عن زرٍّ بن حُبَيْشٍ قال: «سألتُ أُبَيَّ بن كَعبٍ -رضي الله عنه- فقلتُ: إنَّ أخاك ابن مسعودٍ يقولُ: مَن يقُمِ الحوْلَ يُصِبْ ليلةَ القدرِ، فقال: رحمه الله، أرادَ أنْ لا يتَّكِلَ الناسُ، أما إنَّه قد علِمَ أنها في رمضان، وأنها في العشرِ الأواخرِ، وأنها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ، ثم حَلَفَ لا يستثني أنَّها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ، فقلتُ: بأيِّ شيءٍ تقولُ ذلك، يا أبا المنذرِ؟ قال: بالعلامةِ، أو بالآيةِ التي أخبرنا رسول اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّها تطْلُعُ يومئذٍ، لا شُعاعَ لها».
رواه مسلم برقم: (762)، من حديث أُبي بن كعب -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (762): «...وأمارتها أن تطلُع الشمس في صبيحة يَومِها بيضاء لا شُعاع لها».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (21516)، وأبي داود برقم: (1378) «مثل الطَّست لا شُعاع لها حتى ترتفع».
صحيح سنن أبي داود برقم: (1247).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الحَوْلَ»:
العام، يُقال: حال يحولُ حَوْلًا. مجمل اللغة، لابن فارس (ص: 258).
قال الخليل بن أحمد -رحمه الله-:
الحول: سنة بأسرها. العين(3/ 297).
«لا شُعاعَ لها»:
(شُعاع) الشمس ما يُرى من ضوئها عند ذُرُورِهَا كالقُضْبَانِ وقد (أشعَّت) الشمس نشرت شُعاعها. مختار الصحاح (ص: 166)
قال السيوطي -رحمه الله-:
بضم الشين: ما يُرى من ضوئها عند بروزها، مثل الحبال والقضبان، مُقبِلة إليك إذا نظرتَ إليها، وقيل: هو الذي تراه ممتدًّا بعد الطلوع. الديباج على صحيح مسلم(3/ 259).
شرح الحديث
قوله: «عن زرٍّ بن حُبَيْشٍ»:
قال النووي -رحمه الله-:
«زرّ بن حُبَيْش» بكسر الزاي، وتشديد الراء، وهو زرُّ بن حُبَيْش، وهو من المعمرين، أدرك الجاهلية، ومات سنة اثنتين وثمانين، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: ابن مائة واثنتين وعشرين سنة، وقيل: مائة وسبعة وعشرين، وهو أسَدِيٌّ كوفِيٌّ. المنهاج (2/ 65).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«زرّ بن حُبَيْش» ابن حُباشة، بضم الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة، ابن أوس بن بلال، وقيل: هلال الأسدي، أبو مريم الكوفي.
روى عن عمر وعثمان وعلي وعائشة وحذيفة وغيرهم، وعنه إبراهيم النخعي وعلي بن ثابت والشعبي وأبو إسحاق الشيباني وجماعة، وثَّقه ابن معين، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال العجلي: كان ثقة، وهو من أصحاب علي وعبد الله (ابن مسعود). المنهل العذب المورود (2/ 32).
وقال الذهبي -رحمه الله-:
قال عاصم بن بهدلة: كان زرٌّ من أعرب الناس، وكان ابن مسعود يسأله عن العربية. تذكرة الحفاظ (1/ 46).
قوله: «قال: سألتُ أُبَيَّ بن كَعْبٍ -رضي الله عنه- فقلتُ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «سألتُ أُبي بن كعب» وكان كثير الصحبة لأُبي، وقال في الكاشف (للذهبي): قال أُبيُّ بن كعب: يا زرُّ، ما تريد أنْ تدع آية إلا سألتني عنها! لمعات التنقيح (4/ 507-508).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «سألتُ أُبيَّ بن كعب» بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، أبا المنذر المدني، سيد القُرَّاء، كتب الوحي، وشهد بدرًا، وما بعدها، الصحابي المشهور -رضي الله عنه-، «فقلتُ» له. الكوكب الوهاج (13/ 218).
