الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«إذا قلتَ لصاحبك يومَ الجمعةِ: أنصتْ، والإمامُ يخطبُ، فقد لغوتَ».


رواه البخاري برقم (934)، ومسلم برقم (851)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أنصت»:
أَنْصَتَ غيره إذا أسكته...أَنْصَتُّ الرَّجلَ إِذا سَكَتَّ لهُ؛ وأَنْصَتُّه إِذا أَسْكَتَّه. لسان العرب، لابن منظور(2/ 99).
قال القاضي عياض -حمه الله-:
ومنه استنصت الناس أي أمرهم بالسكوت يقال: فيه أَنْصَت ونصت أيضًا. مشارق الأنوار (2/ 14).

«لغوت»:
لغا الإنسان يلغو، ولغى يلغى، ولغي يلغى: إذا تكلم بالْمُطَّرح من القول، وما لا يعني. النهاية لابن الأثير (4/ 257).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
فقد لغا أي: تكلم، وقال ابن شميل: فقد لغا، أي: فقد خاب. لسان العرب (15/ 251).


شرح الحديث


قوله: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
المراد بالصاحب هنا: الجليس إلى جنبه، ثم في هذه الرواية زيادة: «يوم الجمعة»، وإن كان المراد بالروايات جميعها: خطبة الجمعة، لكن هذه الرواية صرَّحت بها زيادة في البيان، وفي رواية قدَّم الإنصات على الجمعة، وفي آخرها بعكسها، وفي أخرى ذكر الإمام، وكل من هذه له فائدة، فمن كانت عنايته أحد الأشياء الثلاثة قدمه في الذكر، والكل في العناية سواء، فأيها قُدِّم جاز؛ لأنه لا بد من ذكر الإنصات والجمعة، وبذكر الثلاثة يحصل كمال الغرض. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (7/ 602).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«لصاحبك» أي: من تخاطبه صغيرًا كان أو كبيرًا أو بعيدًا. فتح القريب المجيب (4/ 662).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «يوم الجمعة» دلالة على أن خطبة غير الجمعة ليست مثلها ينهى عن الكلام حالها. سبل السلام (1/ 405).
وقال الشيخ محمد بن آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«يوم الجمعة» متعلق بـ«قال»، وفي هذا التقييد دلالة على أن خطبة غير الجمعة، كالعيد والكسوف والاستسقاء ليست كالجمعة، فلا يجب الإنصات لها، ولا يحرم الكلام فيها، واستماعها مستحب فقط؛ لأنها غير واجبة، وقد صرح بذلك أصحاب الشافعي، وحكى ابن عبد البر عن عطاء، قال: يحرم الكلام ما كان الإمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله، قال: ويوم عرفة، والعيدين كذلك في الخطبة. انتهى.
قال الجامع -عفا الله تعالى عنه-: لكن مذهب الْمُصنِّف (الإمام النسائي) -رحمه الله-: أنه يرى أن خطبة العيد كخطبة الجمعة يجب الإنصات لها. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (16/ 216).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام، فأما من دخل المسجد في حال الخطبة، فقال طائفة: إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه، وهذا قول الزهري وقتادة والثوري والشافعي.
وعموم قوله: «إذا قلت لصاحبك: أنصت -والإمام يخطب- فقد لغوت»، ويشمل القائم والقاعد والماشي. فتح الباري (8/ 285).

قوله: «أنصِت»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
أي: اسكت لسماع الخطبة، ومنه: استنصت الناس، أي: استدع منهم السكوت. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (4/ 167).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
«أنصت» معناه: اسكت، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أتى الجمعة فاستمع وأنصت»؛ فجعلهما شيئين متمايزين، ولا شك أن الاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} الأعراف: 204. العدة في شرح العمدة (2/ 682).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هو من باب التشبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا جعل قوله: «أنصت»، وهو أمر بمعروف لغوًا فغيره من الكلام أولى. التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 692).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والفرق بين الاستماع والإنصات: أن الاستماع: إشغال السمع باستماع الخطبة، والإنصات: كفُّ اللسان عن الكلام عند الخطبة، فظهر أن الاستماع بالأذن، والإنصات باللسان. مرشد ذوي الحجا والحاجة (7/ 107).

