الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يَقْرَع باب الجنة».


رواه مسلم برقم: (196)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«تبعًا»:
التَّبَعُ، مُحرَّكة: التَّابِعُ يكونُ واحِدًا وجَمْعًا، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} إبراهيم: 21، يكونُ اسْمًا لجَمْعِ تابِعٍ، ويكونُ مَصْدَرًا، أي: ذوي تَبَعٍ، والجمع: أتباعٌ، وقال كُرَاع (النمل): جَمْعُ تابِعٍ، ونَظِيرُهُ: خَادِمٌ وخَدَمٌ، وطَالِبٌ وطَلَبٌ. تاج العروس، للزبيدي (20/ 373).

«يَقْرَع»:
قَرَع الباب: دَقَّهُ، ومنه الحديث: «إنَّ المصلي ليقرع باب الملك، وإنَّ من يُدِم قرع الباب يوشك أن يُفتح له». تاج العروس، للزبيدي(21/ 533).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
قرعتُ الشيء أقرعه: ضربته. مقاييس اللغة (5/ 72).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«تبعًا» نُصب على التمييز، أي: تبعي أكثر من أتباع الأنبياء، يعني: أمتي أكثر من أمم جميع الأنبياء -صلوات الله عليهم-. المفاتيح (6/ 86).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنا ‌أكثر ‌الأنبياء تبعًا» بفتحتين: جمع تابع، أي: أتْباعًا يوم القيامة؛ لأن أمته ثلثا أهل الجنة. مرقاة المفاتيح(9/ 3672).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة» يرجع وينزع إلى قوله: «أهل الجنة مائة وعشرون صفًّا، ثمانيون من هذه الأمة» وهو مفسر ومبين بهذا الحديث.
(و) قوله: «أنا أكثر الأنبياء» عام غير مخصوص، وهو مختصر، أي: أكثر الأنبياء والمرسلين تبعًا. الأزهار، مخطوط، لوح (470).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«يوم القيامة» خصَّه؛ لأنه يوم ظهور ذلك الجمع. التيسير (1/ 375).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
الجزم هنا (بأن أمته أكثر أهل الجنة) لا ينافيه قوله في حديث أبي هريرة: «وأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا» فلعله قبل أن يُكشف له عن أمته ويراهم، ثم حقق الله له رجاءه. فيض القدير (3/ 39).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أنا ‌أكثر ‌الأنبياء تبعًا» بفتح المثناة الفوقية، والباء الموحدة: جمع تابع، كخدم في خادم...، وإعلامه به (أي: بأكثرية أمته) إعلامٌ بأنه أكثر الرسل أجرًا؛ لأنه يؤجر بأعمال من اتبعه الصالحة؛ لحديث: «مَن سنَّ سُنة حسنة». التنوير (4/ 255).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الرسول -صلَّى الله عليه وسلم- أكثر ‌الأنبياء تابعًا؛ لأنه منذ بُعث إلى يوم القيامة والناس يتبعونه -صلوات الله وسلامه عليه-؛ فكان ‌أكثر ‌الأنبياء تابعًا. شرح رياض الصالحين (1/ 549).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
محمد -صلى الله عليه وسلم- ‌أكثر ‌الأنبياء تابعًا، ولا خلاف في ذلك، ففي البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عُرضت عليَّ الأمم، فأجد النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلتُ: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أُمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب» وفيه: عن عبد الله بن مسعود قال: كُنَّا مع النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- في قبة، فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟، قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟»، وفي رواية: «بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة» ثم قال: «إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود». فتح المنعم (2/32، 33).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأنا ‌أكثر ‌الأنبياء تبعًا» أي: أتباعًا «يوم القيامة»؛ لكثرة من آمن بي؛ لأن ديني غير منسوخ، مستمر إلى يوم القيامة. الكوكب الوهاج (5/ 82).

