو فيها فصبر واحتسب فله أجر شهيد، ومثل حديث محمد بن خالد عن أبيه عن جده -وكانت له صحبة- سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن العبد إذا سَبَقَتْ له مِن الله منزلة فلم يَبْلُغْهَا بعمل ابتلاه الله في جسده أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك حتى يبلغ تلك المنزلة» رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات إلا أن خالدًا لم يروِ عنه غير ابنه محمد، وأبوه اختلف في اسمه لكن إبهام الصحابي لا يضر، وحديث سَخْبَرَة بمهملة ثم معجمة ثم موحدة وزن مَسْلَمَة رفعه: «من أُعْطِيَ فشَكَرَ وابتُلِيَ فصبر، وظَلَمَ فاستغفر، وظُلِمَ فغفر، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون» أخرجه الطبراني بسند حسن، والحديث الآتي قريبًا: «مَن ذهب بصره ...» يدخل في هذا أيضًا، هكذا زعم بعض مَن لقيناه أنه استقرأ الأحاديث الواردة في الصبر فوجدها لا تعدو أحد الأمرين، وليس كما قال، بل صح التقييد بالصبر مع إطلاق ما يترتب عليه من الثواب، وذلك فيما أخرجه مسلم من حديث صهيب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إنْ أصابته سراء فشكر الله فله أجر، وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر، فكل قضاءِ الله للمسلم خير» وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- بلفظ: «عجبتُ من قضاء الله للمؤمن؛ إن أصابه خير حَمِدَ وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمره» الحديث أخرجه أحمد والنسائي، وممن جاء عنه التصريح بأن الأجر لا يحصل بمجرد حصول المصيبة بل إنما يحصل بها التكفير فقط من السلف الأول: أبو عبيدة بن الجراح، فروى أحمد والبخاري في (الأدب المفرد) وأصله في (النسائي) بسند جيد وصححه الحاكم من طريق عياض بن غُطَيْف قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته فقلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ فقالت امرأته تُحَيْفَة: لقد بات بأجرٍ، فقال أبو عبيدة: ما بتُّ بأجر؛ سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حِطَّةٌ» وكأن أبا عبيدة لم يسمع الحديث الذي صرح فيه بالأجر لمن أصابته المصيبة، أو سمعه وحمله على التقييد بالصبر، والذي نفاه مطلق حصول الأجر العاري عن الصبر، وذكر ابن بطال أن بعضهم استدل على حصول الأجر بالمرض بحديث أبي موسى الماضي في الجهاد بلفظ: «إذا مرض العبد أو سافر كَتَب الله له ما كان يعمل صحيحًا مُقِيمًا» قال: فقد زاد على التكفير، وأجاب بما حاصله أن الزيادة لهذا إنما هي باعتبار نيَّته أنه لو كان صحيحًا لدام على ذلك العمل الصالح، فتفضل الله عليه بهذه النية بأن يكتب له ثواب ذلك العمل، ولا يلزم من ذلك أن يساويه من لم يكن يعمل في صحته شيئًا.
وممن جاء عنه أن المريض يكتب له الأجر بمرضه: أبو هريرة؛ فعند البخاري في (الأدب المفرد) بسند صحيح عنه أنه قال: «ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى؛ لأنها تدخل في كل عضو مني، وإن الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر» ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه، وأخرج الطبراني من طريق محمد بن معاذ عن أبيه عن جده أُبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله ما جزاء الحمى؟ قال: «تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قَدَم أو ضرب عليه عِرْقٌ» الحديث، والأَولى حمل الإثبات والنفي على حالين، فمن كانت له ذنوب مثلًا أفاد المرض تمحيصها، ومن لم تكن له ذنوب كتب له بمقدار ذلك؛ ولما كان الأغلب من بني آدم وجود الخطايا فيهم أطلق من أطلق أن المرض كفارة فقط، وعلى ذلك تحمل الأحاديث المطلقة، ومن أثبت الأجر به فهو محمول على تحصيل ثواب يعادل الخطيئة، فإذا لم تكن خطيئة توفر لصاحب المرض الثواب، والله أعلم بالصواب، وقد استبعد ابن عبد السلام في (القواعد) حصول الأجر على نفس المصيبة، وحصر حصول الأجر بسببها في الصبر، وتُعُقب بما رواه أحمد بسند جيد عن جابر قال: استَأْذَنَت الحُمى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر بها إلى أهل قباء فشكوا إليه ذلك، فقال: «ما شئتم، إن شئتم دعوتُ الله لكم فكشفها عنكم، وإن شئتم أن تكون لكم طهورًا» قالوا: فدعها، ووجه الدلالة منه: أنه لم يؤاخذهم بشكواهم، ووعدهم بأنها طهور لهم، قلتُ: والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع الدرجات على ما تقدم تفصيله، وإن لم يحصل الصبر نظر إن لم يحصل من الجزع ما يذم من قول أو فعل فالفضل واسع، ولكن المنزلة منحطَّة عن منزلة الصابر السابقة، وإن حصل فيكون ذلك سببًا لنقص الأجر الموعود به أو التكفير، فقد يستويان وقد يزيد أحدهما على الآخر، فبقدر ذلك يقضى لأحدهما على الآخر، ويشير إلى التفصيل المذكور حديث محمود بن لبيد الذي ذكرته قريبًا، والله أعلم. فتح الباري (10/ 108- 110).