«كنتُ نازلًا على عائشةَ، فاحْتَلَمْتُ في ثوبَيَّ، فغمسْتُهُما في الماءِ، فرأَتْنِي جاريةٌ لعائشةَ، فأخبَرَتْهَا، فَبَعَثَتْ إليَّ عائشةُ، فقالت: ما حَمَلَكَ على ما صَنعتَ بثوْبَيْك؟ قال: قلتُ: رأيتُ ما يَرى النَّائمُ في منامهِ، قالت: هلْ رأيتَ فيهما شيئًا؟ قلتُ: لا، قالتْ: «فلو رأيتَ شيئًا غَسلْتَهُ، لقدْ رأَيْتُنِي وإنِّي لأحُكُّهُ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يابِسًا بِظُفُرِي».
رواه مسلم برقم: (290)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي رواية عند مسلم برقم: (288) «إنَّما كان يُجْزِئُكَ إنْ رَأَيْتهُ أنْ تَغْسِلَ مكَانَهُ، فإنْ لم تَرَ نَضَحْتَ حوْلَهُ، ولقدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فَرْكًا، فَيُصَلِّي فيه».
وفي رواية للبخاري برقم: (230) واللفظ له، ومسلم برقم: (289)، من حديث سليمانَ بنِ يَسَارٍ، قال: «سألتُ عائشةَ عنِ المَنِيِّ، يُصِيبُ الثوبَ؟ فقالت: كنتُ أَغْسِلُهُ مِن ثوبِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فيخْرُجُ إلى الصلاةِ، وأَثرُ الغَسْلِ في ثوْبِهِ، بُقعُ الماءِ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«نازلًا»:
النُّزولُ: الحُلول، نَزَلَهُم، وبهم، وعليهم، ينزل نُزولًا ومَنْزِلًا: حَلَّ...، والنُّزُلُ -بضمتينِ-: المنزل، وما هُيِّئَ للضيف أن ينزل عليه، كالنُّزْلِ. القاموس المحيط، للفيروز آبادي (ص: 1062).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
والنَزيلُ: الضَيفُ. الصحاح (5/ 1829).
«فاحْتَلَمْتُ»:
ما يراه النائم، وقد (حَلَمَ) يحلم بالضَّم (حُلْمًا) و (حُلُمًا) و (احتلم) أيضًا. مختار الصحاح، للرازي (ص: 80).
الاحتلام: افتعال من الحُلْم -بضم الحاء، وإسكان اللام-، وهو ما يراه النائم من المنامات، يُقال: حَلَم في منامه -بفتح الحاء واللام- واحتلم، وحلمتُ كذا، وحلمتُ بكذا، هذا أصله، ثم جُعِلَ اسمًا لما يراه النائم من الجماع، فيحدث معه إنزال المني غالبًا، فغلب لفظ الاحتلام في هذا دون غيره من أنواع المنام؛ لكثرة الاستعمال. البحر الرائق، لابن نجيم (1/ 65).
«فَغَمَسْتُهُمَا»:
الغَمْسُ: إرساب (أي: إغراق) الشَّيء في الماء، أو غيره. العين، للخليل (4/ 380).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يقال: غَمَسَهُ في الماءِ غَمْسًا. المصباح المنير (2/ 453).
«جَارِية»:
(أي: أَمَة) قيل للأمةِ: جاريةٌ على التشبيه؛ لِجَرْيِهَا مُسْتسخرة في أشغال مَوَالِيهَا، والأصل فيها: الشابة لِخِفَّتِهَا، ثم توسعوا حتى سَمَّوْا كل أَمَةٍ جاريةً، وإن كانت عجُوزًا لا تَقْدِرُ على السَّعْيِ؛ تسميةً بما كانتْ عليه، والجمعُ: الجواري. المصباح المنير، للفيومي (1/ 98).