قوله: «إنَّ أخاكَ ابن مسعودٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ أخاك» أي: في الدين والصحبة «ابن مسعود» بدلٌ أو بيانٌ. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
قوله: «يقولُ: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْ ليلةَ القدرِ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْ ليلةَ القدرِ» فَأَتَى بهذا اللفظ الصادق...؛ لأنَّا وإنْ قلنا: باختصاصها بالعشر، فيصح أنْ يقول: مَن يقم الحول يصيبها، والحاصل: أنَّ الذي فهمه أتى من قول ابن مسعود؛ وذلك أنَّ ابن مسعود أتى بكلام محتمل؛ لكونها في رمضان، أو بعضه، أو كل الحول؛ حملًا للناس على إحياء الحول كله، لا اعتقادًا منه أنَّها في غير رمضان. فتح الإله (7/54).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي رحمه الله-:
يعني: أنَّ مَن قام الحول كله، يُصِبْ ليلة القدر؛ لأنه لا تخرج عن ليالي السَّنة كلِّها، ومعنى هذا: أنَّها تنتقل في ليالي السَّنة، ولا تختصُّ بشهر رمضان فقط، وهذا القول منقول عن بعض السلف، منهم ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-. البحر المحيط الثجاج (15/ 691).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
جاء في هذا الحديث كما ترى عن ابن مسعود «أنه مَن يقم الحول يصب ليلة القدر»، والذي تأوله عليه أُبيُّ بن كعب -رضي الله عنه- عليه جمهور العلماء، وهو الذي لا يجوز عليه غيره؛ لأنَّه قد جاء عنه بأقوى من هذا الإسناد أنه قال: «تحروا ليلة القدر ليلة سبع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين».
وأظنُّه أراد بما حكى عنه زرٌّ بن حبيش: الاجتهاد في العمل سائر العام، بقيام الليل -والله أعلم-.
وقد ثبت عن أربعة من الصحابة -رضي الله عنهم- أنَّها في كل رمضان، ولا أعلم لهم مخالفًا، وذكر الجوزجاني عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنهم قالوا: ليلة القدر في السَّنة كلها، كأنَّهم ذهبوا إلى قول ابن مسعود: «مَن يقم الحول يصبها»، وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأحمد: هي في العشر الأواخر من رمضان -إن شاء الله-. التمهيد (2/ 208).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أما قول ابن مسعود: إنَّها في العام كُلِّه، فنزع إلى أنَّها موجودة شرعًا، مخبرٌ عنها قطعًا، ولم يتعيَّن لتوقيتها دليل، فبقيت مترقَّبة في الزمان كله، وقد رآه ابن مسعود، مع فقهه في كتاب الله، وعلمه به. أحكام القرآن (4/ 431).
قوله: «فقال: رحمه الله»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فقال» أي: أُبي «رحمه الله» ...، وفي رواية: «يغفر الله له». مرعاة المفاتيح (7/ 131).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» أي: أُبَيٌّ «رحمه الله» دعاءٌ لابن مسعود. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فقال: رحمه الله...» إلخ، أي: قال أُبَيُّ بن كعب -رضي الله عنه-: «رحمه الله» داعيًا لابن مسعود -رضي الله عنه-، فالجملة دعائيَّة قدَّمها على قوله: «أراد...» إلخ، من باب الاعتذار. البحر المحيط الثجاج (21/ 596).
وقال الشيخ حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
انظر إلى الأدب من أُبي بن كعب مع ابن مسعود، حيث قال: رحم الله أخي ابن مسعود، ثم بيَّن بأدبٍ شديدٍ جدًّا خطأ ابن مسعود بعد أنْ دعا له بالرحمة، ووجد له مخرجًا وعذرًا. شرح صحيح مسلم (16/ 16).
قوله: «أرادَ أنْ لا يتَّكِلَ الناسُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «أراد أنْ لا يتَّكِل الناس» أي: لا يعتمدوا على قولٍ واحدٍ، وإنْ كان هو الصحيح الغالب على الظن، الذي مبنى الفتوى عليه، فلا يقوموا إلا في تلك الليلة، ويتركوا قيام سائر الليالي، فتفوت حكمة الإبهام التي نسي سببها -صلى الله عليه وسلم-. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قلتُ: المحكي عن ابن مسعود مذهبًا: أنَّها تنتقل في كل السَّنة، فيبعد أنْ يقول: خوفَ أنْ يتَّكِل الناس، بل لا يقوله إلا بدليل.
