«كانَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يصومُ حتَّى نقولَ: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نقولَ: لا يصومُ، فما رأيتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- استكملَ صيامَ شهرٍ إلَّا رمضانَ، وما رأيتُهُ أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ».
رواه البخاري برقم: (1969) واللفظ له، ومسلم برقم: (1156) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
ولفظ مسلم: «كان يصومُ شعبانَ كلَّهُ، كان يصومُ شعبانَ إلَّا قليلًا».
ورواه أحمد برقم: (25101) ولفظه: «كان يصوم شعبان كُلَّه إلا قليلًا، بل كان يصوم شعبان كُلَّه».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«استكملَ»:
التَّكميل والإكمال: التَّمام. واستكْمَله: استَتَمَّه. لسان العرب لابن منظور (11/ 598).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قولها: «كانَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يصومُ حتَّى نقولَ: لا يُفْطِرُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قولها: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: أحيانًا «يصومُ» أي: النفل متتابعًا «حتى نقول: لا يفطر» أي: أبدًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1409).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قولها: «يصومُ حتى نقول: لا يفطر» أي: يُكثر ويُوالي حتى يتحدَّث نساؤه وخاصته بذلك. الديباج على مسلم (3/ 238).
وقال العيني -رحمه الله-:
«يصوم حتى نقول: لا يفطر» يعني: ينتهي صومه إلى غاية نقول: إنَّه لا يفطر. عمدة القاري (11/ 83).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«يصوم حتى نقول: لا يفطر» أي: إلى آخر الشهر. الكوثر الجاري (4/ 308).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في قولها: «حتى نقول: لا يفطر» دلالة على مبالغة الصوم. البدر التمام (5/ 105).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«يصوم حتى نقول: لا يفطر» (نقول) الرواية بالنون، وقد وُجِدت في بعض النسخ بالتاء، على الخطاب، كأنَّها قالت: حتى تقول أيها السامع لو أبصرتَه، كقولها لسعد بن هشام: «لا تشاءُ تراه قائمًا من الليل إلا رأيتَه» والمعنى صحيح، ولم نجد الرواية تساعده.
والرواية في قولها: «حتى تقولَ» النصب بـ(حتى) وهو أكثر كلام العرب، ومنهم مَن رفع المستقبل في مثل هذا الموضع إذا حسُن أنْ يُجعل (فَعَلَ) موضع (يَفْعَل) ومن هذا الباب قراءة نافع في قوله سبحانه: {حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ} البقرة: 214، بالرفع، وكذلك مع تطاول الفعل الذي قبل (حتى) كقولك: سرتُ نهاري حتى أَدْخُلُها فدخلتُها، فصارت (حتى) عاملة، فالرفع في قولها: «حتى يقولُ» حسنٌ، واتَّباع الرواية أولى. الميسر (2/472- 473).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
ويجوز بياء الغائب أيضًا (أي: «حتى يقول») أي: يقول القائل. شرح المصابيح (2/ 535).
قولها: «ويُفْطِرُ حتَّى نقولَ: لا يصومُ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«ويفطر حتَّى نقولَ: لا يصوم» أي: من الشهر. الكوثر الجاري (4/ 308).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في قولها: «حتى نقولَ: لا يصوم» دلالة على مبالغة الإفطار، ولعل ذلك لما يَعرض له -صلى الله عليه وسلم- من الاشتغال بالأمور التي فضلها أعظم من الصوم، وفيه أيضًا تيسير على أمَّته في التأسي به، وإنْ كان في ذاته -صلى الله عليه وسلم- قد أُعِينَ على العبادة التي لا يَقدر أنْ يقوم بها غيره؛ ولذلك أنه واصَل، وقال: إنه يُطعم ويُسقى. البدر التمام (5/ 105-106).
وقال الصنعاني -رحمه لله-:
فيه: دليل على أنَّ صومه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مختصًّا بشهر دون شهر، وأنَّه كان -صلى الله عليه وسلم- يسرد الصيام أحيانًا، ويسرد الفطر أحيانًا، ولعله كان يفعل ما يقتضيه الحال، مِن تجرُّده عن الأشغال فيتابع الصوم، ومِن عكس ذلك فيتابع الإفطار. سبل السلام (1/ 583).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: يُعارض هذا قول عائشة في الحديث الذي مضى قبله: «وكان إذا صلى صلاة دام عليها» وقولها الذي سيأتي في الرواية الأخرى: «وكان عمله ديمةً».
