«الإيمان قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمنٌ».
رواه أحمد برقم: (1426)، وأبو داود برقم: (2769) واللفظ له، والحاكم برقم: (8037)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2802)، وصحيح سنن أبي داود برقم: (2474).
مختصر شرح الحديث
غريب الحديث
«الفتك»:
أصل الفَتْك في اللغة: أن يأتي الرجل رجلًا غارًّا فيقتله، أو يكمن له في شجرة، أو على جبل، حتى يقتله غافلًا، فكان هذا أصله، حتى جعلوا كل من هجم على الأمور العظام فاتكًا. الزاهر، لابن الأنباري (2/ 15).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
الفَتْك، وهو الغَدْر. مقاييس اللغة(4/ 376).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «الإيمان قَيَّدَ الفتك»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
معنى «قَيَّدَ» أي: منع عنه، أراد: أن الإيمان يمنع صاحبه عن الفتك كما يمنع المقَيَّدَ قيّدُه، ويقال للفَرَس الجواد: قَيْد الأوابد؛ لأنه يمنع الوحش عن الفوات؛ لسرعته، قال امرؤ القيس:
بِمُنجَرِدٍ قَيْد الأوابد هيْكل. الميسر (3/ 831).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«القيد»: الحبس. تحفة الأبرار (2/ 504).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«الفتك» إنما هو فجأة قتل من له أمان. معالم السنن (2/ 337).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«الفتك»: القتل بعد الأمان، والغدر بعد التأمين. الاستذكار (8/ 282).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
الفتك في الحرب: أن يجيء الرجل إلى الآخر وهو غار (أي: غافل) فيقتله، وقيل: الفتك: القتل مجاهرة، وكل من جاهر بقبيحة فهو فاتك...، قال الفراء: يقال فيه: الفَتك والفِتك والفُتك ثلاث لغات. مطالع الأنوار (5/ 189).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
الفتك: أن يكون آمنًا فيُراقب حتى يقتل. الحاوي الكبير (12/ 28).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«قَيَّدَ» شدَّ ومنعَ؛ يعني: الإيمان يمنع صاحبه من قتل أحد بغتة، حتى يسأل عن إيمانه، كما يمنع المقيَّدَ قيدُه، فإذا كان كافرًا ينبغي أن يُدعى إلى الإسلام، فإن أبى يقتل. المفاتيح (4/ 240).
قوله: «لا يَفْتِكُ مؤمن»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يفتك» بكسر التاء، وفي نسخة بضمها...، وقوله «مؤمن» أي: كامل الإيمان. مرقاة المفاتيح (6/ 2319).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا يَفتك» بفتح أوله «مؤمن» أي: لا يفتك مؤمن بمسلم ولا كافر، فإنَّ قتْلَ من له أمان حرامٌ. شرح سنن أبي داود (12/ 83).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «لا يفتك مؤمن» خبر معناه النهي، أي: لا يفعل ذلك؛ لأنه محرَّم عليه، وهو ممنوع عنه؛ لما يتضمنه من الغدر والمكر والخديعة، ويجوز فيه الجزم على النهي، ومن الناس من يتوهَّم أنه على بناء المفعول؛ فيرويه كذلك، وليس بقويم رواية ومعنى. الميسر (3/ 832).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله-:
باب: الفتك بأهل الحرب.
حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «من لكعب بن الأشرف»، فقال محمد بن مسلمة: أتُحِبُّ أن أقتله؟ قال: «نعم»، قال: فأذن لي، فأقول: قال: «قد فعلت». الصحيح برقم: (3032).
وقال البغوي –رحمه الله-:
الفتك: أن يقتل من له أمانه فجأة، وكان كعب بن الأشرف ممن عاهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا يعين عليه أحدًا، ولا يقاتله، ثم خلع الأمان، ونقض العهد، ولحق بمكة، وجاء مُعلنًا معاداة النبي -صلى الله عليه وسلم- يهجوه في أشعاره، ويسبه، فاستحق القتل لذلك. شرح السنة(11/ 45).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(الفتك) -بفتح الفاء-: الغدر، وهو القتل أيضًا، يقال: فتك به: إذا اغتاله، وظاهر الترجمة (ترجمة البخاري): أن ذَلِكَ سائغ أن يُغدَر بأهل الحرب، ومذهب مالك: أنهم إن ائتمنوه على شيء فليُؤدِّ أمانته، وكذلك إن ائتمنوه على أن لا يهرب. وقال سفيان: لا يؤدي الأمانة فيه. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (18/ 232).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
إنما فتكوا به لأنه نقض العهد وأعان على حرب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهجاه، ولم يقع لأحد ممن توجه إليه تأمين له بالتصريح، وإنما أوهموه ذلك، وآنسوه حتى تمكنوا من قتله. فتح الباري، لابن حجر (6/ 160).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الفتك في الحرب على وجهين: أحدهما: محرم، والثاني: جائز، فالفتك الذي يحرم به الدم: أن يُصرِّح بلفظ يُفهم منه التأمين، فإذا أمَّنه فقد حرُم بذلك دمه والغدر به، وعلى هذا جماعة العلماء، وأما الوجه المباح منه: فهو أن يخادعه بألفاظ هي معاريض، غير تصريح بالتأمين، فهذا يجوز؛ لأن الحرب خدعة، قال المؤلف: واختلف في تأويل قتل ابن الأشرف على وجوه: فقيل: إن قتله هو من هذا الباب المباح؛ لأن ابن مسلمة لم يصرح له بشيء من لفظ التأمين، وإنما أتاه بمعاريض من القول، فيجوز هذا أن يسمى: فتكًا على المجاز.