قوله: «والإمام يخطب»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
حجة بينة أن الإنصات إنما يجب عند خطبة الإمام، وهو قول مالك وعامة أهل العلم، وذهب أبو حنيفة إلى أن الإنصات يجب بخروج الإمام. إكمال المعلم (3/ 243).
وقال العيني -رحمه الله-:
«والإمام يخطب» جملة حالية ذكرها للإشعار بأن الإنصات قبل شروع الإمام فيها لا يجب، خلافًا لقوم في ذلك، ولكن الأولى الإنصات من وقت خروج الإمام. عمدة القاري (6/ 239).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في قوله: «والإمام يخطب»: ‌دلالة على أن ذلك النهي يختص بحال الخطبة، وفيه ردٌّ على من قال: إنه منهي عن الكلام من حين خروج الإمام، ولا شك في أفضلية ترك الكلام في ذلك الوقت، وأما الكلام عند الجلوس بين الخطبتين فقد حكي فيه قولان: أحدهما: أنه غير خاطب فيحل الكلام، والثاني: أن وقته يسير فهو شبه السكوت للتنفس فهو في حكم الخاطب. البدر التمام شرح بلوغ المرام (3/ 423).
وقال الشيخ محمد بن آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«والإمام يخطب» جملة حالية من فاعل «قال»، والرابط الواو. ذخيرة العقبى (16/ 217).
قوله: «فقد لغوت»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
ورواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «فقد لغيت»، قال ابن عيينة: «لغيت» لغة أبي هريرة -رضي الله عنه-.التوضيح لشرح الجامع الصحيح(7/ 599).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله: «فقد لغوت» فإنه يريد: فقد جئت بالباطل، وجئت بغير الحق، واللغو: الباطل، قال قتادة في قول الله -عز وجل-: {لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} الفرقان: 72، قال: الكذب، {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان: 72، قال: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، ولا يمالؤونهم عليه ...
والفحش أشد من اللغو، واللغو والهجر في القول سواء، واللغو واللغا لغتان، يقال من اللغا: لغيت تلغى، مثل لقيت تلقى، وهو التكلم بما لا ينبغي وبما لا نفع فيه.
وقال الأخفش: اللغو: الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه، قال العَجَّاج: ... عنِ اللَّغَا ورَفثِ التكلمِ. التمهيد (11/ 633).
وقال المازري -رحمه الله-:
وقيل: لغا عن الصواب، أي: مال عنه، وقال النضر: أي: خاب، ألغيته: خيبته، قال ابن عرفة: اللغو الشيء المسقط الملغى. المعلم بفوائد مسلم (1/ 470).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومعنى «فقد لغوت» أي: قلتَ اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه: قلتَ غير الصواب، وقيل: تكلمتَ بما لا ينبغي، ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبَّه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوًا، فيسيره من الكلام أولى، وإنما طريقه إذا أراد نهي غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه، فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر، ولا يزيد على أقل ممكن. شرح مسلم (6/ 138).
وقال ابن العطار -رحمه الله- معلقًا:
ولا شك أن الحديث دليل على طلب الإنصات في الخطبة، والناس في ذلك على قسمين:
أحدهما: من يسمع الخطبة، وهؤلاء ضربان: ضرب لا تصح الجمعة إلا بهم، وهم أربعون أو أقل أو أكثر على قدر الاختلاف فيهم، فهؤلاء يجب عليهم الاستماع بلا شك، وضرب تصح الجمعة بدونهم وهم يسمعون، فهؤلاء يجب عليهم -أيضًا- عند مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه في الحديث، وأحمد في المشهور من روايته، وعامة العلماء، مع اتفاقهم على أن الكلام في هذا الضرب مكروه كراهة تنزيه، لكن الاختلاف في التحريم، والذي يقتضيه الدليل التحريم، وهو الراجح عند أكثر العلماء، وحكي عن النخعي والشعبي وبعض السلف: أنه لا يجب إلا إذا تلا الخطيب فيها القرآن.