قلتُ: المراد بذاك ما اتخذه راتبًا، لا مطلق النافلة. عمدة القاري (11/ 86).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قيل في معنى ما جاء في الحديث الآخر من صومه -عليه السلام- حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وتركه -عليه السلام- اختصاص أيام بالصيام؛ لئلا يلتبس ذلك بالفرائض، ويَعُدُّهُ مَن جَهِل منها، وكان يُخالف، ويصوم في وقتٍ يفطره في حالٍ آخر.
وفيه: أنَّ نوافل الصوم غير مختصة بوقت، بل سائر السَّنة وقت لها، إلا الأيام المنهي عن صومها، ورمضان المستحَق بالفرض. إكمال المعلم (4/ 121-122).
قولها: «فما رأيتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- استكملَ صيامَ شهرٍ إلَّا رمضانَ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فما» في نسخة «وما»، «رأيتُ رسولَ الله» في نسخة: «رأيتُ النبيَّ». منحة الباري (4/ 409).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وما رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اسْتَكْمَلَ صيام شهرٍ قط» هذا بمنزلة استثناء من الكلام السابق. مرقاة المفاتيح (4/ 1409).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قولها: «وما رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهرٍ قط إلا رمضان» وهذا نفي لأنْ تراه استكمل صيام شعبان. المنتقى شرح الموطأ (2/ 73).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: وإنَّما لم يستكمل غير رمضان؛ لئلا يُظنُّ وجوُبُه. شرح مسلم (8/ 37).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
أما ما تقدَّم في باب صوم شعبان من قول عائشة: «كان أحبَّ الشهور إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يصومه شعبانُ ثم يصله برمضان» فالوصل فيه محمول على القُرْب، ويدل على أنَّه ما كان يكثر من صيام التطوع في شهر من الشهور كما كان يكثر في شعبان. المنهل العذب المورود (10/ 192).
وقال العيني -رحمه الله-:
قولها: «فما رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر إلا رمضان» وهذا يدل على أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لم يصُم شهرًا تامًّا غير رمضان.
فإنْ قلتَ: روى أبو داود من حديث أبي سلمة عن أم سلمة: «لم يكن يصوم في السنة شهرًا كاملًا إلا شعبان يَصِلُهُ برمضان» وهذا يعارض حديث عائشة، وكذلك روى الترمذي من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: «ما رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان» وهذا أيضًا يعارضه.
قلتُ: قال الترمذي: روي عن ابن المبارك أنَّه قال في هذا الحديث: هو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أنْ يُقال: صام الشهر كله. عمدة القاري (11/ 83).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
وروي عن ابن المبارك أنَّه قال في هذا الحديث: هو جائز في كلام العرب، إذا صام أكثر الشهر أنْ يُقال: صام الشهر كله، ويُقال: قام فلان ليله أجمع، ولعله تعشَّى واشتغل ببعضِ أمره، كأنَّ ابن المبارك قد رأى كِلَا الحديثين متَّفِقَين، يقول: إنَّما معنى هذا الحديث: أنَّه كان يصوم أكثر الشهر. سنن الترمذي (3/ 105).
وقال العيني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قال شيخنا زين الدين -رحمه الله تعالى- (العراقي): هذا فيه ما فيه؛ لأنه قال فيه: «إلا شعبان ورمضان» فَعَطْفُ رمضانَ عليه يَبْعُد أنْ يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أنْ يكون المراد برمضان بعضُه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عُطف عليه، وإنْ مشى ذلك فإنَّما يمشي على رأي مَن يقول: إنَّ اللفظ الواحد يُحمل على حقيقته ومجازه، وفيه خلاف لأهل الأصول. انتهى.
قلتُ: لا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا؛ لأن مَن قال ذلك، قال: في اللفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان، وقال ابن التين: إما أنْ يكون في أحدهما وهمٌ، أو يكون فَعَل هذا وهذا، أو أطلق الكل على الأكثر مجازًا، وقيل: كان يصومه كله في سنة، وبعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة منهما، لا يُخْلِي منه شيئًا بلا صيام. عمدة القاري (11/ 83).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: قولها: «ما رأيتُه استكمل شهرًا إلَّا رمضان» يخالف قول أم سلمة: «ما رأيته صام شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان» وكذا رواية عائشة بعده: «كان يصوم شعبان كله».
