«إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ، أَحَفِظَ ذلك أم ضَيَّعَ؟ حتَّى يُسألَ الرَّجلُ على أهلِ بيتِهِ».
رواه النسائي في الكبرى برقم: (9129)، وابن حبان برقم: (4492)، والطبراني في الأوسط برقم: (1703)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (8212)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1774)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1636)
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«استَرْعَاهُ»:
أي: أدخله تحت رعايته. التيسير، للمناوي (1/ 254).
«رَاعٍ»:
أي: حافظ مؤتمن. النهاية ابن الأثير (2/ 236).
وقال الراغب -رحمه الله-:
وجُعل الرَّعْيُ والرِّعَاءُ للحفظ والسياسة، قال تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} الحديد: 27، أي: ما حافظوا عليها حق المحافظة، ويُسمَّى كل سائس لنفسه أو لغيره: راعيًا. المفردات الراغب (ص: 357).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ اللهَ سائِلٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ الله تعالى سائلٌ» يوم القيامة. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 254).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «إنَّ الله تعالى سائلٌ» إشارة إلى تحقق وقوع ذلك. فيض القدير (2/ 237).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
يسأله الله يوم القيامة: هل أصلح ما يجب نظره أم لا؟ وليس المراد مجرد السؤال، بل يتفرع عليه الجزاء من خير أو شر، والسؤال له مع علمه تعالى بما أتاه تقريع، وتوبيخ، وإقامة الحجة؛ حيث ينطق بما صدر عنه. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 176).
قوله: «كُل راعٍ عما استرعاه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «كل راعٍ عما استرعاه» أي: أدخله تحت رعايته. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 254).
وقال الطِّيبي -رحمه الله-:
«كُل راعٍ» معنى الراعي هنا: الحافظ المؤتمن على ما يليه، أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنصيحة فيما يلونه، وحذَّرهم الخيانة فيه، بإخباره أنهم مسؤولون عنه، فالرعاية حفظ الشيء، وحسن التعهد. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2568).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
«كُل راعٍ» الراعي هو: الحافظ المؤتمن الملتزِم صلاح ما اُؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه، والرعية: كل مَن شمله حفظ الراعي ونظره. تحفة الأحوذي (5/ 294).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«كل راعٍ»...الراعي هو: الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته؛ فإنْ وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والجزاء الأكبر، وإنْ كان غير ذلك طالَبه كل أحد من رعيته بحقه. إرشاد الساري (4/ 230).
قوله: «أحفظ ذلك أم ضيعه؟»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «أحفظ ذلك أم ضيعه؟» بهمزة الاستفهام. فيض القدير (2/ 238).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «أحفظ ذلك أم ضيعه؟» أي: يسأله يوم القيامة عن كل فرد فرد من ذلك. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 254).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حفظ ذلك أو ضيعه؟» واستُدل به على أنَّ المكلف يُؤاخَذ بالتقصير في أمر من هو في حكمه. فتح الباري (13/ 113).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «حفظ أم ضيع؟» فإن كان قد أطاع الله في رعيته، وحكم فيهم بعدل الله، كرَّمه ربه أمام الخلائق، وأجلسه على منبر من نور على يمين الرحمن، وأظله الله في الموقف العظيم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والرجل في بيته راعٍ وهو مسؤول دنيا وأخرى عن زوجه وأولاده وأحفاده والأقربين. فتح المنعم (7/ 432).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
كأنَّه قيل: عن ماذا يسأله؟ قال: «أحفظ ذلك أم ضيعه؟» التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 310)
قوله: «حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته» أحفظهم أم ضيعهم؟ فيعامِل من قام بحق ما استرعاه عليه بفضله، ويعامِل من أهمله بعدله، وما يعفو الله أكثر. فيض القدير (2/ 237).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يسأل الرجل عن أهل بيته» أي: هل قام لهم بما لزمه من الحقوق أم قصَّر وضيع؟ فيعامل من قام بحقهم بفضله، ويعامل من فرط بعدله، ويرضي خصماء من شاء بجوده، وكما يسأله عن أهل بيته يسأل أهل بيته عنه.
وظاهر الحديث أن الحكام أولى بالسؤال عن أحوال الرعايا من سؤال الرجل عن أهل بيته. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 370).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُسأل الرجل عن أهل بيته» فإنه راعيهم وهم رعيته، والإخبار بذلك تحذير عمن يضيِّع من صاروا له رعية. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 310).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «وهو مسؤول عنهم» هل وفَّاهم حقَّهم من نحو نفقة وكسوة وحُسن عِشرة...، ورعاية الرجل أهله: سياسة لأمرهم، وإيصالهم حقوقهم. تحفة الأحوذي (5/ 295).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يُعلِّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّته أنَّ مَن قلَّده الله شيئًا من أمر المسلمين، واسترعاه عليهم، ونصَّبه لمصلحتهم في دينهم ودنياهم، ثم خان فيما أؤتمن عليه؛ بظلمه لهم، من أخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس حقوقهم، أو إهمال إقامة الحدود فيهم، وردع المفسدين منهم، ونحو ذلك، فيخبر أن من غش وخان بشيء من ذلك حرَّم الله عليه الجنة، وتوجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} النور: 63، وليعلموا «أنَّ الله تعالى سائل كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع؟». المنهل الحديث (4/ 256).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وكل أحدٍ مسؤول عما استرعاه وملَّكه من إنسان أو بهيمة، لا يقدر على النطق، وتبيين ما بها من الضُّر، وكذلك ينبغي أنْ يرحم كل بهيمة، وإنْ كانت في غير ملكه، ألا ترى أنَّ الذي سقى الكلب الذي وجده بالفلاة لم يكن له مِلْكًا، فغفر الله له بتكلفه النزول في البئر وإخراجه الماء وسقيه. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/ 315).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الكبيرة الحادية بعد الثلاثمائة: إضاعة عياله كأولاده الصغار، أخرج أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» رواه الحاكم وصححه، إلا أنه قال: «من يعول» وابن حبان في صحيحه: «إنَّ الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه أحفظ أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته». الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 102).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
- حديث: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكم مسؤُولٌ عن رَعِيَّتِه...»