«أنا أول شفيع في الجنة، لم يُصدَّق نبيٌّ مِن الأنبياء ما صُدِّقْتُ، وإنَّ مِن الأنبياء نبيًّا ما يُصدِّقه مِن أُمَّتِه إلا رجلٌ واحد».
رواه مسلم برقم: (196)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شفيع»:
طالبُ الشفاعة لغيره، قال الله تعالى: {وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر: 18. شمس العلوم، للحميري (6/ 3504).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
الشفاعة: كَلَام الشَّفيع للملِكِ فِي حاجةٍ يسْأَلهَا لغيره. تهذيب اللغة، للأزهري (1/ 278).
شرح الحديث
قوله: «أنا أول شفيع في الجنة»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «أنا أولُ شفيع في الجنة» أي: في دخول الجنة. الإفصاح (5/ 222).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أنا أوّل الناس يشفع في الجنّة» أي: في دخول الجنّة قبل الناس، ويدلّ عليه قوله: «وأنا أوّل مَن يَقْرَع باب الجنّة» وقول الخازن: «بك أُمِرتُ لا أفتح لأحدٍ قبلك» وقوله في حديث آخر: «فأنطلقُ معي برجالٍ فأُدخلهم الجنّة» وهذه إحدى شفاعاته المتقدِّمة الذِّكْر، وقوله في الرواية الأخرى: «أنا أوّل شفيع في الجنّة» يمكن حمله على ما تقدّم، ويحتمل أن يراد به: أنّه يشفع في ترفيع منازل بعض أهل الجنّة، والأوّل أظهر. المفهم (1/ 452).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الشفيعُ يعني: الشافع، أي: أنا شافعٌ للعصاة من أمَّتي في دخول الجنة. المفاتيح (6/ 88).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أنا أول شفيع في الجنة» قيل: «في» تعليلية، أي: لدخولها، وقيل: ظرفية، أي: أَشْفَع في الجنة لرفع درجات الناس. لمعات التنقيح (9/ 222).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ودليل الخامسة (أي: الشفاعة الخامسة من أنواع شفاعات النبي): قوله في حديث أنس عند مسلم: «أنا أول شفيع في الجنة» كذا قاله بعضُ مَن لقيناه، وقال: وجه الدلالة منه: أنه جعل الجنة ظرفًا لشفاعته، قلتُ: وفيه نظر؛ لأني سأبيِّن أنها ظرف في شفاعته الأولى المختصة به، والذي يُطلب هنا أن يشفع لمن لم يبلغ عملُه درجةً عالية أن يبلغها بشفاعته.
وأشار النووي في الروضة إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه، مع أنه لم يذكر مستندها. فتح الباري (11/ 428).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- تعليقًا على كلام ابن حجر:
حديث أنس -رضي الله عنه- الآتي بلفظ: «أنا أول الناس يشفع في الجنّة» ظاهرٌ فيما قاله هذا البعض، وما تعقّبه به الحافظ ففيه نظر لا يخفى، فتبصّر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (5/ 217).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
شفاعته -صلى الله عليه وسلم- في الجنة قسمان:
أحدهما: لرفع الدرجات.
والثاني: للإخراج من النار، فإنْ كان المراد بها الأول، فيعُم، وقيل: يختص به، وإليه مال (النووي) في الروضة، وإنْ كان المراد بها الثاني، فيعم ولا يختص به إجماعًا. الأزهار مخطوط لوح (470).
وقال شبير العثماني -رحمة الله-:
«أنا أول شفيع في الجنة» إلخ، أي: أنا أول شافع للعصاة من أمِّتي في دخول الجنة، وقيل: أنا أول شافع في الجنة لرفع درجات الناس فيها، ولا يبعد أنْ يُقال: إنَّه -صلى الله عليه وسلم- يشفع حال كونه في الجنة، كما ورد في رواية همام، في حديث الشفاعة الطويل: «فأستأذنُ على ربي في داره، فيؤذَن لي» (وداره هي الجنة، وأُضيفت إليه إضافة تشريف). فتح الملهم (2/376-377).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قيل: الحكمة في انتقال النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكانه إلى دار السلام (الجنة): أنَّ أرض الموقف لما كانت مقام عرض وحساب كانت مكان مخافة وإشفاق ومقام الشافع يناسِب أنْ يكون في مكان إكرام، ومن ثم يستحب أن يتحرى للدعاء المكان الشريف؛ لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة. فتح الباري (11/ 436).