قلتُ: رواية الكل محمولة على أكثر الشهر؛ لما روى النَّسائيُّ عن عائشة: «ما صام شهرًا كاملًا منذ قَدِمَ المدينة إلَّا رمضان».
فإنْ قلتَ: لفظ (كل) إنَّما يُؤتى به لدفع التجوز؟
قلتُ: قد يُراد به المبالغة في الكثرة؛ لا سيما وقد صرَّح به الراوي في الرِّواية الأخرى. الكوثر الجاري (4/ 308).
قولها: «وما رأيتُهُ أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قولها: «ما رأيتُهُ» الضمير لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكذا في «منه» و«رأيتُ» إما بمعنى عَلِمتُ أو أبصرتُ، و«أكثرَ» إما مفعول ثانٍ، أو حال، و«في شعبان» متعلِّق بـ«صيامًا». لمعات التنقيح (4/ 467).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قولها: «أكثرَ صيامًا» كذا لأكثر الرواة بالنصب، وحكى السهيلي أنَّه روي بالخفض، وهو وهمٌ، ولعل بعضهم كَتَبَ «صيامًا» بغير ألف، على رأي مَن يقف على المنصوب بغير ألف، فتُوهم مخفوضًا، أو أنَّ بعض الرواة ظن أنه مضاف؛ لأن صيغة (أفعل) تضاف كثيرًا، فتوهمها مضافة؛ وذلك لا يصح هنا قطعًا.
وقولها: «أكثرَ» بالنصب، وهو ثاني مفعولَي «رأيتُ» وقوله: «في شعبان» يتعلَّق بـ«صيامًا» والمعنى: كان يصوم في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان تطوعًا أكثر من صيامه فيما سواه. فتح الباري (4/ 214).
وقال المغربي -رحمه الله-:
و«صيامًا» (منصوب) على التمييز. البدر التمام (5/ 106).
وقال المغربي -رحمه الله- أيضًا:
قولها: «وما رأيتُهُ في شهر...» إلخ، دلالة على تخصيص شعبان بإيثاره بزيادة الصوم فيه. البدر التمام (5/ 106).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختُلف في الحكمة في إكثاره -صلى الله عليه وسلم- من صوم شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفرٍ أو غيره، فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخَّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السَّنة، فيصوم شعبان» وابن أبي ليلى ضعيف...، وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر أخرجه الترمذي من طريق صَدَقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال: «سُئل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أيُّ الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان؛ لتعظيم رمضان» قال الترمذي: حديث غريب، وصَدَقَةُ عندهم ليس بذاك القوي، قلتُ: ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضلُ الصوم بعد رمضان صوم المحرَّم».
وقيل: الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره: أنَّ نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدَّم في الحكمة في كونهن كنَّ يؤخِّرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأنه ورد فيه أنَّ ذلك لكونهن كنَّ يشتغلن معه -صلى الله عليه وسلم- عن الصوم، وقيل: الحكمة في ذلك: أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان.
والأَولى في ذلك: ما جاء في حديثٍ أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلتُ: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهرٍ من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحبُّ أنْ يُرفَع عملي وأنا صائم» ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى، لكن قال فيه: «إنَّ الله يَكتب كلَّ نفس ميتة تلك السَّنة، فأُحِبُّ أنْ يأتيني أجَلِي وأنا صائم». فتح الباري (4/214- 215).
وقال النووي -رحمه الله-:
قيل في تخصيص شعبان بكثرة الصوم: لكونه تُرفع فيه أعمال العباد، وقيل: غير ذلك. شرح صحيح مسلم (8/ 37).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وفي صومه -صلى الله عليه وسلم- شعبان أكثر من غيره ثلاث معانٍ:
أحدها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما شُغل عن الصيام أشْهُرًا، فجَمَع ذلك في شعبان؛ ليدركه قبل صيام الفرض.