«نَضَحْتَ»:
نَضَحْتُ الثَّوبَ نَضْحًا... وهو الْبَلُّ بالماءِ والرَّشُّ، ويُنْضَحُ مِن بولِ الغلامِ، أي: يُرَشُّ، ونَضَحَ الفَرَسُ: عَرِقَ، ونَضَحَ العَرَقُ: خَرَجَ، وانْتَضَحَ البولُ على الثَّوبِ: تَرَشَّشَ، ونَضَحَ البعِيرُ الماءَ: حَمَلَهُ مِن نَهْرٍ أو بئرٍ؛ لسقي الزرع، فهو نَاضِحٌ، والأُنثى نَاضِحَةٌ بالهاء، سُمِّيَ نَاضِحًا؛ لأنه ينضح العطش، أي: يَبُلُّهُ بالماءِ الذي يحمله، هذا أصله، ثم اُسْتُعمل الناضح في كل بعير، وإن لم يحمل الماء. المصباح المنير، للفيومي (2/ 609).
«أَفْرُكُهُ»:
الفَرْكُ: دلكُك شيئًا حتى ينقشر عن لُبِّه، كالجوز. العين، للخليل (5/ 358).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فَرَكْتُهُ عن الثوب فَرْكًا: من باب قَتَلَ، مثل حَتَتُّهُ، وهو أن تحُكَّه بيدك، حتى يَتَفَتَّتَ ويَتَقَشَّرَ. المصباح المنير (2/ 471).
«بُقَعُ الماءِ»:
بُقَعُ الماء: جمع بُقْعة، وهي في الأصل القطعة من الأرض، يخالف لَوْنها لونَ ما يليها، ثم قالوا: بَقَّعَ الصَّبَّاغُ الثَّوبَ: إذا ترك فيه بُقَعًا لم يُصِبْهَا الصِّبْغُ، وبَقَّعَ السَّاقِي ثوبه إذا انتضح عليه الماء، فَابْتَلَّت منه بُقَعٌ. المغرب، للمطرزي (ص: 48).
شرح الحديث
قوله: «كنتُ نازلًا على عائشةَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» ابنُ شهاب الخولاني: «كنتُ نازلًا على عائشة» أي: ضيفًا عندها. الكوكب الوهاج (6/ 82).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: تضيفه في دار ضيافتها. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 70).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
كانت عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أما للمؤمنين بحق، إليها يلجأ المؤمنون عند شدائدهم، ويقصدونها في مشاكلهم، ويأوون إلى دارها في أسفارهم، وكانت نعم الأم أعدت دارها لاستقبال الفقير والمسكين والسائل وابن السبيل، أعدت دارًا للضيافة، مُلحَقة بدارها، وأسندت خدمة الضيوف والنازلين إلى جاريتها، ونزل بساحتها عبد الله بن شهاب الخولاني. فتح المنعم (2/ 253).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
ليس معنى أنَّه كان ضيفًا عندها: أنَّه نام معها في غرفتها، إنَّما في ضيافتها، ولا يلزم أنْ يكون في منزلها، إنَّما نزل في ضيافتها؛ لأنَّ مثل هذا الخبر قد يتلقفه من يتلقفه من الذين يتبعون الشبهات والشهوات، فيستدل به على أنَّ المرأة وإنْ كانت بمفردها في البيت يمكن أنْ ينزل بها رجل ضيف، هذا الكلام ليس بصحيح. شرح سنن الترمذي (24/ 18).
قوله: «فاحْتَلَمْتُ في ثَوْبَيَّ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فاحتلمت» أي: رأيتُ في نومي أني أُجامع... «في ثوبيَّ» متعلِّق بـ«احتلمتُ» وهو بصيغة التثنية، والمعنى: أنَّه رأى في نومه أنَّه يُجامع امرأةً، فأنزل في ثوبيه اللذين لبسهما في نومه. البحر المحيط الثجاج (7/ 282-283).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
في رواية مسلم... «فاحتلمتُ في ثوبي» وهنا (أي: في رواية الترمذي) يقول: «فَأَمَرَتْ له بملحفة» ولا يمنع أنْ ينسبه إلى نفسه؛ لأنَّه قد تغطَّى به، والنسبة تكون لأدنى ملابسة. شرح سنن الترمذي (24/ 18).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله (في رواية): «كان عند عائشة فاحتلم» أي: همام بن الحارث، وفي رواية مسلم من طريق شبيب بن غرقدة عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: «كنتُ نازلًا على عائشة، فاحتلمتُ في ثوبي فغمستها في الماء» الحديث، ففيه: أنَّ المحتلِم هو عبد الله بن شهاب الخولاني، فيحملان على تعدُّد الواقعة. المنهل العذب المورود (3/ 242).