ولعل الجواب: أنَّ أُبَيًّا قال ذلك بحسب ظنه بابن مسعود. إكمال إكمال المعلم (3/ 286).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
(من الأقوال في ليلة القدر) أنَّها في السَّنة كلها، وهو محكي عن ابن مسعود وتابعه أبو حنيفة وصاحباه، والذي في كتب أصحابنا (الحنفية) عن أبي حنيفة أنها في رمضان، ولا يُدرى أية ليلة هي، وقد تتقدَّم، وقد تتأخَّر، وعندهما (أبو يوسف ومحمد بن الحسن) كذلك، إلا أنَّها معينة لا تتقدَّم ولا تتأخر، هكذا النقل عنهم في المنظومة والشرح، والذي في فتاوى قاضيخان وفي المشهور عنه: أنَّها تدور في السَّنة، قد تكون في رمضان، وفي غيره، فجعل ذلك رواية، وثمرة الاختلاف فيمن قال: أنتَ حرٌّ، وأنتِ طالق ليلة القدر؛ فإن قاله قبل دخول رمضان عَتُقَ وطلُقت إذا انسلخ، وإن قاله بعد ليلة منه فصاعدًا لم يعتق حتى ينسلخ رمضان العام القابل عنده، وعندهما إذا جاء مثل تلك الليلة من رمضان الآتي.
وأجاب أبو حنيفة عن الأدلة المقيدة لكونها في العشر الأواخر بأنَّ المراد في ذلك الرمضان: الذي كان -عليه السلام- التمسها فيه، والسياقات تدل عليها لمن تأمَّل طرق الأحاديث وألفاظها، كقوله: «إنَّ الذي تطلب أمامك»، وإنما كان يطلب ليلة القدر من تلك السَّنة، وغير ذلك مما يَطَّلِعُ عليه الاستقراء -والله أعلم-. إتحاف السادة المتقين (4/ 235).
قوله: «أما إنَّه قدْ عَلِمَ أنَّها في رمضانَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «أما» التخفيف للتنبيه، «إنَّه» بالكسر، أي: ابن مسعود «قد علم» بطريق الظن، ولفظة: «أما إنه» ساقط من نسخة ابن حجر، وهي مخالفة للأصول المصححة «أنَّها في رمضان» أي: مجملًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «أنَّها في رمضانَ» يعني: أنَّها لا تقع إلا في السَّنة في شهر رمضان. البحر المحيط الثجاج (15/ 693).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
(أما) حرف تنبيه، أي: انتبه واستمع ما أقولُ لك يا زرّ بن حبيش «إنَّه» أي: إنَّ ابن مسعود «قد عَلِمَ» حقًّا، لعله بطريق الظن، ويؤيده ما سيأتي في آخر الحديث. الكوكب الوهاج (13/ 219).
وقال الشيخ حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
يعني: أُبي بن كعب أثبت أنَّ ابن مسعود يعلم أنَّها في رمضان، ولكنه قال لكم خلاف ما يعلم حتى لا تتكلوا، وهذا من فقه الدعوة...، وهذا يدل على أنَّ العالم لا يلزمه أنْ يُفتي بكل ما يعلم؛ لأنه لا بد وأنْ ينظر في مصلحة المستفتي. شرح صحيح مسلم (16/ 16).
قوله: «وأنَّها في العشرِ الأواخِرِ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«وأنها في العشر الأواخر» وفي رواية: «لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان». مرعاة المفاتيح (7/ 131).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: والآثار المروية في ذلك عن النبي -عليه السلام- صحاح، وهي متفقة غير مختلفة؛ وذلك أنَّ جميعها ينبئ عنه -عليه السلام- أنها في العشر الأواخر، وغير منكر أنْ تتجول في كل سنة في ليلة من ليالي العشر، كما قال أبو قلابة، وكان معلومًا أنه -عليه السلام- إنما قال في كل ليلة من الليالي التي أمر أصحابه بطلبتها فيها أنها كانت عنده في ذلك العام في تلك الليلة.
فالصواب: أنَّها في شهر رمضان دون شهور السَّنة؛ لإجماع الجميع وراثة عن النبي -عليه السلام- أنه قال: «هي في العشر الأواخر في وتر منها»، ثم لا حد في ذلك خاص لليلة بعينها لا يعدوها إلى غيرها؛ لأن ذلك لو كان محصورًا على ليلة بعينها لكان أولى الناس بمعرفتها النبي -عليه السلام- مع جِدِّه في أمرها ليُعَرِّفَها أمته، فلم يُعَرِّفْهُم منها إلا الدلالة عليها أنها ليلة طلقة لا حارَّة ولا باردة، وأنَّ الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. شرح صحيح البخاري (4/ 155).