وقوله: «لم يُصدَّق نبيٌّ مِن الأنبياء ما صُدِّقتُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «لم يُصَدَّقْ» بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: «نبيٌّ مِن الأنبياءِ» وقوله: «ما صُدِّقْتُ»... يعني: به كثرة مصدّقيه. البحر المحيط الثجاج (5/ 379).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
لم يُصدَّق نبي من الأنبياء تصديقًا مثل تصديقي؛ ولذلك كنتُ أكثرهم تبعًا. الكوكب الوهاج (5/ 84).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ما» في «ما صُدِّقْتُ» للمصدر، أي: ولم يُصَدَّقْ نبيٌّ من الأنبياء تصديقًا مثلَ تصديق أمَّتي إياي، فالأنبياء في الأَتْبَاع والتصديق يتفاوتون، فمنهم من صدَّقه كثيرٌ من الناس كموسى -عليه الصلاة والسلام-، ومنهم مَنْ صَدَّقَه قليلٌ كنوح ولوط -عليهما الصلاة والسلام-، ومنهم مَن صَدَّقَه أقلُّ من القليل وهو واحدٌ، كمن ذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث. المفاتيح (6/ 88).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وهذا كناية عن أنه -صلى الله عليه وسلم- أكثر الأنبياء أمَّة. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3633).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ما صُدِّقتُ» كلمة «ما» مصدرية، أي: مقدار تصديق أمَّتي إياي، أو كالتصديق بي، فعلى الأول: المقصود بيان كثرة الأمَّة، وعلى الثاني: بيان قوة إيمانهم، وزيادة محبتهم وعقيدتهم برسولهم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وثباتهم على الدين، وعلى المعنيين يحمل قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} آل عمران: 110، والمعنى الأول أنسب بسياق الحديث، ولكنه لا ينافي الثاني. لمعات التنقيح (9/ 222).
قوله: «وإنَّ مِن الأنبياء نبيًّا ما يُصدِّقه مِن أُمَّتِه إلا رجلٌ واحد»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «وإنَّ مِن الأنبياءِ نَبِيًّا» اسم «إنَّ» مؤخّرًا، والجارّ والمجرور خبرها، «مَا» نافية «يُصَدِّقُهُ مِن أُمَّتِهِ إلَّا رجلٌ واحدٌ» أي: مع كونه مرسلًا إلى أمّة، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (5/ 379).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإن من الأنبياء نبيًّا ما يُصدِّقه» أي: لم يُصدِّقه «مِن أمَّته إلا رجل واحد» أو رجلان كلوط -عليه الصلاة والسلام- لم يُؤمن به إلا زوجا ابنتيه. الكوكب الوهاج (5/ 84).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «من الأنبياء من لا يصدِّقُه إلا واحد» في ذلك أسوة لكل من يدعو الناس إلى الحق، فيعرضون عنه ويهجرونه؛ فلا ينبغي أن يُستدل بذلك على أنه ليس بحق، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد صرح بأن النبي من الأنبياء كان يبعثه الله فيذهب عمره في الدعاء إلى الله تعالى فلا يتبعه إلا الرجل الواحد.
وفيه أيضًا من الفقه: أنَّ مَن هدى الله على يديه رجلًا واحدًا فلا ينبغي أن يحقره، ولا يستقلَّه؛ وليعلم أن النبي الكريم قد كان يذهب أكثرُ عمره في هدايةِ رجل واحد. الإفصاح (5/ 222).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على ثبوت الشفاعة له أو لغيره. الأزهار مخطوط لوح (470).