وفيه وجه آخر قاله بعض شيوخنا، قال: إن قتل ابن الأشرف هو من باب أن من آذى الله ورسوله قد حل دمه، ولا أمان له يعتصم به، فقتْلُه جائز على كل حال؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما قتله بوحي من الله، وأذِن في قتله، فصار ذلك أصلًا في جواز قتل من كان لله ولرسوله حربًا. شرح صحيح البخاري (5/ 190).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في قصته (أي: ابن أبي الحقيق)، وقصة كعب بن الأشرف: إباحة الفتك بأعداء الله، وأن من يؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا ذمة له، ودمه هَدَر. التمهيد (7/ 213).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف أذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قتل كعب فتكًا وقد قال: «الإيمان قيَّد الفتك»؟ فالجواب: أنه نقض العهد، فجاز قتله على أيِّ صفة كانت، كما يجوز تبييت الكفار (أي: الإيقاع بهم ليلًا) على غِرَّة (أي: على غفلة)، وإنما الفتك بمن لا يحل قتله، قال جابر بن عبد الله: كان كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ألا يعين عليه، ولا يقاتله، ولحق بمكة، ثم قدم المدينة معلنًا بمعاداة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال أبياتًا يهجوه بها، فعند ذلك ندب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قتله. كشف المشكل (3/ 39).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فإن قيل: قد بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محمد بن مسلمة الخزرجي في نفر من الخزرج إلى كعب بن الأشراف ففتكوا به، وكذلك بعث عبد الله بن عتيك الأوسي في نفر منهم إلى أبي رافع بن أبي الحقيق، وبعث عبد الله بن أنيس الجهني ثم الأنصاري إلى سفيان بن خالد بن بيج، فكيف التوفيق بين هذا الحديث وبين تلك القضايا التي أمر بها؟.
قلنا: يحتمل أن النهي عن الفتك كان بعدها، وهو الأظهر؛ لأن أُولاها كانت في السنة الثالثة، والثانية كان في السنة الرابعة، والثالثة كانت بعد الخندق في السنة الخامسة، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر في السنة السابعة، فثبت بذلك تأخر الحديث عن تلك القضايا، ويحتمل أن يكون ذلك خصيصي (أي: خاصة) لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لما أُيّد به من العصمة، ويحتمل أن تلك القضايا كانت بأمر سماوي؛ لِمَا ظهر من المفتوكين من الغدر برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والتعرض له بما لا يجوز ذكره من القول، والمبالغة في الأذية والتحريش عليه. الميسر (3/ 832).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المعنى: أن الإيمان منع ذلك وحرمه، فلا ينبغي للمؤمن أن يفعله؛ لأن المقصود به إن كان مسلمًا فظاهر، وإن كان كافرًا فلا بد من تقديم نذير واستتابة، إذ ليس المقصود بالذات قتله، بل الاستكمال والحمل على الإسلام على ما يمكن، هذا إذا لم يدع إليه داع ديني، فإن كان كما إذا عُلِم منه أنه مُصرٌّ على كفره، حريص على قتل المسلمين، منتهز للفرص منهم، فإن دفعه لا يتيسر إلا بهذا، فلا حرج فيه، فإنه -عليه الصلاة والسلام - بعث محمد بن مسلمة الخزرجي في نفر من الخزرج إلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث عبد الله بن أنيس الجهني إلى سفيان بن خالد فقتله. تحفة الأبرار (2/ 504).
وقال الطيبي -رحمه الله- بعد أن ذكر كلام البيضاوي:
هذا هو الوجه، والذهاب إلى النسخ والتخصيص بعيد. الكاشف (8/ 2507).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
سئل مالك عن الإشارة بالأمان، أهي بمنزلة الكلام؟ فقال: نعم، وإني أرى أن يتقدم إلى الجيوش: أن لا تقتلوا أحدًا أشاروا إليه بالأمان؛ لأن الإشارة عندي بمنزلة الكلام، وإنه بلغني أن عبد الله بن عباس قال: "ما خَتَر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو"، وقال أبو عمر: إذا كان دم الحربي الكافر يحرم بالأمان، فما ظنك بالمؤمن الذي يصبح ويمسي في ذمة الله! كيف ترى في الغدر به، والقتل!. الاستذكار (5/ 35).