القسم الثاني: من لا يسمع الخطبة أصلًا، قال القاضي عياض وغيره: اختلف العلماء فيه، هل يجب عليه السكوت كما لو كان يسمع؟ قال الجمهور: يلزمه؛ لأنه إذا تكلم يهوش على السامعين، ويشغلهم عن الاستماع، وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولكن يستحب له. العدة في شرح العمدة (2/ 683).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: إذا قلتَ لمن يتكلم: اسكت، فقد تكلمت، والكلام منهي عنه إما على سبيل الاستحباب، أو على سبيل الوجوب على اختلاف القولين، بل الطريق أن تشير إليه بيدك إذا أمرته بالسكوت. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 322).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اللغو: هو الكلام الباطل المهدر الذي لا فائدة فيه، ومنه: لغو اليمين، وهو ما لا يعبأ به ولا ينعقد، ومنه: قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان:72، وقوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا} النبأ:35. فتح الباري (8/ 275).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
قال ابن وهب: ومن لغا كانت صلاته ظهرًا، ولم تكن له جمعة، وحرم فضلها. تفسير الموطأ (1/166- 167).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها في الجمعة، وأنه غير جائز أن يقول الرجل لمن سمعه من الجهال يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت، أو: صَهٍ، أو نحو ذلك؛ أخذًا بهذا الحديث، واستعمالًا له، وتقبلًا لما فيه.
وقد روي عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وأبي بردة: أنهم كانوا يتكلمون في الخطبة، إلا في حين قراءة الإمام القرآن في الخطبة خاصة، كلهم ذهبوا أن لا إنصات إلا للقرآن؛ لقوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} الأعراف: 204، وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنة الثابتة المذكورة في هذا الباب، وأحسن أحوالهم أن يقال: إنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك؛ لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به، والحجة في السنة، لا فيما خالفها، وبالله التوفيق.
واختلف العلماء في وجوب الإنصات على من شهد الخطبة إذا لم يسمعها؛ لبعده عن الإمام؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: إلى أن الكلام لا يجوز لكل من شهد الخطبة، سمع أو لم يسمع، وكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يقول في خطبته: استمعوا وأنصتوا، فإن للمستمع الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمستمع السامع.
وعن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم-: أنهما كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام، ولا مخالف لهؤلاء من الصحابة، فسقط قول الشعبي ومن قال بقوله في هذا الباب.
وكان عروة بن الزبير لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة يوم الجمعة، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس أن يقرأ، ويذكر الله، من لا يسمع الخطبة، وذكر عبد الرزاق عن الثوري، عن حماد، عن إبراهيم قال: إني لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة.
قال أبو عمر: هذا يدل على أنه لو سمع الخطبة لم يقرأ، وهذا أصح عنه من الذي تقدم، وإذا لم يقرأ، فأحرى ألّا يتكلم، وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: يحرم الكلام ما كان الإمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله.
قيل لعطاء: أيذكر الإنسان الله والإمام يخطب يوم عرفة، أو يوم الفطر، وهو يعقل قول الإمام؟ قال: لا، كل ذلك لغو، فلا يتكلمنَّ، إلا أن يذهب الإمام في غير ذكر الله. قال: قال عطاء: إذا استسقى الإمام فادع، هو يأمرك حينئذٍ به.
(وعن) عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: أسبح وأهلل يوم الجمعة، وأنا أعقل الخطبة؟ قال: لا، إلا الشيء اليسير، واجعله بينك وبين نفسك، قال: قلتُ لعطاء: فإذا كنتُ لا أسمع الإمام، أسبح وأهلل وأدعو الله لنفسي ولأهلي، وأسميهم بأسمائهم، واسمي؟ قال: نعم.
(وعن) عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلتُ لعمرو بن دينار: أواجب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب؟ قال: كذلك زعموا.
(وعن) عبد الرزاق، عن معمر قال: سئل الزهري عن التسبيح والتكبير والإمام يخطب، قال: كان يُؤْمَرُ بالصمت، قال: قلتُ: فإن ذهب الإمام في غير ذكر الله في الجمعة؟ قال: تكلم إن شئت، قال معمر: وقال قتادة: إن أحدثوا، فلا تحدث.
