الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«مَن أُعطي حظَّه من الرِّفق فقد أُعطي حظَّه من الخير، ومن حُرم حَظَّه من الرِّفق فقد حُرم حظَّه من الخير»


رواه أحمد برقم: (27553)، والترمذي برقم: (2013) -واللفظ له-.
وزاد أحمد: «وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلق الحَسن»، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (25259)، من حديث عائشة –رضي الله عنها–: «مَن أُعطي حظَّه من الرِّفق، فقد أُعطي حظَّه من خير الدنيا والآخرة».
صحيح الجامع برقم: (6055)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2667)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (519).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الرِّفْق»:
‌الرفق ضد الخَرْق، رَفَقَ يرفق رِفْقًا، فهو رفيق بكذا وكذا. وفلان رفيق بفلان ورافق به: وهو اللطف وحُسن الصنيع إليه. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 784).
وقال الصاحب بن عباد -رحمه الله-:
والرفق: لينُ الجانب ولطافة الفعل. المحيط في اللغة (1/ 473).


شرح الحديث


قوله: «من أُعطي حظَّه من الرفق، فقد أُعطي حظه من الخير»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «من ‌أعطي ‌حظه من الرفق... إلخ» يعني: أنَّ نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق، وحرمانه منه على قدر حرمانه منه. لمعات التنقيح (8/ 325، 326).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من أعْطي ‌حظَّه» نصيبه «من الرفق» في أموره كلها «فقد أُعطي ‌حظَّه من الخير»؛ فإن الرفق خير كله، ولذا ورد أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه. التنوير (10/ 123).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
الرفق: ضد العُنف، وهو اللطف وأخذ الأمر بأحسن وجوهه وأقربها. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (3/ 176).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الرفق خير كله، ودليل على فضله؛ لأنه سبب كل خير، وجالب كل نفع، بضد الخوف والعنف، قال الله -تعالى-: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران: 159، وقد ذُكر في الحديث «أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، أي: يتأتى به من الأعراض ويسهل من المطالب به ما لا يتأتى بغيره، وقال في الحديث الآخر: «ما يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه»؛ لأن التهوُّر ليس من محاسن الأخلاق، وهو مِن مَذَامِّها. إكمال المعلم (8/ 64).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إن الله -تعالى- يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل، وفي الآخرة من الثواب الجزيل، ما لا يعطي على العنف الجائز، وبيان هذا بأن يكون أمر ما من الأمور سوَّغ الشرع أن يتوصل إليه بالرفق وبالعنف، فسلوك طريق الرفق أولى؛ لما يحصل عليه من الثناء على فاعله بحسن الخلق؛ ولما يترتب عليه من حسن الأعمال، وكمال منفعتها، ولهذا أشار -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه»، وضده الخرق والاستعجال، وهو مفسد للأعمال، وموجب لسوء الأحدوثة، وهو المعبَّر عنه بقوله: «ولا نُزِعَ من شيء إلا شانه» أي: عابه، وكان له شَيْنًا، وأما الخَرق والعنف فمُفَوِّتان مصالح الدنيا، وقد يفضيان إلى تفويت ثواب الآخرة، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: «‌من ‌يُحْرَم ‌الرفق يُحرم الخير» أي: يفضي ذلك به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة. المفهم (6/ 578).

قوله: «ومَن حُرِمَ حظَّه من الرفق، فقد حُرِمَ حظَّه من الخير»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ومَن حُرِمَ حظَّه من الرفق، فقد حُرِمَ حظَّه من الخير»؛ إذ به تُنال المطالب الدنيوية والأخروية، وبفوته يفُوتان. التيسير (2/ 402).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومن حُرِمَ حظَّه من الرفق، فقد حُرِمَ حظه من الخير» كله، فمن أعطاه الله الرفق فليحمد الله على ما أعطاه من الخير؛ إذ بالرفق ينال مطالب الدين والدنيا.التنوير (10/ 123).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وهذا لأن عموم الأشياء لا تتم إلا بالرفق، فإذا حُرمه الإنسان لم يكد غرضه يتم. كشف المشكل (1/ 434).
وقال السندي -رحمه الله-:
من جعله الله -تعالى- محرومًا من الرفق، ممنوعًا منه، فقد جعله محرومًا من الخير كله؛ إذ الخير لا يُكتسب إلا بالرفق والتأني وترك الاستعجال في الأمور.كفاية الحاجة (2/ 395).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«‌من ‌يُحرم ‌الرفق يُحرم الخير» يجوز أن يراد بالخير المطالب المرغوبة؛ فإن الرفق لما كان وسيلة إليها، فإذا حرم منه حرم منها، وأن يراد بالخير الرفق، والمآل واحد. لمعات التنقيح (8/ 322).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يُحرم قدرًا كبيرًا من الخير، وليس المراد من جميع الخير؛ ففي الأعمال الصالحة الأخرى خير كثير. فتح المنعم (10/ 74).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يُحرم الخير كله، أي: فيما تصرف فيه...وهذا شيء مُجرَّب ومشاهد، أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعُنف والشِّدة، فإنه يُحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرِّفق والحُلم والأناة وسِعة الصَّدر، حصل على خير كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًًا رفيقًا؛ حتى ينال الخير. شرح رياض الصالحين (3/ 592).