قوله: «فَغَمَسْتُهُمَا في الماءِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فغمستهما في الماء» أي: غمستُ الثوبين في الماء؛ لغسلهما، والظاهر: أنَّه غمس الثوبين كلهما، ولم يكتفِ بغمس مكان الإصابة منهما. فتح المنعم (2/ 254).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فغمستهما» أي: أدخلتُ الثوبين «في الماء» لأنظِّفهما. الكوكب الوهاج (6/ 82).
قوله: «فَرَأَتْنِي جاريةٌ لعائشةَ، فأَخْبَرَتْهَا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فرأتني جارية» أي: أمة مملوكة «لعائشة» -رضي الله تعالى عنها- «فأخبرتها» أي: فأخبرت الجارية عائشة ما فعلتُه بثوبي، من غمسهما في الماء. الكوكب الوهاج (6/ 82).
قوله: «فَبَعَثَتْ إليَّ عائشةُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فبعثَتْ» أي: أرسلت «إليَّ عائشة». الكوكب الوهاج (6/ 82).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«فبعثت إليَّ عائشة» كل هذا يدلُّ على أنَّ عائشة ليست بحضرته، وليس بحضرتها. شرح سنن الترمذي (24/ 18).
قوله: «فقالت: ما حَمَلَكَ على ما صنعتَ بثوْبَيْك؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فـ» لما حضرتها «قالت» لي من وراء الحجاب: «ما حملك» أي: أيُّ شيء حملك وبعثك «على ما صنعتَ بثوبيك» من غمسهما في الماء؟ الكوكب الوهاج (6/ 82-83).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقالت: ما حملك» «ما» استفهامية، و«حمل» ... بمعنى: أغرى، يُقال: حمله على الأمر يحمله، فانحمل: أغراه به... أي: أيُّ شيء أغراك «على ما صنعتَ بثوبيك؟» أي: من غمسهما في الماء؟ البحر المحيط الثجاج (7/ 283).
قوله: «قال: قلتُ: رأيتُ ما يَرَى النَّائمُ في منامِهِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» عبد الله بن شهاب: «قلتُ: رأيتُ ما يرى النائم في منامه» أراد به: رؤيا الجماع، لا رؤيا مطلقًا، وهذا أدب رفيع في التعبير عما يُستهجن. البحر المحيط الثجاج (7/ 283).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» ابن شهاب: «قلتُ» لعائشة؛ اعتذارًا إليها من غمسهما في الماء: «رأيتُ» في نومي «ما يرى النائم في منامه» من خيال النساء، فحسِبْتُ أنهما نَجُسَا، فغمستهما في الماء؛ لتطهيرهما. الكوكب الوهاج (6/ 83).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
أنه استحيا أنْ يُرْسِل بها (أي: الملحفة) وبها أثر الاحتلام. شرح سنن الترمذي (24/ 18).
قوله: «قالت: هلْ رأيتَ فيهما شيئًا؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» عائشة: «هل رأيتَ فيهما» أي: في الثوبين «شيئًا» من المني؟ الكوكب الوهاج (6/ 83).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالت» عائشة -رضي الله عنها-: «هل رأيتَ فيهما شيئًا؟» أرادت بالشيء المني، والمعنى: هل رأيتَ في ثوبيك بلل المني أو جرمه أو أثره؟ البحر المحيط الثجاج (7/ 283).
وقال الشيخ عبد الرحمن السحيم -رحمه الله-:
إنكار عائشة -رضي الله عنها- على مَن بالغ في إزالة المني حتى غسل ثوبه، فيه: دليل على أنَّ مجاوزة الحد المشروع من الغلو، ويفتح باب الوسواس. إتحاف الكرام (78/ 2).
قوله: «قلتُ: لا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال عبد الله: «قلتُ: لا» أي: لم أرَ فيهما شيئًا. البحر المحيط الثجاج (7/ 283).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قلتُ» لها: «لا» أي: ما رأيتُ فيهما شيئًا من آثار المني. الكوكب الوهاج (6/ 83).