الثاني: أنه فعل ذلك تعظيمًا لرمضان، وهذا الصوم يشبه سُنة فرض الصلاة قبلها؛ تعظيمًا لحقها.
الثالث: أنه شهر ترفع فيه الأعمال، فأَحَبَّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُرفَع عملُه وهو صائم. تهذيب سنن أبي داود (1/ 494).
وقال شهاب الدين القسطلاني -رحمه الله-:
وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر: وهو أنَّ صيامه كالتمرين على صيام رمضان، فلا يدخل في صيامه على مشقة وكُلفة، بل يكون قد تمرَّن على الصيام واعتاده، وَوَجَدَ بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوةٍ ونشاطٍ. المواهب اللدنية (3/438- 439).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
أفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده؛ وذلك يلتحق بصيام رمضان لقُربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملةٌ لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أنَّ السنن الرواتب أفضلُ من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، أفضل من صيام ما بَعُدَ منه. لطائف المعارف (ص: 129).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولو قال قائل: لأنه يصوم من أجل هذه العلل؛ ولغيرها مما لا نعلمه، لكان له وجه؛ لأن تعدُّد العلل غير ممتنِع، بل تعدد العلل مما يزيد الحُكم قوة. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 266).
وقال الصنعاني -رحمه لله-:
قلتُ: ويُحتمل أنَّه كان يصومه لهذه الحِكَم كلها. سبل السلام (1/ 584).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
قد عُورض حديث: «إنَّ صوم شعبان أفضل الصوم بعد رمضان» بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضل الصوم بعد رمضان: صومُ المحَرَّم» وأُورد عليه أنَّه لو كان أفضل لحافظ على الإكثار من صيامه، وحديث عائشة يقتضي أنَّه كان أكثر صيامه في شعبان.
فأُجيب بأنَّ تفضيل صوم المحرَّم بالنظر إلى الأشهر الحُرُم، وفضل شعبان مطلقًا. سبل السلام (1/ 584).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإنْ قيل: في الحديث الآخر: «أنَّ أفضل الصوم بعد رمضان صومُ المحرَّم» فكيف أكْثَرَ منه في شعبان دون المحرم؟!
فالجواب: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكُّن من صومه، أو لعله كان يَعْرِض فيه أعذارٌ تمنع من إكثار الصوم فيه، كسفر ومرض وغيرهما. شرح مسلم (8/ 37).
قولها في رواية مسلم: «كان يصومُ شعبانَ كلَّهُ، كان يصومُ شعبان إلَّا قليلًا»
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان يصوم شعبان كله» قيل: أي: في أول الأمر «كان» وفي نسخة «وكان»، «يصوم شعبان إلا قليلًا». مرقاة المفاتيح (4/ 1409).
وقال النووي -رحمه الله-:
قولها: «كان يصوم شعبان كله، كان يصومه إلا قليلًا» الثاني تفسير للأول، وبيان أنَّ قولها: «كله» أي: غالبه، وقيل: كان يصومه كله في وقت، ويصوم بعضه في سَنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما، وما يُخْلِي منه شيئًا بلا صيام، لكن في سنين. شرح مسلم (8/ 37).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا النووي:
قال النووي: الثاني تفسير للأول، وبيان قولها: «كله» أي: غالبه، اهـ.
وهو تأويلٌ بعيدٌ، حمله عليه قولها في الرواية الأولى: «قطُّ إلا رمضان» وقيل: المراد أنَّه يصومه كُله في سنة، وأكثره في سنة أخرى، فالمعنى على العطف، اهـ. وهو أقرب؛ لظاهر اللفظ. مرقاة المفاتيح (4/ 1409).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وحاصله: أنَّ الرواية الأولى مفسِّرة للثانية، مخصِّصة لها، وأنَّ المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال، واستبعده الطيبي، قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوز، فتفسيره بالبعض منافٍ له، قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان.
وقيل: المراد بقولها: «كله» أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا، فلا يُخلي شيئًا منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض.
وقال الزين ابن المنير: إما أنْ يُحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد: الأكثر، وإما أنْ يُجمع: بأنَّ قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأَخبرت عن أول أمره: أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره: أنه كان يصومه كله، اهـ.