قوله: «وأنَّها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأنَّها ليلة سبع وعشرين» أي: على الأغلب. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
كان مستندُ أُبي في ذلك: أنَّه علم أنَّ ابن مسعود سمع تلك العلامة، ورآها صبيحة ليلة سبع وعشرين. فتح الإله (7/54).
وقال العراقي -رحمه الله-:
ويشهد لما فهمه أُبّيٌّ -رضي الله عنه- من كلام عبد الله: ما رواه أحمد في مسنده عن أبي عقرب، قال: غدوتُ إلى ابن مسعود ذات غداة في رمضان، فوجدته فوق بيت جالسًا، فسمعنا صوته، وهو يقول: صدق الله، وبلَّغ رسوله، فقلنا: سمعناك تقول: صدق الله، وبلَّغ رسوله، فقال: «إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان، تطلع الشمس غداتئذٍ صافية، ليس لها شعاع، فنظرت إليها، فوجدتها كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»، ورواه البزار في مسنده بنحوه، وفي معجم الطبراني عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ليلة القدر، فقال: أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ (قال العيني: جمع صهباء، وهو موضع على روحة من خيبر) فقال عبد الله: أنا بأبي أنت وأمي يا رسول الله، حين طلع الفجر؛ وذلك ليلة سبع وعشرين»، والحديث رواه أحمد وغيره، لكن لم أَرَ التصريح بليلة سبع وعشرين إلا في معجم الطبراني الكبير؛ فلذلك اقتصرتُ على عزوه إليه. طرح التثريب (4/ 152).
قوله: «ثم حَلَفَ لا يستثني أنَّها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «ثم حلف» أي: أُبي بن كعب، بناء على غَلَبَةِ الظن، «لا يستثني» حال، أي: حلف حلفًا حازمًا من غير أنْ يقول عقيبه: إن شاء الله، مثل أنْ يقول الحالف: لأفعلنَّ إلا أن يشاء الله، أو إن شاء الله، فإنَّه لا ينعقد اليمين، وإنَّه لا يظهر جزم الحالف...، «إنَّها» مفعول «حلف» أي: إنَّ ليلة القدر «ليلة سبع وعشرين» مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قال عياض: وفي حلفه على ذلك جواز الحلف على غلبة الظن؛ لأن الأمارة من حيث هي أمارة إنَّما تحصِّل الظن.
قلتُ: سمع الحديث شفاهًا، ورأى أثره حِسًّا، ومجموع ذلك يفيد العلم، فما حلف إلا عن علم. إكمال إكمال المعلم (3/ 286).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: فكيف حلف أُبيٌّ من غير استثناء، وهو يدل على الجزم والتوقيف؟ قلنا: هو مبالغة منه، ولعله حلف على غلبة ظنه، ويجوز الحلف على غلبة الظن، وعدم الاستثناء من باب المبالغة -واللَّه أعلم-. لمعات التنقيح (4/ 509).
وقال النووي -رحمه الله-:
كان (أُبي بن كعب) يحلف أنَّها ليلة سبع وعشرين، وهذا أحد المذاهب فيها، وأكثر العلماء على أنها ليلة مبهمة من العشر الأواخر من رمضان، وأرجاها: أوتارها، وأرجاها: ليلة سبع وعشرين وثلاث وعشرين وإحدى وعشرين، وأكثرهم: أنها ليلة مُعَيَّنَةٌ لا تنتقل، وقال المحققون: إنها تنتقل فتكون في سنة ليلة سبع وعشرين وفي سنة ليلة ثلاث وسنة ليلة إحدى وليلة أخرى، وهذا أظهر، وفيه جمع بين الأحاديث المختلفة فيها. شرح صحيح مسلم(6/ 43).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم حَلَفَ لا يَسْتَثْنِي» أي: لا يُخرج شيئًا من بقيّة المشهور أنَّها تكون فيه، بل جازم ومقتصر على رمضان فقط.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالاستثناء: تعليقه بالمشيئة؛ أي: لا يُعلّق حلفه على المشيئة، فيقول: والله إنها في رمضان إلَّا إن شاء الله، بل يجزم بكونها فيه -واللُّه تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (21/ 596-597).
قوله: «فقلتُ: بأيِّ شيءٍ تقولُ ذلك، يا أبا المنذرِ؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقلتُ» أي: له «بأي شيء» من الأدلة «تقول ذلك» أي: القول «يا أبا المنذر؟» كنية لكعب. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وله كنية أخرى: أبو الطفيل. فتح الباري (8/ 742).