قوله: «قالتْ: فلو رأيتَ شيئًا غَسَلْتَهُ» وفي رواية: «إنَّما كان يُجْزِئُكَ إنْ رَأَيْتَهُ أنْ تَغْسِلَ مكَانَهُ، فإنْ لم تَرَ نَضَحْتَ حوْلَهُ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لو رأيتَ شيئًا غسلته» الأسلوب يتسم بالإنكار، أي: لو كنتَ رأيتَ شيئًا؛ لحسُن غسلك، لكن حيث لم ترَ شيئًا، فما كان ينبغي لك أنْ تغسل معتقدًا وجوب الغسل. فتح المنعم(2/ 255).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» عائشة: فإذا لم ترَ فيهما فلِمَ غمستهما في الماء؟ حتى «لو رأيتَ» فيهما «شيئًا» من المني «غسلته» أي: غسلت المني الذي رأيته فيهما، لا الثوبين. الكوكب الوهاج(6/ 83).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قولها: «إنَّما كان يُجزئك أنْ رأيته أنْ تغسل مكانه» يجزئك: يكفيك، و«أن رأيته» بفتح الهمزة روايتنا، ووجهها: أنَّها مفعولة بإسقاط حرف الجر، تقديره: لأن رأيته، أو: مِن أجل، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، وكذلك: «أن تغسل مكانه» مفتوحة أيضًا على تأويل المصدر، وهو الفاعل بـ«يجزئك» وهذا من عائشة يدلُّ على أنَّ المني نجسٌ، وأنَّه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنَّها قالت: «إنَّما» وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه قولها: «فإن لم ترَ نضحت حوله» فإن النَّضحَ إنما مشروعيتُه حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة؛ كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، حيث أصبح يغسل جنابةً من ثوبه، فقال: «أَغسِلُ ما رأيتُ، وأنضحُ ما لم أرَ» وهذا مذهب السلف وجمهور العلماء.
وذهب الشافعي وكثير من المحدثين: إلى أنه طاهر، متمسكين بقول عائشة: «لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فركًا، فيصلي فيه» وبقولها: «ولقد رأيتُني وإني لأحكه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يابسًا بظفري» وهذا لا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أنها إنما ذكرت ذلك مُحتجة به على فُتياها، بأنه لا يجزئ فيه إلا الغسل فيما رؤي منه، والنضح فيما لم يُرَ، ولا تتقرر حجتها إلا بأن تكون فركَتْه وحكَّتْه بالماء، وإلا ناقضَ دليلها فُتياها.
وثانيهما: أنها قد نصّت في الطريق الأخرى: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه» لا يقال: كان غسله إياه مبالغة في النظافة؛ لأنا نقول: الظاهر من غسله للصلاة، وانتظار جفافه، وخروجه إليها، وفي ثوبه بُقَع الماء؛ أن ذلك إنما كان لأجل نجاسته، وأيضًا: فإن مناسبة الغسل للنجاسة أصلية؛ إذ هي المأمور بغسلها، فحمل الغسل على قصد النجاسة أولى، ألا ترى أن الشافعية استدلوا على نجاسة الكلب بالأمر بغسل الإناء منه، ولم يُعرِّجوا على احتمال كونه للنظافة، وكذلك نقول نحن في غسل المني، ثم نقول: هب أن هذا الغسل يحتمل أن يكون للنجاسة، ويحتمل أن يكون للنظافة، وحينئذٍ يكون مجملًا لا يستدل به لا على طهارته، ولا على نجاسته، لكنا عندنا ما يدل على نجاسته، وهو أنه يمر في ممر البول، ثم يخرج فيتنجس بالمرور في المحل النجس، وهذا لا جواب عنه على أصل الشافعية عند الإنصاف.
قالوا: بول النبي -صلى الله عليه وسلم- وسائر فضلاته طاهرٌ طيبٌ، قلنا: لم يصح عند علمائنا في هذا شيء، والأصل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- واحد من البشر، وهو مُسَاو لسائر المكلفين في الأحكام، إلا ما ثبت فيه دليل خصوصيته، سلمنا ذلك، لكن فغيره يكون منيُّهُ نجسًا بالمرور على ما ذكرنا، فإن قالوا: المني أصلٌ لخلق الإنسان فيكون طاهرًا كالتراب، قلبناه عليهم، فقلنا: المني أصلٌ لخلق الإنسان فيكون نجسًا كالعلقة، فإن قالوا: كيف يكون نجسًا وقد خلق منه الأنبياء والأولياء؟ قلنا: وكيف يكون طاهرًا وقد خلق منه الكفرة والضلَّال والأشقياء، فبالذي ينفصلون به ننفصل. المفهم (1/ 548-550).