(وعن) عبد الرزاق، عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: سمعتُ طاوسًا يقول: إذا كان يوم الجمعة، والإمام على المنبر، فلا يدعو أحد بشيء، ولا يذكر إلا أن يذكر الإمام.
وذكر الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: شهدتُ الليث بن سعد، وموسى بن مصعب يخطبهم يوم الجمعة، فقال في خطبته: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} الكهف: 29، فسمعتُ الليث يقول: اللهم لا تمقتنا.
وذكر الزبير بن أبي بكر القاضي، قال: أخبرنا مصعب بن عثمان، عن مشيخته: أن عبد الله بن عروة بن الزبير كان يشهد الجمعة، فيخرج خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص فيخطب، فيستقبله عبد الله بن عروة، وينصت له، فإذا شتم خالد عليًّا، تكلم عبد الله بن عروة، وأقبل على أدنى إنسان إلى جنبه، فيقال له: إن الإمام يخطب، فيقول: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا.
قال أبو عمر: الذي عليه جماعة الفقهاء ألّا يدعو أحد، ولا يذكر الله غير الإمام في خطبته، وأما المستمع فلا ينطق بشيء، وإنما عليه الإنصات والاستماع، وقد روي عن عطاء الخراساني وعكرمة، أنهما قالا: من قال والإمام يخطب: صَهٍ، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. التمهيد (11/634).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وجماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات للخطبة ... ، وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصا، وروي عن عمر وابن عمر وابن عباس أنهم قالوا: من قال لصاحبه: اسكت فلا جمعة له، وقال ابن عباس: الذي يتكلم والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ذكره ابن أبي شيبة (ضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم: ‌‌5238)، وقد رخَّص جماعة من التابعين في الكلام والإمام يخطب إذا كان من أئمة الجور، أو أخذ في خطبته في غير ذلك، روي عن النخعي والشعبي وأبي بردة وسعيد بن جبير أنهم كانوا يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا، وروى ابن أبي شيبة أن إبراهيم (بن مهاجر) كُلِّم في ذلك فقال: إني كنتُ قد صليتُ، ورأى الليث: إذا أخذ الإمام في غير ذكر الخطبة والموعظة أن يتكلم ولا ينصت.
وروى ابن وهب وابن نافع وعلي بن زياد عن مالك: أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون، وروي عنه: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة، ولا من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصات.
واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب؛ فرخص في ذلك النخعي والشعبي والحسن، وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وكره ذلك مالك والكوفيون والشافعي. شرح صحيح البخاري (2/ 518-520).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: النهي عن الكلام وقت الجمعة، فينبغي لمن سمع متكلمًا حينئذٍ أن ينهاه بالإشارة لا بالكلام.
وفي هذا الحديث: حضٌّ على استماع الخطبة يوم الجمعة؛ فإنها تتضمن حمد الله -عز وجل- والثناء عليه، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، والموعظة والوصية بتقوى الله، وإن كان في طرف الجامع ولم يسمع صوت الإمام فالمستحب له أن ينصت؛ لأنه لو أنصت الناس كلهم لسمعوا، فإن قرأ أو تشاغل بذكر جاز. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 101-102).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اختلفت الرواية عن أحمد: هل يحرم الكلام حال سماع الخطبة على روايتين، وعن الشافعي قولان، فإن قلنا: يحرم، فلظاهر هذا الحديث، وإن قلنا: لا يحرم حمل هذا على الأدب. واللغو: ما لا فائدة فيه. كشف المشكل (3/ 342).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
والحديث: دليل على طلب الإنصات في الخطبة، والشافعي يرى وجوبه في حق الأربعين، وفيمن عداهم قولان، هذه الطريقة المختارة عندنا.