ولا يخفى تكلُّفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند النسائي، ولفظه: «ولا صام شهرًا كاملًا قط، منذ قدم المدينة غير رمضان» وهو مثل حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي بعد هذا. فتح الباري (4/ 214).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قولها: «كله» إنْ قلتَ: كيف يجمع بينه وبين ما قالت عائشة: «ما استكمل صيام شهر إلا رمضان»؟
قلتُ: المراد من الكلِّ الجُلُّ، أو هو تخصيصٌ آخر بعد التخصيص الحاصل بالاستثناء. الكواكب الدراري (9/ 131-132).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وبالجملة: تنزيل الأكثر منزلة الكل من عادة الناس في المحاورات مبالغة، وفي نسخة: «وكان يصوم» بالواو، وعلى هذا يكون المعنى: كان يصوم تارة كله، وأخرى أكثر، وهذا أحسن وأقوى، فافهم. لمعات التنقيح (4/ 468).
وقال العيني -رحمه الله-:
قالوا: معنى: «كله» أكثره، فيكون مجازًا، قلتُ: فيه نظر من وجوهٍ:
الأول: أنَّ هذا المجاز قليل الاستعمال جدًّا.
والثاني: أنَّ لفظة: (كل) تأكيد لإرادة الشمول، وتفسيره بالبعض منافٍ له. والثالث: أنَّ فيه كلمة الإضراب، وهي تنافي أنْ يكون المراد الأكثر؛ إذ لا يبقى فيه حينئذٍ فائدة.
والأحسن أنْ يُقال فيه: إنَّه باعتبار عامين فأكثر، فكان يصومه كله في بعض السنين، وكان يصوم أكثره في بعض السنين، وذكر بعض العلماء: أنه وقع منه -صلى الله عليه وسلم- وَصْل شعبان برمضان، وفَصْله منه؛ وذلك في سنتين فأكثر. عمدة القاري (11/ 84).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
وهذا يدل على أنَّه يصومه كله أحيانًا، وربما أفطر بعضه. الحلل الإبريزية (2/ 154).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يفطر قبل رمضان أيامًا، فإنْ وصل شعبان برمضان فجائز، فَعَلَ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرةً، وفَصَلَ مرارًا كثيرة، ولا يجوز أنْ يقصد استقبال رمضان بيومين أو ثلاثة، إلا أنْ يُوافِق وردًا له. إحياء علوم الدين (1/ 237).
وقال العيني -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قلتُ: على هذا الوجه يبعُد وجوده منصوصًا عليه في الحديث، نعم وقع منه الوصل والفصل، أما الوصل فهو في حديث الترمذي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: «ما رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»، وأما الفصل ففي حديث أبي داود من رواية عبد الله بن أبي قيس عن عائشة قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرمضان، فإنْ غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا ثم صام» وأخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وروى الطبراني من حديث أبي أمامة «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَصِلُ شعبان برمضان» ورجال إسناده ثقات...، فإنْ قلتَ: كيف التوفيق بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة الذي رواه أصحاب السنن، فأبو داود من حديث الدراوردي، والترمذي كذلك، والنسائي من رواية أبي العميس، وابن ماجه من رواية مسلم بن خالد، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا بقي نصفٌ من شعبان فلا تصوموا»...
قلتُ: أما أولًا: فقد اختُلف في صحة هذا الحديث، فصححه الترمذي وابن حبان وابن عساكر وابن حزم، وضعفه أحمد فيما حكاه البيهقي عن أبي داود، قال: قال أحمد: هذا حديث منكر، قال: وكان عبد الرحمن لا يُحدِّث به، وأما ثانيًا: فقال قوم ممن لا يقول بحديث العلاء: بأنَّ أبا هريرة كان يصوم في النصف الثاني من شعبان، فدلَّ على أنَّ ما رواه منسوخ، وقيل: يُحمل النهي على مَن لم يُدخِل تلك الأيام في صيام اعتاده. عمدة القاري (11/84- 85).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وقد روي عنها أنها قالت: «كان يصوم شعبانَ كله» وهذا يحتمل أنْ يُريد به معظمه وأكثره، فيكون موافقًا لحديث الموطأ، وقد روى ابن أبي لبيد عن أبي سلمة عن عائشة: «لم أرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صائمًا من شهرٍ قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا» وهذا يُؤكِّد هذا التأويل.