قوله: «لقدْ رأَيْتُنِي وإنِّي لأَحُكُّهُ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَابِسًا بِظُفُرِي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لقد رأيتُنِي» أي: والله لقد رأيتُ نفسي «و» الحال «إني لأحُكُّه» أي: لأحك المني «من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» حالة كونه «يابسًا» أي: جافًّا على الثوب، وقوله: «بظفري» متعلِّق بـ«أحُكُّه». الكوكب الوهاج (6/ 83).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أحكه يابسًا بظفري» أي: أفركه جافًّا، وأحكه بظفري. فتح المنعم (2/ 255).
وقال النووي -رحمه الله-:
قد كنتُ أحكه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يابسًا بظفري، ولو كان نجسًا لم يتركه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكتفِ بحكه -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (3/ 198).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفي هذه الرواية: ردٌّ على من قال: إنَّها تفركه بالماء، كما قال ابن حزم. ذخيرة العقبى (5/ 80).
وقوله في رواية: «ولقدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فَرْكًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لقد رَأَيْتُني» بضم التاء، أي: لقد رأيتُ نفسي وأنا أفركه، ويجوز كسر التاء، على كونه خطابًا للجارية. نخب الأفكار (1/ 435).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أفركه» أي: المني، والفرك: الدلك «فركًا» مصدر مؤكد لعامله، وفائدته: نفي أنْ يكون مع الدلك ماء. تنبيه الأفهام (1/85).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والفرق بين الفرك والحك: أنَّ الفرك يكون بفرك الثوب بعضه ببعض، أو بين الكفين، كفَرْكِ سنابل الشعير والحنطة، والحك: يكون بالأظافر، كحك الجرَبِ مثلًا -والله أعلم- هكذا ظهر لي. الكوكب الوهاج (6/ 74).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته، إلا أنَّ أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد، وقال مالك: لا بد من غسله رطبًا ويابسًا، وقال الليث: هو نجس، ولا تُعاد الصلاة منه، وقال الحسن (البصري): لا تُعاد الصلاة من المني في الثوب، وإنْ كان كثيرًا، وتُعاد منه في الجسد وإنْ قلَّ، وذهب كثيرون إلى أنَّ المني طاهر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وداود وأحمد في أصح الروايتين، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الحديث، وقد غلط من أوهم أنَّ الشافعي -رحمه الله تعالى- منفرد بطهارته، ودليل القائلين بالنجاسة رواية الغسل، ودليل القائلين بالطهارة رواية الفرك، فلو كان نجسًا لم يكفِ فركه، كالدم وغيره، قالوا: ورواية الغسل محمولة على الاستحباب والتنزيه، واختيار النظافة -والله أعلم-.
هذا حكم مني الآدمي، ولنا قول شاذٌّ ضعيف: أنَّ مني المرأة نجس دون مني الرجل، وقول أشذُّ منه: أنَّ مني المرأة والرجل نجس، والصواب: أنَّهما طاهران، وهل يحل أكل المني الطاهر؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا يحل؛ لأنه مستقذر، فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا، وأما مني باقي الحيوانات غير الآدمي فمنها الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، وحيوان طاهر ومنيها نجس بلا خلاف، وما عداها من الحيوانات في منيه ثلاثة أوجه، الأصح: أنها كلها طاهرة من مأكول اللحم وغيره، والثاني: أنها نجسة، والثالث: مني مأكول اللحم طاهر، ومني غيره نجس -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (3/ 197-198).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض؛ لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني، بأنْ يُحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف، لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأنْ يحمل الغسل على ما كان رطبًا، والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية، والطريقة الأولى أرجح؛ لأنَّ فيها العمل بالخبر والقياس معًا؛ لأنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يُعفى عنه من الدم بالفرك، ويرُد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: «كانت تسلتُ المني من ثوبه، بِعِرق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه» فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين، وأما مالك فلم يعرف الفرك، وقال: إنَّ العمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات، وحديث الفرك حجة عليهم، وحمل بعض أصحابه الفرك على الدلك بالماء، وهو مردود بما في إحدى روايات مسلم عن عائشة «لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يابسًا بظفري» وبما صححه الترمذي من حديث همام بن الحارث أنَّ عائشة أنكرت على ضيفها غسله الثوب، فقالت: «لِمَ أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، فربما فركته من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأصابعي».
وقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة، وهو مردود أيضًا بما في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضًا «لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فركًا، فيصلي فيه»...، وعلى تقدير عدم ورود شيء من ذلك، فليس في حديث الباب (أي: حديث عائشة: «كنتُ أغسل الجنابة من ثوب النبي، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه») ما يدل على نجاسة المني؛ لأن غسلها فعل، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده -والله أعلم-.
وطعن بعضهم في الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المني بأن مني النبي -صلى الله عليه وسلم- طاهر دون غيره كسائر فضلاته، والجواب: على تقدير صحة كونه من الخصائص أنَّ منيه كان عن جماع، فيخالط مني المرأة، فلو كان منيها نجسًا لم يكتفِ فيه بالفرك، وبهذا احتج الشيخ الموفق وغيره على طهارة رطوبة فرجها، قال: ومَن قال: إن المني لا يسلم من المذي، فيتنجس به لم يصب؛ لأن الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي والبول كحالة الاحتلام -والله أعلم-. فتح الباري (1/ 332-333).
وقال النووي -رحمه الله-:
قد استدل جماعةٌ من العلماء بهذا الحديث على طهارة رطوبة فرج المرأة، وفيها خلاف مشهور عندنا (أي: الشافعية) وعند غيرنا، والأظهر: طهارتها، وتعلق المحتجون بهذا الحديث بأنْ قالوا: الاحتلام مستحيل في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني الذي على ثوبه -صلى الله عليه وسلم- إلا من الجماع، ويلزم من ذلك مرور المني على موضع أصاب رطوبة الفرج، فلو كانت الرطوبة نجسة لتنجس بها المني؛ ولما تركه في ثوبه؛ ولما اكتفى بالفرك.
وأجاب القائلون بنجاسة رطوبة فرج المرأة بجوابين:
أحدهما: جواب بعضهم أنه يمتنع استحالة الاحتلام منه -صلى الله عليه وسلم-، وكونها من تلاعب الشيطان، بل الاحتلام منه جائز -صلى الله عليه وسلم-، وليس هو من تلاعب الشيطان، بل هو فيض زيادة المني يخرج في وقت.
والثاني: أنه يجوز أن يكون ذلك المني حصل بمقدمات جماع، فسقط منه شيء على الثوب، وأما المتلطخ بالرطوبة، فلم يكن على الثوب -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (3/ 198-199).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
المشروع إزالة أثر المني، وعدم تركه على الثوب، حتى على القول بطهارته. منحة العلام (ص: 100).
قوله في رواية: «فيُصَلِّي فيه» وفي رواية: «فيخرُجُ إلى الصلاةِ، وأَثرُ الغَسلِ في ثوْبهِ، بُقعُ الماءِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فيصلِّي فيه» الضمير المجرور يعود على الثوب الذي أصابه المني، ونُظِّف بالفرك. فتح المنعم (2/ 254).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«فيصلِّي فيه» وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، وأصرح منه رواية ابن خزيمة: «أنَّها كانت تحكه من ثوبه -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلِّي». فتح الباري (1/ 333).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم يصلي فيه» أي: ذلك الثوب، والظاهر: أنَّه كان بعلم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ خصوصًا إذا تكرر منها، مع التفاته -صلى الله عليه وسلم- إلى طهارة ثوبه، وفحصه عن حاله. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 70-71).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«ثم يصلي فيه، ولا يغسله» ففي هذه الروايات ردٌّ على مَن قال: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة. عون المعبود (2/ 23).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «وأثر الغسل» يحتمل معنيين:
أحدهما: أنْ يكون معناه: بلل الماء الذي غُسل به الثوب، والضمير راجع فيه إلى أثر الماء، فكأنه قال: وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه، يعني: لا بقع الجنابة.