واختلف الفقهاء أيضًا في إنصات من لا يسمع الخطبة، وقد يستدل بهذا الحديث على إنصاته؛ لكونه علَّقه بكون الإمام يخطب، وهذا عام بالنسبة إلى سماعه وعدم سماعه. واستدل به المالكية على عدم تحية المسجد، من حيث إن الأمر بالإنصات أمر بمعروف وأصله الوجوب، فإذا منع منه -مع قلة زمانه، وقلة إشغاله- فلأن يمنع الركعتين مع كونهما سنة، وطول الاشتغال، وطول الزمان بهما أولى. إحكام الأحكام (1/ 335).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وذلك: أن الخطبة أقيمت مقام الركعتين، فكما لا يجوز التكلم في المنوب لا يجوز في النائب، هذا في حق من أمر بالمعروف، فكيف في حق من ارتكب المنكر، وتكلم ابتداء؟ فحقيق لمثله أن يلحق بالحمار الذي يحمل أسفارًا. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1275).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذ الحديث الأمر بالإنصات في حال الخطبة لغوًا، وإن كان أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر، فدل على أن كل كلام يشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو، وإنما يسكت المتكلم بالإشارة، وكان ابن عمر -رضي الله عنه- يشير إليه، وتارة يحصبه بالحصى، وكره علقمة -رحمه الله- رميه بالحصى، ولا خلاف في جواز الإشارة إليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طاوس وحده، ولا يصح؛ لأن الإشارة في الصلاة جائزة، ففي حال الخطبة أولى، وروى أنس -رضي الله عنه- أن رجلًا دخل المسجد والنبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فسأله ثلاث مرات، كل ذلك يشيرون إليه أن اسكت، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ويحك، ما أعددتَ لها»، وذكر الحديث، خرّجه البيهقي وغيره، ولا يستثنى من ذلك إلا ما لا بد منه، مما يجوز قطع الصلاة لأجله، كتحذير الأعمى من الوقوع في بئر ونحوه ...
وأجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبة الإمام أن ينصت ويستمع، وأنه أفضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه، أو تلاوة قرآن أو دعاء.
قال عبد الرزاق: عن ابن جريجٍ، قلتُ لعطاء: أسبح في يوم الجمعة وأهلل، وأنا أعقل الخطيب؟ قال: لا، إلا الشيء اليسير، واجعله بينك وبين نفسك.
وروى بإسناده عن طاوس، قال: إذا كان الإمام على المنبر فلا يدعُ أحد بشيء، ولا يذكر الله، إلا أن يذكر الإمام، وقول مالك كقول عطاء، ذكره في (تهذيب المدونة). وروى حرب بإسناده، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: سألت علقمة: متى يكره الكلام يوم الجمعة؟ قال: إذا خرج الإمام، وإذا خطب الإمام، قلتُ: فكيف ترى في رجل يقرأ في نفسه؟ قال: لعل ذلك لا يضره -إن شاء الله-، قال سفيان: ذاك إذا لم يسمع الخطبة.
وروي عن سعيد بن جبير والنخعي: الرخصة في القراءة والإمام يخطب، ولعله إذا لم يسمع الخطبة، أو إذا تكلم الإمام بما لا يجوز استماعه.
وكره الأوزاعي لمن سمع الخطبة أن يتشهد، وقال: قد جهل، ولم تذهب جمعته.
واختلفوا: في الإمام إذا صلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة: هل يوافقه المأموم؟ فقالت طائفة: يصلي المأموم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفسه، وهو قول مالك وأبي يوسف وأحمد وإسحاق، واستدلوا: بأن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- خصوصًا يوم الجمعة متأكدة الاستحباب، ومختلف في وجوبها كلما ذكر، فيشرع الإتيان بها في حال الخطبة عند ذكره؛ لأن سببها موجود، فهو كالتأمين على دعاء الإمام وأولى.
وقال بعض الشافعية: إذا قرأ الإمام: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الأحزاب:56 الآية، جاز للمأموم أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويرفع بها صوته، وقالت طائفة: بل ينصت، وهو قول سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعد ومالك -في رواية- والشافعي.
وقال الأوزاعي: ينبغي للإمام إذا صلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس، فإن لم يسكت فأَنْصِتْ، وأَمِّن على دعائه.
واختلفوا فيمن لم يسمع الخطبة لبُعده: هل يذكر الله ويقرأ القرآن في نفسه، أو ينصت؟ على قولين:
أحدهما: يذكر الله في نفسه ويقرأ، وهو قول علقمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، وقولهم هذا شبه قول الأكثرين في قراءة المأموم إذا لم يسمع قراءته.