قوله: «قال: بالعلامةِ، أو بالآيةِ التي أخبرنا رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: بالعلامة أو بالآية» "أو" للشك، أي: بالأمارة، «التي أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
فظهر أن أُبيًّا إنَّما قال بأمارةٍ لا بالنص. لمعات التنقيح (4/ 508).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «بالعلامة» أي: بالأمارة «أو» قال أُبَيٌّ: أقول ذلك «بالآية»، وهذا شك من زرِّ بن حبيش في تعيين عبارة أُبَيٍّ فيما أراده من مدلول الأمارة. الكوكب الوهاج (13/ 219).
قوله: «أنَّها تَطْلُعُ يومئذٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنَّها» وفي نسخة بالكسر، أي: أنَّ الشمس «تطلع يومئذٍ» أي: يوم إذ تكون تلك الليلة ليلة القدر، وفي نسخة: «أنها تطلع الشمس البيضاء»؛ فضمير «أنها» للقصة. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«تَطْلُعَ» بضمّ اللام، من باب: قعد. البحر المحيط الثجاج (15/ 695).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّها تطلع» هكذا هو في جميع النسخ «أنَّها تطلع» من غير ذكر الشمس، وحُذِفت للعلم بها، فعاد الضمير إلى معلوم، كقوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} ص: 32، ونظائره. المنهاج (8/ 64-65).
قوله: «لا شُعاعَ لها»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«لا شعاع لها» زاد في رواية: «كأنَّها طست حتى ترتفع». مرعاة المفاتيح (7/ 132).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «لا شعاع لها»، وهذا دليل أظهر من الشمس على ما قلنا: إنَّ علمه ظنِّيٌّ، لا قطعيٌّ، حيث بنى اجتهاده على هذا الاستدلال. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «لا شعاع لها» أي: وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين، طلعت كذلك؛ إذ لا يكون ذلك دليلًا إلا بضميمة ما ذكرته إلى كلامه...، والشعاع: ما يُرى ممتدًا من الشمس مثل الحبال عند رؤيتك إليها طالعة. فتح الإله (7/54).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «لا شعاع لها» قيل: علامة جعلها الله لها، وقيل: بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها، ونزولها إلى الأرض، وصعودها بما تنزَّلت به من عند الله، وبكل أمر حكيم، وبالثواب والأجور- سُتِرَتْ أجسامُها اللطيفة، وأجنحتُها شعاعَها، وحجبت نورَها. إكمال المعلم (4/ 147-148).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وفيه: أنَّ الأجسام اللطيفة لا تستر شيئًا من الأشياء الكثيفة، نعم لو قيل: غلب نور تلك الليلة ضوء الشمس، مع بُعْدِ المسافة الزمانية مبالغة في إظهار أنوارها الربانية؛ لكان وجهًا وجيهًا، وتنبيهًا نبيهًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «لا شعاع لها» يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ هذه الصفة اختصت بعلامة صبيحة الليلة التي أنبأهم النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّها ليلة القدر، وجعلها دليلًا لهم عليها في ذلك الوقت، لا أنَّ تلك الصفة مختصة بصبيحة كل ليلة قدر، كما أعلمهم أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين.
والثاني: أنَّها صفة خاصة لها، وقيل في ذلك: لِما حجبها من أشخاص الملائكة الصاعدة إلى السماء الذي أخبر الله بتنزيلهم تلك الليلة حتى يطلع الفجر -والله أعلم-. إكمال المعلم (3/ 116).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وفائدة كون هذا علامة، مع أنَّه إنَّما تُوجَد بعد انقضاء الليلة؛ لأنَّه يُسَنُّ إحياء يومها، كما يُسَنُّ إحياء ليلها. فتح الإله (7/54).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وفي قوله: "يُسَنُّ إحياء يومها" نظر يحتاج إلى أثر.
