«مَن قامَ بعشرِ آياتٍ لم يُكْتَبْ من الغافلين، ومَن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتبَ من القَانِتِين، ومَن قامَ بألفِ آيةٍ كُتبَ من المقَنْطِرِين».
رواه أبو داود، برقم: (1398)، وابن خزيمة برقم: (1144)، وابن حبان، برقم: (2572)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (2005) والطبراني في الكبير برقم: (143)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (6439)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (642).
مختصر شرح الحديث
يُبيِّنُ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في هذا الحديثِ فضلَ قيامِ الليلِ بالقرآنِ، وتفاوُتَ درجاتِ أهله بحسبِ ما يقرؤون؛ ترغيبًا في الإكثارِ من تلاوتِه، واغتنامِ الليل بالطاعةِ، فقال: «مَن قامَ» والأصلُ في قيامِ الليلِ أن يُطلَقَ على الاشتغالِ فيه بالصلاةِ، وقد يُطلق على الاشتغال بمطلق الطاعة من تلاوةٍ وتسبيحٍ ونحوهما. وممَّا يدلُّ على هذا الإطلاقِ: قوله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا...»، أي: اشتغلَ فيها بالعبادةِ سواء كانت صلاةً أو تلاوةً أو ذكرًا لله تعالى، وقد جاء ما يدلُّ على فضلِ مطلقِ القراءةِ ليلًا؛ وذلك في قوله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «مَن قرأَ بمائةِ آيةٍ في ليلةٍ كُتِبَ له قُنوتُ ليلةٍ».
فقوله: «مَن قامَ بعشرِ آياتٍ» أي: مَن قرأ عشرَ آياتٍ سواء في الصلاة أو خارجَها، «لم يُكتبْ من الغافلين» أي: لم يُجعلْ في عدادِ مَن يغفلون عن ذكرِ اللهِ وطاعتِه، بل يُكتبُ من الذاكرينَ الحاضرين، ويتحقَّقُ القيامُ في الصلاةِ بعشرِ آياتٍ؛ بالفاتحةِ وسورةٍ، وأقلها سورة الكوثر. وقوله: «ومَن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانتين»: أي: مَن قرأ بمائة آية في صلاة الليل أو خارجها كُتِبَ عند اللهِ من القانتين، وهم أهلُ الطاعةِ والخضوعِ. والقُنُوتُ هنا يشملُ معانيَ متعدِّدةً متقاربةً: كالطاعةِ، والخشوعِ، وطولِ القيامِ، والمداومةِ على العبادةِ، فيكونُ المرادُ أنَّه مِن الثابتين على طاعةِ اللهِ، القائمينَ له بخشوعٍ وذلٍّ، وقوله: «ومَن قامَ بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المُقنطِرين»: أي: مَن قرأ في صلاة الليل أو خارجها ألفَ آيةٍ كُتِبَ من المُقنطِرين، وهم أصحابُ الأجورِ العظيمةِ الكثيرةِ، المأخوذ من القِنطارِ، وهو المالُ الكثيرُ، فشبَّه كثرةَ ثوابِهم بكثرةِ أموالِ مَن يَمْلِكُ القَنَاطِيْرَ.
وفي الحديثِ: فضلُ قيامِ الليلِ بتلاوةِ القرآنِ، سواءٌ في الصلاةِ أو خارجَها. وفيه: الترغيبُ في الإكثارِ من تلاوتِه ليلًا، وأنَّ اليسيرَ منها يرفعُ العبدَ من عدادِ الغافلين، ويُدخله في زمرةِ الذاكرين.
غريب الحديث
«الغَافِلِينَ»:
الغين والفاء واللام أصل صحيح يدل على ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمد. مقاييس اللغة لابن فارس (4/ 386).
وقال الفيروز آبادي -رحمه الله-:
غَفَلَ عنه غُفولًا: تركه، وسها عنه. القاموس المحيط (ص: 1039).
«القَانِتَين»:
يقال: قَنَتَ وقنتوا لله أي: أطاعوه، ومنه القُنُوت أي: الطاعة، وقانتون أي: مُطِيعون، والقُنوت: الدعاء في آخر الوتر قائمًا، ومنه قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة: 238. العين للخليل (5/ 129).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
والقَانِتُ: المطيع، والقَانِتُ: الذِّاكر لله تعالى... وقيل: القانت العابد... والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله، فالداعي إذا كان قائمًا خُصَّ بأن يُقال له: قانت؛ لأنه ذاكر لله تعالى، وهو قائم على رِجليه، فحقيقة القُنوت العبادة والدعاء لله -عزَّ وجلَّ- في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرِّجْلين، فهو قيام بالشيء بالنية. ابن سيده: والقانت القائم بجميع أمر الله تعالى. لسان العرب (2/ 74).
«المقَنْطِرِين»:
أُعْطِيَ قِنطارًا من الأجر... القِنطار ألفٌ ومائتا أوقية، وقال أبو عبيدة: القناطير: واحدها قِنطار، ولا تجد العرب تَعرف وَزنه، ولا واحد للقنطار مِن لفظه.