والثاني: أنه ينصت ولا يتكلم بشيء، وهو قول الزهري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة.
واستدلوا بقول عثمان: إن للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للسامع المنصت، خرجه مالك في (الموطأ).
وقالت طائفة: من لا يسمع لا إنصات عليه، بل يباح له الكلام، وهو قول عروة بن الزبير، وطائفة من أصحاب الشافعي، وأومأ إليه أحمد، فإنه قال: يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة، واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا، وقال ابن عقيل منهم: له أن يُقرئ القرآن، ويذاكر بالعلم، وهو بعيد؛ فإن رفع الصوت ربما منع من أقرب منه إلى الإمام ممن يسمع من السماع، بخلاف الذكر في نفسه والقراءة.
واختلفوا: هل إنصات من سمع الخطبة واجب وكلامه في تلك الحال محرم، أو هو مكروه فقط فلا يأثم به؟ على قولين:
أحدهما: أنه محرم، وهو قول الأكثرين، منهم: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي -في القديم- وأحمد -في المشهور عنه-، والمنقول عن أكثر السلف يشهد له.
وقال عطاء ومجاهد: الإنصات يوم الجمعة واجب، وقد أمر ابن مسعود -رضي الله عنه- بقرع رأس المتكلم بالعصا، وكان ابن عمر يحصبه بالحصباء، وروي عنه أنه قال: المتكلم لا جمعة له، ولمن أجابه: أنت حمار، وقال ابن مسعود وغيره لمن تكلم في جمعة: هذا حظك من صلاتك.
ويدل على تحريمه قول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} الأعراف:204، وقد تقدم قول الإمام أحمد: أجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة؛ ولأن الخطبة وجبت في الجمعة تذكيرًا للناس وموعظة لهم، فإذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها؛ فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغوًا لا فائدة له.
وفي (مسند الإمام أحمد) من حديث مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، لا جمعة له» (سبق أن بينا ضعفه)، وإنما شبهه بالحمار يحمل أسفارًا؛ لأن الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار بشيء، فكذلك من لم يستمع الإمام يوم الجمعة، وهذا المثل ضربه الله لليهود الذين لم ينتفعوا بشيء من علمهم، وليس لنا مثل بالسوء، ولا التشبه بمن ذمه الله من أهل الكتاب قبلنا، فيما ذموا عليه.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من دنا من الإمام فلغا، ولم يستمع ولم ينصت، كان له كفل من الوزر، ومن قال له: مَهْ فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له». (ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب برقم: 433).
والقول الثاني: أنه مكروه غير محرم، وهو قولُ الشافعي -الجديد-، وحكي رواية عن أحمد.
واختلف من قال بتحريمه: هل تبطل به الجمعة؟
فحكي عن طائفة: أنه تبطل به الجمعة، قال عطاء الخراساني وعكرمة: من لغا فلا جمعة له، وقال الأوزاعي: من تكلم عمدًا صارت جمعته ظهرًا، ومن تكلم ساهيًا لم يَتِرَهُ الله فضلها -إن شاء الله تعالى-، وزعم بعضهم أن قول الأوزاعي هذا يخالف الإجماع، وليس كذلك، ولم يرد الأوزاعي أنه يصلي ظهرًا، إنما أراد أن ثواب جمعته يفوته، ويبقى له فضل صلاة الظهر، وتبرأ ذمته منها، وكذلك قال فيمن قرأ كتابًا والإمام يخطب، قال: ذاك حظه من جمعته، ولم يأمره بإعادة الصلاة، وكذلك قال فيمن شرب الماء والإمام يخطب.
وقد روي في أحاديث متعددة مرسلة، وبعضها متصلة الأسانيد، وفيها ضعف، أن من لغا لا جمعة له، وأن ذلك حظه منها، والمراد: أنه يفوته ثواب الجمعة، وبذلك فسره عطاء وابن وهب صاحب مالك، وقال إسحاق: يخشى عليه فوات الأجر.
قال عبد الرزاق: عن ابن جريجٍ، عن عطاء: يقال: من تكلم فكلامه حظه من الجمعة يقول: من أجر الجمعة، فأما أن يوفي أربعًا، فلا.