ويحتمل أنْ تُريد بقولها: «إنه ما استكمل صيام شهر قط غير رمضان» أنه استكمله على وجه التعيين والتخصيص له بذلك، وأنَّ ما روي عنها أنه كان يصوم شعبان كله لم يكن على وجه التعيين له.
وقد روي عن عبد الله بن سفيان قال: «قلتُ لعائشة -رضي الله عنها- هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له صوم معلوم سوى رمضان؟ قالت: والله إنْ صام شهرًا معلومًا سوى رمضان، حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه»، فقولها: «شهرًا معلومًا» يقتضي أنْ يكون معلومًا بصومه، وهذا لا يمنع أنْ يكون صامه على غير هذا الوجه. المنتقى شرح الموطأ (2/ 73).
وقال الشيخ عبد الله العتيبي -حفظه الله-:
الصحيح: أنَّ شعبان يُصام أكْثَرُه، ولا يُصام كله، ومن الأدلة على ذلك: حديث عائشة: «ما رأيتُ رسول الله استكمل شهرًا إلا رمضان» فهي نَفَتْ استكمال الشهر إلا رمضان، وأصرحُ منه أو مثله ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن شقيق، قال: قلتُ لعائشة: هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصوم شهرًا معلومًا سوى رمضان؟ قالت: «ما رأيته صام شهرًا كاملًا منذ قَدِمَ المدينة إلا أن يكون رمضان»، فهذا صريح أنه منذ قدم المدينة حتى توفاه الله لم يستكمل صيام شهر غير رمضان.
وطريق أبي سلمة عن عائشة اختُلف في ألفاظها، والمحفوظ ما رواه ابن شقيق عنها في أنَّ الصيام كان أكثر شعبان، لا كله، يعني: يصوم عشرين أو خمسةً وعشرين، فالمهم أنَّه لا يتم الشهر كاملًا صائمًا، فيُفطر ولو يومًا واحدًا. شرح كتاب الصوم من صحيح البخاري (ص: 169).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا تَنازُع بين العلماء في هذا الحديث، وليس فيه ما يُشكِل، وصيام غير رمضان تطوع، فمَن شاء استقل، ومَن شاء استكثر. الاستذكار (3/ 372).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(وفيه) أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لم يصم الدهر، ولا قام الليل كله؛ وكأنه ترك ذلك لئلا يُقتدى به، فيشق على الأمَّة، وإنْ كان قد أُعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر، وقام ونام، أشار إلى ذلك المهلب. فتح الباري (4/ 217).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث:
أنَّ عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- بحسب المصالح، يُؤخَذ من قولها: «كان يصوم حتى...» إلخ.
ومن فوائده: أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يسوس نفسه في العمل الصالح، ويروِّضها على العمل، ويتبع ما هو أنفع...
ومن فوائد الحديث: فضيلة الصوم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر منه، حتى يقال: لا يفطر...
ومن فوائد الحديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصم شهرًا كاملًا قطُّ إلا رمضان...
ومن فوائد الحديث: مشروعية إكثار الصوم في شعبان؛ لقولها: «وما رأيتُه في شهر...» إلخ، هل يُؤخَذ منه: بيان ضعف الحديث الذي رواه أبو هريرة: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»؟ نعم، كيف ذلك؟ لأنه كان يكثر الصيام في شعبان. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 266-267).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وفيه: دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأنَّ ذلك محبوب لله -عز وجل-...، وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد: منها: أنه يكون أخفى وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه...
ومنها: أنَّه أشق على النفوس: وأفضل الأعمال أشقُّها على النفوس، وسبب ذلك: أنَّ النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس، وطاعاتهم كثر أهل الطاعة؛ لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشقُّ على نفوس المستيقظين طاعاتهم؛ لقلة مَن يقتدون بهم فيها...
ومنها: أنَّ المفرد بالطاعة من أهل المعاصي والغفلة قد يدفع البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم، ويدافع عنهم. لطائف المعارف (ص: 131-132).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
ــ ليس من السنة التطوع بصيام شهر كامل. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (3/ 237).
ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم الصيام في شهر شعبان وفضل الإكثار منه.