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«يُصِبْ» بلفظ المجهول، فمفعول ما لم يُسمَّ فاعله: إما الضمير الذي فيه وضمير «منه» راجع إلى الله تعالى أي: يصير مُصابًا بحكم الله، وإما الجار والمجرور والضمير راجع إلى «مَن»... وقال محيي السُّنة: يعني يبتليه بالمصائب. الكواكب الدراري (20/ 178).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا حديث صحيح، ومعناه والحمد لله واضح؛ وذلك أن مَن أراد اللهُ به خيرًا، وخير الله في هذا الموضع رحمته، ابتلاه بمرض في جسمه، أو بموت ولد يَحزن له، أو بذهاب مال يشقُّ عليه، فيأجره على ذلك كله، ويكتب له إذا صبر واحتسب بكل شيء منه حسنات يجدها في ميزانه لم يعملها، أو يجدها كفارة لذنوب قد عملها، فذلك الخير المراد به في هذا الحديث، والله أعلم. التمهيد (8/ 218).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
يريد -والله أعلم-: يصِب منه بالمرض المؤثر في صحته، وأَخْذِ المال المؤثر في غناه، والحزن المؤثر في سروره، والشدة المؤثرة في صلاح حاله، فإذا صبر واحتسب كان ذلك سببًا لما أراده الله -تبارك وتعالى - به من الخير.
وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما يُصيب المؤمن من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه». المنتقى شرح الموطأ (7/ 259).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
يريد: إذا صبر وشكر الله على ذلك، وإن لم يشكر فقد زاد شرًّا. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 445).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن إصابة الله عبده بمصائب هذه الدنيا دالة على خير، إلا أن الخير ها هنا نكرة، وليس معرفًا بالألف واللام، فإن المصائب في هذه الدنيا تكون خيرًا من جملة الخير، كما أن العافية تكون خيرًا من الخير أيضًا، إلا أنه لا يُستدل بالمصيبة على سيئةٍ للإنسان في دينِه إذا أثارت من المصاب بها صبرًا وتسليمًا ورضًا وفهمًا، فإن أثارت غير ذلك كانت عليه عقوبة، كما أن العافية إذا أثارت شكرًا كانت نعمة، وإذا أثارت بطرًا كانت آفة.
وقوله: «يُصِبْ منه» بمعنى يصيبه، أي: لا يستأصله، وإنما يمسه بالإصابة على معنى التذكير والاتعاظ، فيكون من فقه الحديث: أن الذين استأصلهم الله بالقوارع من نعمائه( ) ليسوا ممن تناوله هذا الحديث. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 316).
وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-:
وقد ظنَّ بعضُ الجُهَّال أنَّ المُصابَ مأجورٌ على مُصيبتِه، وهذا خطأٌ صريح؛ فإنَّ المصائبَ ليست من كَسْبِه بمباشرةٍ ولا تسبُّبٍ، فمَن قُتِل ولده، أو غُصِب مالُه، أو أُصيب ببلاءٍ في جسده، فليست هذه المصائبُ من كسبِه ولا تسبُّبه حتى يُؤجَرَ عليها، بل إنْ صبرَ عليها كان له أجرُ الصابرين، وإن رضيَ بها كان له أجرُ الراضين، ولا يُؤجَر على نفسِ المصيبة؛ لأنها ليست مِن عمله، فقد قال تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} الطور: 16،كيفَ والمصائبُ الدنيويةُ عقوباتٌ على الذنوب، والعقوبةُ ليست ثوابًا؟! ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} الشورى: 30. قواعد الأحكام في مصالح الأنام(1/ 135).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«يُصِبْ منه» أي: من نفسه بالأمراض، ومِن أولاده وأمواله، ومحصل الباب أنه لا يزال كذلك حتى يلقى الله مطهَّرًا من الذنوب، عكس الكافر حتى يقدم كامل الأسباب للعذاب، عافانا الله من ذلك؛ واعلم أن الأمور المترتبة على ما يصيب الإنسان معتدة بالصبر عليها، أما إذا لم يصبر وجزع فلا يكون إلا كفارة للذنوب من غير ثبوت أجر ولا رفع درجة، وقيل: لا كفارة أيضًا بدون الصبر. الكوثر الجاري (9/ 231).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
والمعنى: أن الخير لا يحصل للإنسان إلا بإرادته تعالى، وعليه فلا شاهد فيه للمعتزلة في أن الشر ليس من الله؛ لكونه ذكر الخير دون الشر؛ لأنَّ ترك ذكره لا يدل على أنه ليس منه، وإنما تركه لوضوحه؛ لأن الخير الذي هو أمر مراد لمن يحصل له مختار مرضي به إذا كان بإرادة الغير لا من نفسه، فلأن يكون ما يحصل بغير إرادة ورضا أولى، وفيه بشرى عظيمة لكل مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك غالبًا من ألم بسبب مرض، أو هم، ونحو ذلك. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 515).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من يرد الله به خيرًا» ويدخر له لديه أجرًا ... وفيه تسلية للمصاب وإعلام له بما يناله من الثواب، وفيه أن من لم يناله مكروه لم يُرَدْ به خير. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 432).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
نقل عن الشافعي في (المسامرة): أن الصبر ليس بشرط في كون المصائب كفارات، نعم، إن صبر يضاعف له الأجر.