وقال ثعلب: المعمول عليه عند العرب الأكثر أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا قناطير مقنطرة، فهي اثنا عشر ألف دينار.
وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور ذهبًا. وقيل: ثمانون ألفًا. وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (4/ 113).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن قام بعشرِ آياتٍ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أي: مَن قرأ في صلاته عشر آيات على التدبر والتأنِّي. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 264).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أي: أخذها بقوة وعزم من غير فتور، ولا توانٍ، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها، فيكون كناية عن حفظها، والدوام على قراءتها، والتفكر في معانيها، والعمل بمقتضاها. شرح المشكاة (4/ 1188).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: قرأ في صلاته بالليل عشر آيات على التدبر والتأني. شرح المصابيح (2/ 152).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قام به، أي: أتى به، يعني: من قرأ عشر آيات في صلاته على التدبر والتأني كذا قيل، وفي الأزهار: يحتمل من قام وقرأ وإن لم يصل... وقال ابن حجر، أي: يقرؤها في ركعتين أو أكثر، وظاهر السياق أن المراد غير الفاتحة. اهـ.
والأظهر أن المراد به أقل مراتب الصلاة، وهي تحصل بقراءة الفاتحة، وهي سبع آيات وثلاث آيات بعدها، فتلك عشرة كاملة. مرقاة المفاتيح (3/ 910).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «من قام بعشرِ آياتٍ» أي: أَخَذَها بقوَّةٍ وعزمٍ من غيرِ فتورٍ ولا توانٍ، من قولِهم: قام بالأمرِ، فهو كنايةٌ عن حفظِها والدوامِ على قراءتِها والتفكُّرِ في معانيها والعملِ بمقتضاها، وإليه الإشارة بقولِه: لم يُكتبْ من الغافلين، ولا شكَّ أنَّ قراءةَ القرآنِ في كلِّ وقتٍ لها مزايا وفضائلُ، وأعلاها أن يكون في الصلاةِ لا سيَّما في الليلِ، قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيْلًا} المزمل: 6، ومن ثمَّ أوردَ مُحْيي السُّنَّةِ الحديثَ في بابِ صلاةِ الليلِ، قاله الطيبي. وحاصِلُه: أنَّ الحديثَ مطلقٌ غيرُ مقيَّدٍ لا بصلاةٍ ولا بليلٍ، فينبغي أن يُحملَ على أدنى مراتِبِه، ويدلُّ عليه قولُه: «لم يُكتبْ من الغافلين»، وإنَّما ذكره البغوي في محلِّ الأكمل. وقال ابن حجر: أي يقرأُها في ركعتينِ أو أكثر، وظاهرُ السياقِ أنَّ المرادَ غيرُ الفاتحةِ، انتهى.
قلتُ: تفسيرُ «قام يُصلِّي» أي بالقراءةِ في الصلاةِ بالليلِ في هذا المقامِ هو الظاهرُ بل هو المتعيِّنُ؛ لما روى ابنُ خزيمة في صحيحهِ والحاكم عن أبي هريرةَ مرفوعًا بلفظ: «من صلَّى في ليلةٍ بمائةِ آيةٍ لم يُكتبْ من الغافلين، ومن صلَّى في ليلةٍ بمائتَي آيةٍ؛ فإنَّه يُكتبُ من القانتينَ المخلِصين» قال الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا البزار، لكن في سندِه يوسفُ بن خالدٍ السَّمْتي، وهو ضعيفٌ، قاله الهيثميُّ في مجمعِ الزوائد. مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 187).
قوله: «لم يُكتب من الغافلين»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
أي: لم يثبت اسمه في الصحيفة في زمرة الغافلين. شرح المشكاة (4/ 1188).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
الذين يغفلون عن ذكر الله تعالى ويلهون عنه، قال تعالى: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} الأعراف: 205. شرح سنن أبي داود (6/ 705).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
لأن مَن فعل هذا لم يكن غافلًا بل حاضرًا، أو مواظبًا على الطاعة. شرح المصابيح (2/ 152).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الغافلين: عن قيام الليل، وكأنَّ هذا العدد أقل ما يقام به. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 6).
قوله: «ومن قام بمائة آية كُتِبَ من القانتين»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
القانتون: المواظبون على الطاعة، والقنوت: الطاعة. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 359).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أي: المطيعين، أو المطوِّلين في القيام؛ لأن معنى القنوت: الطاعة وطول القيام. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 264).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
تأتي (القانتين) بمعنى الطائعين الله تعالى، وبمعنى الخاشعين، وبمعنى المصلين، وبمعنى العابدين، وبمعنى القائمين. شرح سنن أبي داود (6/ 706).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
أي: المطيعين أو المطِيْلِين للقيام في صلاتهم، ومن الذين قاموا بأمر الله ولزموا طاعته، وهذا أوسط الدرجات. لمعات التنقيح (3/ 318).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
القُنوت يَرِدُ بمعانٍ: كالطاعة والقيام والخشوع والعبادة والسكوت والصلاة، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه، والمراد هنا: القيام أو الطاعة أي: كُتب عند الله من الثابتين على طاعته أو من القائمين بالليل، وقال الطيبي: أي: من الذين قاموا بأمر الله ولزموا طاعته وخضعوا له. مرعاة المفاتيح (4/ 187).