والأظهر: أنَّ فائدة العلامة أنْ يشكر على حصول تلك النعمة إنْ قام بخدمة الليلة، وإلا فيتأسَّف على ما فاته من الكرامة، ويتدارك في السَّنة الآتية، وإنَّما لم يجعل علامة في أول ليلها؛ إبقاءً لها على إبهامها -والله سبحانه أعلم-. مرقاة المفاتيح (4/ 1440).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وهو (أي: كلام القاري السابق) حَسَنٌ، ولا سيَّما تعقُّبه لابن حجر في قوله: يسنُّ إحياء يومها، فإنَّه كلام باطلٌ، فتنبَّه -واللَّه تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (15/ 695).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد ورد لليلة القدر علامات أكثرها لا تظهر إلا بعد أنْ تمضي، منها: في صحيح مسلم عن أُبي بن كعب: «أنَّ الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها»، وفي رواية لأحمد من حديثه: «مثل الطست»، ونحوه لأحمد من طريق أبي عون عن ابن مسعود، وزاد: «صافية»، ومن حديث ابن عباس نحوه، ولابن خزيمة من حديثه مرفوعًا: «ليلة القدر طلقة لا حارة، ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة»، ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: «إنها صافية بَلجَةٌ، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة صاحية لا حرَّ فيها، ولا برد، ولا يحل لكوكب يُرْمَىْ به فيها، ومن أماراتها أنَّ الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ»، ولابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود أيضًا: «أن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان، إلا صبيحة ليلة القدر»، وله من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا: «ليلة القدر ليلة مطر وريح»، ولابن خزيمة من حديث جابر مرفوعًا: «في ليلة القدر، وهي ليلة طلقة بَلجَة لا حارَّة ولا باردة، تتضح كواكبها، ولا يخرج شيطانها، حتى يضيء فجرها»، ومن طريق قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة مرفوعًا: «وأن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى »، وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد: «لا يرسل فيها شيطان، ولا يحدث فيها داء»، ومن طريق الضحاك «يقبل الله التوبة فيها من كل تائب، وتُفْتَحُ فيها أبواب السماء، وهي من غروب الشمس إلى طلوعها». فتح الباري (4/ 260).
وقال كمال سالم -حفظه الله-:
تنبيه: للعامَّة حول علامات ليلة القدر خرافات كثيرة، واعتقادات فاسدة، منها: أنَّ الشجر يسجد، وأنَّ المباني تنام، وأنَّ المالحة تعذب في تلك الليلة، وأن الكلاب تكفُّ عن النباح، وغير ذلك مما هو ظاهر الفساد والبطلان. صحيح فقه السنة وأدلته (2/ 150).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واختلفوا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر له شيء، أو يتوقف ذلك على كشفها له؟
وإلى الأول ذهب الطبري والمهلب وابن العربي وجماعة، وإلى الثاني ذهب الأكثر، ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: «مَن يقم ليلة القدر فيوافقها»، وفي حديث عبادة عند أحمد: «مَن قامها إيمانًا واحتسابًا، ثم وفقت له»، قال النووي: معنى «يوافقها» أي: يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها، ويحتمل أن يكون المراد: يوافقها في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وفي حديث زِرّ بن حبيش عن ابن مسعود قال: «مَن يقم الحول يصب ليلة القدر»، وهو محتمل للقولين أيضًا، وقال النووي أيضًا في حديث: «من قام رمضان»، وفي حديث: «من قام ليلة القدر» معناه: مَن قامها ولو لم يوافق ليلة القدر حصل له ذلك، ومن قام ليلة القدر فوافقها حصل له، وهو جار على ما اختاره من تفسير الموافقة بالعلم بها.
وهو الذي يترجح في نظري، ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وإن لم يعلم بها، ولو لم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به، وفرَّعوا على القول باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص دون شخص، فيُكْشَفُ لواحد ولا يُكْشَفُ لآخر، ولو كانا معًا في بيت واحد، وقال الطبري: في إخفاء ليلة القدر دليل على كذب من زعم أنه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السَّنة؛ إذ لو كان ذلك حقًّا لم يخف على كل من قام ليالي السَّنة، فضلًا عن ليالي رمضان.
وتعقبه ابن المنير في الحاشية: بأنه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب لذلك، بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من عباده، فيختص بها قوم دون قوم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحصر العلامة، ولم ينْفِ الكرامة، وقد كانت العلامة في السَّنة التي حكاها أبو سعيد: نزول المطر، ونحن نرى كثيرًا من السنين ينقضي رمضان دون مطر، مع اعتقادنا أنه لا يخلو رمضان من ليلة القدر، قال: ومع ذلك فلا نعتقد أن ليلة القدر لا ينالها إلا من رأى الخوارق، بل فضل الله واسع، ورب قائم تلك الليلة لم يحصل منها إلا على العبادة من غير رؤية خارق، وآخر رأى الخارق من غير عبادة، والذي حصل على العبادة أفضل، والعبرة إنما هي بالاستقامة، فإنَّها تستحيل أن تكون إلا كرامة، بخلاف الخارق، فقد يقع كرامة، وقد يقع فتنة -والله أعلم-. فتح الباري (4/ 266-267).