وقال أيضًا: قلتُ لعطاء: هل تعلم شيئًا يقطع جمعة الإنسان حتى يجب أن يصلي أربعًا، من كلام أو تخطي رقاب الناس، أو شيء غير ذلك؟ قال: لا، وكذا قال الحسن والزهري فيمن تكلم والإمام يخطب: يصلي ركعتين، وقال الثوري: يستغفر الله، ويصلي، ولا يصح عن أحد خلاف ذلك -والله أعلم-.
واختلفوا: متى يجب الإنصات يوم الجمعة؟
فقال الجمهور: بشروع الإمام في الخطبة، وهو المروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكانوا يفعلونه في زمانه، وروي عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس.
وقالت طائفة: ينقطع بخروج الإمام، وإن لم يتكلم، كما تنقطع الصلاة بخروجه، وهو قول طائفة من الكوفيين، منهم: الحكم، وحكي عن أبي حنيفة، وروي عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم-، وقد خرج البخاري حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- في الإنصات بلفظين: في أحدهما: ذكر خروج الإمام، وفي الآخر: ذكر كلامه.
فمن الناس من قال: رواية الخروج مطلقة، تحتمل حالة الكلام وغيرها، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة.
ومنهم من قال: إن الرواية المطلقة إنما دلت على إثبات فضل ترك الكلام بالخروج، لا على منعه وتحريمه.
واستحب عطاء: أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام.
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ، عن عطاء: قال: إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب، قلتُ: سلم الإمام، فرددتُ عليه أيكون ذلك فصلًا؟ قال: إني أحب أن تزيد أيضًا بكلام، السلام في القرآن، يعني: أن السلام لا يكفي في الفصل؛ لأنه مما في القرآن، والمقصود: الفصل بكلام من كلام الآدميين، وهذا قولُ غريبٌ.
واختلفوا: إلى أي وقت ينتهي النهي عن الكلام؟
فقال الجمهور: ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوز الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة، وقالت طائفة: ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة...
واتفقوا على أن النهي عن الكلام يستمر ما دام يتكلم بما يشرع التكلم به في الخطبة، من حمد الله والثناء، والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقراءة القرآن، والموعظة وغير ذلك.
وحكى ابن عبد البر عن طائفة، منهم: الشعبي وأبو بردة: أنه لا ينهى عن الكلام إلا في حال قراءة القرآن خاصة، ويجوز في غيرها، وهذا لا يصح عنهم، وسنذكر وجه ما روي عنهم فيما بعد -إن شاء الله تعالى.
ولو شرع الإمام في خطبته في كلام مباحٍ أو مستحب كالدعاء، فإنه يُستمع له ويُنصت، وهذا قول جمهور العلماء، منهم: عطاء وغيره.
ولأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدها: تحريم الكلام في الحالين. والثاني: لا يحرم، والثالث: إن كان مستحبًا كالدعاء حرم الكلام معه، وإن كان مباحًا لم يحرم.
فأما إن تكلم بكلام محرم، كبدعة أو كَسَبِّ السلف، كما كان يفعله بنو أمية، سوى عمر بن عبد العزيز -رحمة الله عليه-، فقالت طائفة: يلحق بالخطب وينصت له، روي عن عمرو بن مرة وقتادة، والأكثرون على خلاف ذلك، منهم: الشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة وعطاء والنخعي والزهري وعروة والليث بن سعد، وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} الأنعام: 68 الآية، وما كان محرمًا حرم استماعه والإنصات إليه، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء وآلات اللهو، ونحو ذلك، ولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلام مباحٍ لا في محرم.
وفي بطلان الخطبة بالكلام المحرم قبل فراغ أركان الخطبة وجهان لأصحابنا، كالوجهين لهم في بطلان الأذان بالكلام المحرم في أثنائه.
وفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية، ومنعه أصحاب مالك.
وهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام، فأما من دخل المسجد في حال الخطبة، فقال طائفة: إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه، وهذا قول الزهري وقتادة والثوري والشافعي.
