«كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يستَحِبُّ الجوامعَ من الدُّعاءِ، ويَدَعُ ما سِوَى ذلك».
رواه أبو داود برقم: (1482)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
ورواه أحمد برقم: (25151)، بلفظ: «كان يُعجبه الجوامع من الدعاء، ويَدَعُ ما بين ذلك».
صحيح الجامع برقم: (4949)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1332).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يَدَعُ»:
أي: يترك. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (7/ 229).
«الجوامع»:
كثيرُ المعاني قليلُ الألفاظِ. لسان العرب(8/ 54).
شرح الحديث
قوله: «كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يستَحِبُّ الجوامعَ من الدُّعاءِ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستحب» أي: يحب. بذل المجهود (6/ 205).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -عليه السلام- يستحب الجوامع من الدعاء»... والمراد بـ«الجوامع» ما كان لفظه قليلًا، ومعناه مجموعًا فيه خير الدنيا والآخرة، نحو أن يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201. المفاتيح (3/ 129).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«الجوامع» الأشياء التي تجمع الأشياء، جمع جامعة، أي: خصلة جامعة، وألفاظ جامعة لمقاصد الحاجة، أو جامعة للثناء على الله تعالى والسؤال. جامع الأصول (4/ 163).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يستحب الجوامع من الدعاء»... كما في الحديث: لمن قال له: «أَقْرِئْنِي سورةً جامعة، قال: اقرأ سورة {إِذَا زُلْزِلَتِ} الزلزلة: 1»؛ لأنها تجمع أسباب الخير في قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} الزلزلة: 7، والكلمة الجامعة هي التي تجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وقد استدل به على أن المصلي يأتي في دعائه بالجوامع من الدعاء؛ لما رواه الحاكم وصححه وابن ماجه عن عائشة -رضي الله عنها- قال لها: «عليكِ بالجوامع الكوامِل، قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم». شرح سنن أبي داود (7/ 228).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستحب الجوامع من الدعاء»... وقيل: هي التي تشتمل جميع الخيرات.شرح المصابيح (3/ 79- 78).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رجمه الله-:
أي: يستحب الدعاء الجامع للمهمات والمطالب، فيكون قليل المبنى، جليل المعنى. تطريز رياض الصالحين (ص: 807).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يستحب الجوامع من الدعاء»... قيل: مثل {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201، ونحو: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة»، وكذا: «اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغنى»، ونحو سؤال الفلاح والنجاح. مرقاة المفاتيح (4/ 1533).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «يستحِب الجوامع من الدعاء»... وقيل: هي ما كان لفظه قليلًا، ومعناه كثيرًا، وكأنه أخذ من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أوتيتُ جوامع الكَلِم»، ولا يخفى عليك أن الإضافة إلى الدعاء تفيد أن الجامعية تكون من حيث كونه دعاء، وهو يناسب المعنى، والإضافة إلى الكلم من حيث كونه دالًّا على المعاني، فافهم. لمعات التنقيح (5/ 20).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«كانَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم– يستحبُّ» أي: يحب، وصيغة الافتعال للمبالغة، «الجوامع من الدعاء» أي: الدعاء الجامع للمهمات والمطالب، فيكون قليل المبنى، جليل المعنى. دليل الفالحين (7/ 274).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «كان يستحب الجوامع من الدعاء» مقتبس من قوله في ذكر ما اختص به: «وأوتيتُ جوامع الكلم، واختُصر لي الكلام اختصارًا» وهي ما قل لفظه جدًّا، وكثرت معانيه كثرة تحير أرباب البلاغة، وفرسان الفصاحة، نحو سؤال الفلاح والعافية؛ فإن كلًّا منهما يشمل طلب حصول كل خير، ودفع كل ضير في الدنيا والآخرة، وكذا {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} البقرة: 201، ومن ذهب إلى تعيين كلٍّ من هاتين الحسنتين فقد قصر اللفظ على بعض مدلوله من غير دليل...، والوجه: أن المراد بحسنة الدنيا كل ما فيه ملاءمة للنفس مما تُحمد عاقبته، وبحسنة الآخرة كل ما يليق بالداعي. فتح الإله (7/291).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يعني: أنه إذا دعا يختار من الدعاء أجمعه، كلمات جامعة عامة، ويدع التفاصيل؛ وذلك لأن الدعاء العام أبلغ في العموم والشمول من التفاصيل، فمثلًا إذا أراد أن يدعو الإنسان ربه أن يدخله الجنة، قال: اللهم أدخلني الجنة، ولا يحتاج أن يفصِّل ويقول: فيها كذا وكذا؛ لأنه قد يكون هناك أشياء لا يعلمها، فيكون هذا التفصيل كالحاصل لها، فإذا دعا دعاء عامًّا كان هذا أشمل وأجمل. شرح رياض الصالحين (6/ 16).