قوله في رواية أحمد: «وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلق الحَسن»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ليس ‌شيء ‌أثقل في الميزان من الخُلق الحسن»؛ لأن صاحبه في درجة الصائم القائم، بل فوق؛ لأن ذا الخلق الحسن لا يحمل غيره أثقاله، ويتحمل أثقال غيره وخُلقهم، فهو في الميزان أثقل. التيسير (2/ 323).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن»؛ لأن صاحبه ‌يتحمل ‌أذى ‌الناس، ويكف أذاه عن الناس، فبذلك ينال أعلى من درجة الصائم القائم. السراج المنير (4/ 165).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ليس شيء أثقل في الميزان» من الحسنات «من الخُلق الحسن» فإنه من أثقل الحسنات. التنوير (9/ 240).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
ولا شك أن ‌الخُلق ‌الحسن محمود شرعًا وعادة. المسالك (7/ 243).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
حُسن ‌الخلق من صفات الأنبياء والأولياء، وحسن الخلق اعتدالها بين طرفي مذمومها، ومخالفة الناس بالجميل منها، والبِشْر والتودد لهم، والإشفاق عليهم، والاحتمال والحلم والصبر في المكاره، وترك الاستطالة والكِبْرِ على الناس والمؤاخذة، واستعمال الغضب والسلاطة والغلظة، قال الله -تعالى-: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران: 159. إكمال المعلم (7/ 285).
وقال القاري -رحمه الله-:
مدار ‌الخُلق ‌الحسن على ترك الإساءة وإحسان القلب واللسان؛ إذ هما منبع الأخلاق، وأحدهما ترجمان الآخر، فإنَّ الإناء يترشح بما فيه. مرقاة المفاتيح (8/ 3128).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
وأول ‌الخُلق ‌الحسن أن تكفَّ عنهم أذاك من كل وجه، وتعفو عن مساوئهم وأذيتهم لك، ثم تعاملهم بالإحسان القولي والإحسان الفعلي، وأخص ما يكون بالخُلق الحسن سعة الحلم على الناس، والصبر عليهم، وعدم الضجر منهم، وبشاشة الوجه، ولطف الكلام والقول الجميل المؤنِس للجليس، المدخِل عليه السرور، المزيل لوحشته ومشقة حشمته، وقد يحسن المزح أحيانًا إذا كان فيه مصلحة، لكن لا ينبغي الإكثار منه، وإنما المزح في الكلام كالملح في الطعام، إن عُدم أو زاد على الحد فهو مذموم، ومن ‌الخُلق ‌الحسن أن تُعامل كل أحد بما يليق به، ويناسب حاله من صغير وكبير، وعاقل وأحمق، وعالم وجاهل، فمن اتقى الله، وحقق تقواه، وخالَقَ الناس على اختلاف طبقاتهم بالخلق الحسن، فقد حاز الخير كله؛ لأنه قام بحق الله وحقوق العباد؛ ولأنه كان من المحسنين في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله. بهجة قلوب الأبرار (ص:51).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
مكارم الأخلاق من الأمور التي حضَّ عليها الدين الإسلامي، ومن الأوصاف التي دعت الشريعة إلى التحلي بها، فمن أُوتي الخُلق الحسن فقد أوتي الخير كله، ولا تُذكر مكارم الأخلاق إلا واقترن بها اسم النبي -صلى الله عليه وسلم-، أحسن الناس خُلقًا، مَن أَدَّبَهُ الإله وربَّاه، وبكل خُلق حسن حَبَاه، مَن جالسه سَعِدَ بمجالسته، ومن رافقه نَعِمَ بمرافقته، ومَن صحبه ارتاح لصحبته. شرح سنن أبي داود (544/ 1).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- أيضًا:
إنَّ حُسن الخُلق من الخصال التي ترتقي بصاحبها إلى أعلى المراتب في الدنيا والآخرة، فمِن حُسن خُلقه كان له من المكانة مثل الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يرقد، وما من عَمَلٍ من أعمال الدنيا أثقل في الميزان من حسن الخلق، وقد تعهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لصاحب ‌الخُلق ‌الحسن ببيت في أعلى الجنة، كما أخبر أن أقرب الناس منه منزلة يوم القيامة وأحبهم إليه مَن حَسُن خلقه، ونهى عن سَيِّئ الأخلاق، كالترفع والتعالي على الآخرين، وكثرة المدح الذي يؤدي إلى فتنة الممدوح، ويولِّد في نفسه العُجب والغرور. شرح سنن أبي داود (546/ 1).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
الخُلق ‌الحسَن له شأن في الإسلام، وما وُضع في الميزان أثقل من حُسن الخلق، والوصية النبوية لمن جاء يستوصي من النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له: «لا تغضب» قال: أوصني، قال: «لا تغضب»؛ وذلكم لأن حُسن الخلق يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فتجد الإنسان الحَسن الخُلق محبوب عند الناس، مقبول بما يوجههم به، ويرشدهم إليه، بينما سَيِّئ الخلق ما يُقبل منه شيء، ولذا جاء الأمر بأن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وسَيِّئ الخلق ما يعرف الحكمة، ولا يعرف الحَسَن من القول، فعلى الإنسان إن كان مجبولًا على حسن الخلق من الحلم والأناة والرفق أن يحمد الله -جل وعلا- على هذا الخلق، وإن كان مجبولًا على ضده أن يتخلق، والعلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم. شرح المحرر (11/ 10).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:
حديث: «ما مِن شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخُلقِ...».


إبلاغ عن خطأ