وعموم قوله: «إذا قلتَ لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوتَ»، ويشمل القائم والقاعد والماشي. فتح الباري (8/275-285).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فائدة التسوية بين الخطيب والمستمع في الكلام أثناء الخطبة.
ومنها: لفظ الحديث لا يتناول الخطيب؛ لأن شأنه أن يأمر الناس بالإنصات وغيره من المواعظ، ولأنه لا يمكن أن يتكلم والإمام يخطب، وبهذا قطع أكثر الشافعية، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وحكى بعض الشافعية في ذلك وجهين، ونقل ابن الجوزي في التحقيق التسوية بين الخطيب والمستمع عن الأكثرين، وفيه نظر.
فائدة: من سأله الخطيب يوم الجمعة.
ومنها: استثنى المالكية والحنابلة والظاهرية من سأله الخطيب فأخرجوه عن موضع الخلاف، وأباحوا له الكلام جوابًا للخطيب ...
فائدة: إذا بلغ الخطيب إلى الدعاء هل يشرع الكلام؟ .
ومنها: سوَّى الشافعية والجمهور في حالة الخطبة بين الذِّكر والوعظ والدعاء، واختلف الحنابلة في حالة الدعاء ...
فائدة: ابتداء السلام ورده في خطبة الجمعة.
ومنها: اختلف العلماء في ابتداء السلام في حالة الخطبة وردّه، فقال الشافعية: إن فرعنا على القديم فينبغي للداخل ألّا يسلم، فإن سلم حرمت إجابته باللفظ، ويستحب بالإشارة كما في الصلاة، وإن قلنا بالجديد جاز رد السلام قطعًا ...، وعن أحمد في رد السلام روايتان: إحداهما: يرد؛ لوجوبه، والثانية: إن كان لا يسمع الخطبة رد السلام، وإن سمع لم يفعل ...، ومنع المالكية ابتداء السلام ورده في هذه الحالة مطلقًا، وهو مقتضى الحديث ...
ومنها: واختلفوا أيضًا في تشميت العاطس في حالة الخطبة، فقال أصحابنا: إن فرَّعنا على القديم، ففيه ثلاثة أوجه: الصحيح المنصوص: تحريمه كرد السلام، والثاني: استحبابه، والثالث: جوازه من غير استحباب، وإن فرَّعنا على الجديد جاز قطعًا، والأصح: استحبابه، وعن أحمد روايتان، وطرد المالكية المنع من ذلك مطلقًا، وقالوا: لا بأس أن يحمد الله خافضًا صوته، وحكى ابن العربي عن سائر فقهاء الأمصار غير الشافعي وأحمد وإسحاق: أنه لا يرد السلام ولا يشمت. انتهى ...
فائدة: صلاة من تكلم عامدًا في الخطبة.
ومنها: قال أصحابنا: حيث حرمنا الكلام فتكلم أثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف. طرح التثريب في شرح التقريب (3/ 191-203) .
وقال الشيخ زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
جمعته صحيحة، وأما خبر الإمام أحمد «ومن قال: صَهٍ، فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له»؛ فمحمول على نفي الكمال؛ جمعًا بين الأدلة. منحة الباري (2/ 641).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
تنبيهات:
الأول: يحرم بخروج الإمام إلى الخطبة ابتداء نافلة اتفاقًا، وفي كلام بعضهم: بجلوسه على المنبر، والأول أشهر؛ وفاقًا لأبي حنيفة، ولو لم يشرع في الخطبة؛ خلافًا لمالك، وظاهر كلام بعضهم: لا، وعند ابن عقيل، وابن الجوزي -من علمائنا-: لا يحرم على من لا يسمعها، خلافًا لأبي حنيفة.
قال في (الفروع): يمنع ابتداء التطوع بخروجه؛ لاتصاله بحال الخطبة، والكلام يمكن قطعه، فلا يتصل، وظاهر كلامهم: لا تحريم، إن لم يحرم الكلام فيها، وهو متجه، خلافًا للشافعي.
قلتُ: معتمد المذهب: منع ابتداء النافلة بخروج الإمام، وتعلق منع الكلام بالخطبة، والفرق ما أبداه -رحمه الله تعالى-. كشف اللثام (3/160-163).


إبلاغ عن خطأ