قوله: «وأنا أول من يَقْرَع باب الجنة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأنا أول من يقرع» بفتح الراء، أي: يَدُقُّ ويَستفتح «باب الجنة» أي: فيُفتح له مدخلُها. مرقاة المفاتيح (9/ 3672).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وأنا أول من يقرع باب الجنة» أي: يطرقه للاستفتاح، فيفتح له؛ فيكون أول داخل. التيسير (1/ 375).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «أنا أول من يقرع باب الجنة» يدلُّ على أنَّ باب الجنة يكون مُغلقًا حتى يدخل محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمته، وهو عام غير مخصص أيضًا. الأزهار، مخطوط، لوح (470).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وأنا أول من يقرع باب الجنة» كناية عن كونه أول من يدخل الجنة. لمعات التنقيح (9/ 221).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «يقرع باب الجنة» أي: يدقه ليفتح له ولأمته، فهو أول الأنبياء دخولًا في الجنة، وأمته أول الأمم دخولًا فيها. منة المنعم (1/ 175).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأنا أول من يقرع باب الجنة» أي: فيفتح له، كما أفاده غيره (من الأحاديث)، فهو إعلام بأنه أول داخل لها. التنوير (4/ 255).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: تقدَّم في الذي قبله: أنَّه يتأخر عند الصراط، حتى تجوز الأمة؛ وذلك منافٍ لكونه أول من يقرع باب الجنة، قلتُ:... فلا يمتنع أنْ يكون -صلى الله عليه وسلم- آخر مَن ينصرف من المحشر، وأول من يدخل الجنة، والناس محبوسون عن الدخول حتى يأتي، كما دل عليه قوله: «أُمرتُ أنْ لا أفتح لأحد قبلك». إكمال إكمال المعلم (1/367).

قوله في الرواية الأخرى: «أنا أول الناس يشفع في الجنة»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: في دخول الجنة قبل الناس، ويدل عليه قوله: «وأنا أول من يقرع باب الجنة» وقول الخازن: «بك أُمرتُ لا أفتح لأحد قبلك» وقوله في حديث آخر: «فأنطَلِق معي برجال فأدخلهم الجنة» وهذه إحدى شفاعاته، وقوله في الرواية الأخرى: «أنا أول شفيع في الجنة» يمكن حمله على ما تقدم، ويحتمل أن يراد به: أنه يشفع في ترفيع منازل بعض أهل الجنة، والأول أظهر. المفهم (1/452، 453).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الشفيع يعني: الشافع؛ أي: أنا ‌شافع ‌للعصاة من أمتي في دخول الجنة. المفاتيح (6/ 88).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله (كما في لفظ): «أنا أول شفيع في الجنة»...، قيل: أنا أول شافع في الجنة لرفع درجات الناس فيها. الكاشف (11/ 3633).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا ‌أكثر ‌الأنبياء تبعًا» هذا من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-. توفيق الرب المنعم (1/ 382).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
تضمنت الأحاديث خمسة أنواع من الشفاعة:
أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء نبيًّا بعد نبي، حتى يريحهم الله من مقامهم.
النوع الثاني: الشفاعة في فتح الجنة لأهلها.
النوع الثالث: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة.
النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار.
النوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار، ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس:
أحدهما: في قوم استوجبوا النار، فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص.
والنوع الثاني: شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب، ورفعة الدرجات، وهذا قد يُستدل عليه بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي سلمة، وقوله: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين» وقوله في حديث أبي موسى: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك» وفي قوله في حديث أبي هريرة: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله» سر من أسرار التوحيد، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد، فمن كان أكمل توحيدًا كان أحرى بالشفاعة، لا أنها تنال بالشرك بالشفيع، كما عليه أكثر المشركين -وبالله التوفيق-. تهذيب سنن أبي داود (13/ 56).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
«أنا ‌أول ‌الناس ‌يشفع في الجنة» ليست هذه الشفاعة بزيادة على الخمس المتقدمة؛ لأنَّ الدخول المذكور إنْ كان بعد الجزاء، رجعت إلى شفاعة الإخراج، وإنْ كانت قبل، رجعت إلى شفاعة الإدخال. إكمال إكمال المعلم (1/367).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في العذاب...، وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي: الشفاعة لأهل المدينة؛ لحديث سعد -رضي الله عنه- رفعه: «لا يثبت على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا» (وهو في مسلم بنحوه). البحر المحيط الثجاج (5/ 217).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
دليل الخامسة: (أي: الشفاعة الخامسة، وهي لرفع الدرجات) قوله في حديث أنس عند مسلم: «أنا أول شفيع في الجنة» كذا قاله بعض من لقيناه، وقال: وجه الدلالة منه: أنه جعل الجنة ظرفًا لشفاعته، قلتُ: وفيه نظر؛ لأني سأبين أنها ظرف في شفاعته الأولى المختصة به. فتح الباري (11/ 428).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فيه: إشعار بأن أكثرية الأتباع توجب أفضلية المتبوع. مرقاة المفاتيح (9/ 3672).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

حديث: «أنا أول شفيع في الجنة، لم يُصدَّق نبيٌّ مِن الأنبياء ما صُدِّقْتُ»


إبلاغ عن خطأ