وقال: إن المصائب بمنزلة العذاب، فإنه مكفِّر مطلقًا، كذلك المصائب أيضًا نوع من العذاب، فلا يشترط فيها الصبر، بل تلك في المسلم للكفارة وضعًا. قلتُ: ونحوه عندي الحَرُّ والقَرُّ، فإنه يكفِّر أيضًا، وإليه يشير قوله: «ما يصيب المسلم من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم … إلخ». فيض الباري على صحيح البخاري (6/ 32).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أن المؤمن لا يخلو من علة أو قِلَّة أو ذلة؛ وذلك خير له حالًا ومآلًا، قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} البقرة: 155. تطريز رياض الصالحين (ص:45).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن المعلوم أن تكفير الذنوب والسيئات وحط الخطايا لا شك أنه خير للإنسان؛ لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب دنيوية تزول بالأيام، كلما مضت الأيام خفَّت عليك المصيبة، لكن عذاب الآخرة باقٍ- والعياذ بالله- فإذا كفَّر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيرًا لك. شرح رياض الصالحين (1/ 245).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
والنصوص النبوية في إثبات إرادة الله سبحانه أكثر من أن تُحصر، كقوله: «مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، «من يرد الله به خيرًا يُصِب منه». شفاء العليل (1/ 163).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
فالطاعات ترفع الدرجات، والمصائب تحطّ السيئات؛ ولهذا قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: «من يُرد اللَّه به خيرًا يُصِب منه» وقال: «من يُرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين» فهذا يرفعه، وهذا يحطّ خطاياه.
وقال يزيد بن ميسرة: إن العبد ليمرض المرض وما له عند اللَّه من عملِ خيرٍ، فيذكِّره اللَّه سبحانه بعض ما سلف من خطاياه، فيخرج من عينيه مثل رأس الذباب من الدموع من خشية اللَّه، فيبعثه اللَّه إن بعثه مطهَّرًا، أو يقبضه إن قبضه مطهرًا، ولا يَرِدُ على هذا حديث أبي موسى الأشعري في ثواب من قَبَضَ اللَّه ولده وثمرة فؤاده بأن يبني له بيتًا في الجنة، ويسمِّيه بيت الحمد؛ لأنه إنما نال ذلك البيت بحمده للَّه واسترجاعه؛ وذلك عمل اختياري؛ ولذلك سُمي بيت الحمد.
وقال زياد بن زياد مولى ابن عياش عن بعض أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: دخلنا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو موعوك -أي: محموم- فقلنا: أحٍ أح، بآبائنا وأمهاتنا يا رسول اللَّه ما أشد وَعَكَكَ! فقال: «إنا معاشر الأنبياء يضاعَف علينا البلاء تضعيفًا» قال: قلنا: سبحان اللَّه! قال: «أفعجبتم؟ إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل» قلنا: سبحان اللَّه! قال: «أفعجبتم؟ إنْ كان النبي من الأنبياء لَيَقْتُلُه القُمَّل» قلنا: سبحان اللَّه! قال: «أفعجبتم؟ إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء» أح: بالحاء المهملة، هو المعروف من كلامهم، ومن قاله بالخاء المعجمة فقد غلط.
وذكر النسائي عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة قالت: أتيتُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في نساء نَعُوده، فإذا سِقَاء معلقة يقطر ماؤها عليه من شدة ما كان يجد من الحمى، فقلنا: لو دعوتَ اللَّه يا رسول اللَّه أن يُذهبها عنك، فقال: «إن أشدَّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
وقال مسروق: قالت عائشة: ما رأيتُ أحدًا أشد وجعًا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. عدة الصابرين (1/ 156).