قوله: «ومَن قامَ بألفِ آيةٍ كُتب من المقنطِرين»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ومن قام» في التهجد، «مِن المقنطِرين» أي: أُعْطِي قِنطارًا من الأجر... قال الحافظ عبد العظيم المنذري: من سورة {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} إلى آخر القرآن ألف آية. شرح سنن أبي داود (6/ 706).
قال البيضاوي -رحمه الله-:
«المقنطِرون» الذين يتخذون القناطير من الأجر، مأخوذ من: القِنْطَار، وهو المال الكثير. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 359).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«من المقنطِرين» أي: ممن لهم القنطار من الأجر، أي: ثواب بِعَدَدِهِ، أو بوزنه. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (6/ 56-57).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أي: مُكثرين الثواب، ومن الأغنياء من الثواب، كالأغنياء من المال. و(قَنْطَرَ): إذا جمع مالًا حتى صار قنطارًا أو أكثر، والقنطار سبعون ألف دينار. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 264).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كتب من المقنطِرين» أي: من المكثرين من الأجر مأخوذ من القناطير، وهو المال الكثير. يعني: من الذين بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ المقنطِرين في حيازة الأموال. مرقاة المفاتيح (3/ 910).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: المكثرين الثواب، والمراد بهم: العُمَّال لله تعالى في أرضه؛ لأنهم بلغوا في حيازة الثواب مبلغ المقنطِر فَحَبَّ حيازة الأموال، والمقنطِر: صاحب القناطير، كأنه جمع المال فقَنْطَرَهُ. شرح المصابيح (2/ 152).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
وهذا تشبيه غير المحسوس بالمحسوس؛ فإن القنطار وزن وهذه درجة. إنجاح الحاجة، شرح سنن ماجه (ص:260).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
أي: المكثرين من الثواب، والقنطار هو المال الكثير، قيل: أقلُّه سبعون ألف دينار، وهو أعلى المقامات. لمعات التنقيح (3/ 318).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: بيِّن لي التفاوت بين المراتب الثلاث.
قلتُ: الأولى مُشعرة بأن صاحب عشر آيات إذا قام بها خرج من زمرة الغفلة من العامة، ودخل في زمرة {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} النور: 37.
وصاحب مائةٍ داخل في جملة من قيل في حقهم: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} التحريم: 12، {أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} النحل: 120 أي: مِن الذين قاموا بأمره، ولزموا طاعته، وخضعوا له.
وأعلاها صاحب ألفٍ؛ لأنه داخل في غِمار عمال الله في أرضه، الذين بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ المقنطِرين في حيازة الأموال. شرح المشكاة (4/ 1188).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وفي الحديث: الترغيبُ في قراءة القرآن في الليل؛ لما فيه من الثواب العظيم، وأن قيام الليل يحصل بقراءة القرآن ولو بعشر آيات، وكلما زاد في القراءة زِيْدَ له في الأجر، وقد جاء في الترغيب في قراءة القرآن أحاديث أخر، منها ما أخرجه محمد بن نصر عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «من قرأ عشر آيات كُتِبَ من المصلين ولم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الحافظين حتى يصبح، ومن قرأ ثلاثمائة آية يقول الجبار: نَصِبَ عبدي، ومن قرأ ألف آية كُتب له قنطار من بِرٍّ، والقنطار خير له من الدنيا وما فيها، واكتنز ما شاء من الأجر، فإذا كان يوم القيامة يقول الرب -تبارك وتعالى-: اقرأ ورتِّل وارْقَ بكل آية درجة حتى ينتهى به إلى آخر آية عنده، ويقول الرب للعبد: اقبض فيقبض، فيقول الله: أتدرى ما معك؟ فيقول العبد بيده (أي: يشير بها قائلًا): أي رب أنت تعلم، فيقول: بهذه الخلد وبهذه النعيم».
ومنها ما أخرجه أيضًا عن الحسن -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «من قرأ مائة آية في ليلة لم يُحَاجَّه القرآن ليلتئذٍ، ومن قرأ مائتي آية كُتِبَ له قنوت ليلة، ومن قرأ من الخمسمائة إلى ألف أصبح وله قنطار من الأجر، والقنطار دية أحدكم، وإن أصغر البيوت أخلاها من الخير بيت لا يُقرأ فيه القرآن». المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (8/ 16)
ويُنظر فتوى اللجنة الدائمة في بيان عدد ركعات قيام الليل وهدي النبي ﷺ في المداومة عليها.