قوله: «ويَدَعُ ما سِوَى ذلك»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«ويدع ما سوى ذلك» عطف على مقدَّر، أي: يستحب الجوامع من الدعاء، فيدعو بها، ويدع ما سوى ذلك. الأزهار مخطوط لوح (230).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ويدعُ» عطف على ما يُفهم، أي: فيدعو بها ويدع ما سواها، والإشارة بذلك إلى الجوامع بتأويل ما ذُكر.فتح الودود (2/ 147).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ما سوى ذلك» من الدعاء الذي فيه تفصيل، وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يجمع في الدعاء تارةً، ويفصِّل أخرى. شرح سنن أبي داود (7/ 229).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ويدع ما سِوى ذلك» أراد به الأدعية المطوَّلة، والتي لا تجمع الأغراض الصحيحة. شرح سنن أبي داود (5/ 398).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ويدع» أي: يترك «ما سوى ذلك» من الأدعية، إشارة إلى معنى ما يُراد به من الجوامع، فيختلف معنى السِّوى بحسب اختلاف تفسير الجوامع، فعلى الأول (وهو ما جَمع مع الوجازة خير الدنيا والآخرة) ينزل ذلك على غالب الأحوال لا كلها، فقد قال المنذري: كان يجمع في الدَّعاء تارة، ويفصِّل أخرى. فيض القدير (5/ 217).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «ويدع ما سِوى ذلك» أي: من الأدعية الخاصة بطلب أمور جزئية، كارزقني زوجة حسنة، فإنَّ أولى منه: ارزقني الراحة في الدنيا؛ فإنها تعم الزوجة الحسنة وغيرها من كل ملائم للنفس، نعم قد تتعلَّق النفس بمحبة شيء مخصوص، بحيث يستغرق وجودها، فلا ينطق لسانها بغيره، كمن ابتُلي بمرض مخصوص، فإنه يكثر ابتهاله في التنصيص عليه في دعائه، ولا يقنع بشمول العافية له، ومع ذلك فاتباعه -صلَّى الله عليه وسلَّم- في إيثار الجوامع ولو في هذه الحالة أفضل، كما هو ظاهر. فتح الإله (7/291).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ويدع ما سوى ذلك» من الأدعية في غالب الأحيان. السراج المنير (4/ 100).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فتأمَّلْنا الجوامع من الدعاء، والتقديم لها على ما سواها من الدعاء، فكان ذلك عندنا، والله أعلم، على مراده التعجيل لعمل الخير خوف ما يقطع عنه مما لا يؤمن على الناس، فأمر بالجوامع من الدعاء لذلك، كمثل ما أمر به الناس في الحج، أن يتعجلوا إليه خوف ما يقطعهم عن ذلك...، فكان مثل ذلك ما قصد إليه من الدعاء الجامع خوفًا أن يحاول الدعاء بغير الكلام الجامع، فيقطعه عن ذلك ما يقطع عن مثله، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجامع من الكلام ليخرج به ذلك الدعاء، ومثل ذلك ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما كان خاطب به جويرية زوجته في مثل هذا المعنى (لعله يعني قوله لها في مسلم: «لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»). شرح مشكل الآثار (15/ 294- 297).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يستحب الاقتصار على جوامع الدُّعاء، ويكرهُ الاعتداء فيه، وليس معنى الاعتداء الإكثار منه. شأن الدعاء (1/ 14).
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
الدُّعاءُ ليس كلُّه جائزًا، بل فيه عُدوانٌ مُحرَّم، والمشروعُ لا عدوانَ فيه، وأنَّ العدوانَ يكون تارةً في كثرةِ الألفاظِ، وتارةً في المعاني؛ كما قد فسَّر أحدُ الصحابةِ ذلك، إذ قال هذا لابنه لمَّا قال: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتُها. وقال الآخرُ: أسألُكَ الجنة وقصورَها وأنهارَها، وأعوذُ بك من النارِ وسلاسلِها وأغلالِها. فقال: أي بُنيَّ، سَلِ اللهَ الجنة، وتعوَّذْ به من النار؛ فقد سمعتُ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «سيكونُ في هذه الأُمَّةِ قومٌ يعتدونَ في الدُّعاءِ والطُّهورِ». مجموع الفتاوى (22/ 474).
ويُنظر فتوى اللجنة الدائمة في هدي النبي ﷺ في لزوم جوامع الدعاء وترك التكلف والتمطيط.