ويحتمل أن يكون معناه: وأثر الغسل يعني: أثر الجنابة التي غسلت بالماء فيه بقع الماء التي غسلت به الجنابة، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة، لا إلى أثر الماء، وكلا الوجهين جائز، لكن قوله في الحديث الآخر: «أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا» يدل أنَّ تلك البقع كانت بُقَع المني وطُبَعِهِ، لا محالة؛ لأن العرب أبدًا ترد الضمير إلى أقرب مذكور، وضمير المني في الحديث الآخر أقرب من ضمير الغسل. شرح صحيح البخاري (1/344-345).
وقال الشيخ عبد الرحمن السحيم -رحمه الله-:
«وإنَّ بقع الماء في ثوبه» يعني: أثر الغسل في ثوب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يدلُّ على أمور:
الأول: عدم تكلّف النبي -صلى الله عليه وسلم- في الملبس.
الثاني: الصلاة في الثوب الذي نام فيه -عليه الصلاة والسلام-.
الثالث: زهده -عليه الصلاة والسلام- في هذه الدنيا. إتحاف الكرام (78/ 1).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
حديث عائشة أنَّها غسلت منيًا من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ليس بمخالف لحديث الفرك؛ لأنَّه وإنْ كان الفرك يجزئ، فقد يستحب للرجل أن لا يرى على ثوبه أثره، قال ابن عباس: «المني بمنزلة المخاط، فأمِطه عنك، ولو بإذخرة». سنن الترمذي (الجامع الكبير) (1/ 201).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
كانت عائشة -رضي الله عنها- تغسل المني من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان رطبًا؛ لأنَّ فيه استطابة للنفس، وتفركه إذا كان يابسًا، فيصلي -صلى الله عليه وسلم- فيه، فهكذا نقول ونختار: إنَّ الرطب منه يغسل؛ لطيب النفس، لا أنَّه نجس، وإنَّ اليابس منه يُكتفى منه بالفرك؛ اتباعًا للسُّنة. صحيح ابن حبان (4/ 221).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وفيه من الفقه: أنَّ أثر النجاسات بعد الغسل لا يضر، وأن تلك الآثار والطباع هي طبع النجاسة؛ وذلك باقٍ في الثوب...، وسائر النجاسات في ذلك حكمها حكم الجنابة، وأنها إذا غُسلت أعيانها، وبقيت آثارها لم يضر ذلك؛ ولذلك قال البخاري: باب إذا غسل الجنابة. أو غيرها لم يذهب أثرها، قياسًا لسائر النجاسات على الجنابة، ولا أعلم خلافًا لهذا، إلا ما يُروى عن ابن عمر أنه كان إذا وجد دمًا في ثوبه، فغسله، فبقي أثره، دعا بجَلَمين (الجلمان: المقراضان واحدهما جَلَم للذي يُجز به) فقطعه، وقد روي عن عائشة أنها صلت في ثوب كان فيه دم، فبقي أثره، وروي مثله عن علقمة، وهو مذهب مالك والشافعي وجماعة.
وفيه: خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه، وشبه ذلك. شرح صحيح البخاري (1/ 345).
وقال الشيخ عبد الرحمن السحيم -رحمه الله-:
(فيه): فضل أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن وأرضاهن-؛ إذ نقلن للأمة ما يحتاج إليه الرجال والنساء من أفعال وأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، والله تعالى أعلى وأعلم. إتحاف الكرام (78/ 2).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: أنَّ المرأة الصالحة المتحببة إلى زوجها لا تأنف، ولا تترفع عن مثل هذه الأعمال من إزالة الأوساخ والفضلات من ثوب، أو بدن زوجها؛ لما تعلمه من عظم قدر حقه عليها.
ومنها: أنه ينبغي نقل أحوال الشخص المقتدى به، وإن كان يستحيى من ذكره في العادة للناس؛ ليقتدوا به.
ومنها: أنَّ الخروج على الناس مع وجود آثار الأمور العادية من الأكل والشرب والجماع لا يعتبر إخلالًا بفضيلة خصلة الحياء -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (7/ 261-262).
ويُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم طهارة المني وطريقة تطهير الثياب من المذي والودي.