«إذا أَتَيْتُمُ الغائطَ، فلا تَسْتَقْبِلُوا القبلةَ، ولا تَسْتَدْبِرُوهَا، ولكنْ شرِّقُوا أو غرِّبُوا» قال أبو أيُوبَ: «فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فوجدنا مراحِيض بُنيتْ قِبَلَ القبلةِ، فنَنْحرِفُ، ونستغفرُ اللَّه تعالى».
رواه البخاري برقم: (394)، ومسلم برقم: (264)، من حديث أبي أيوب الأنصاري -خالد بن زيد-رضي الله عنه-.
وزاد مسلم في روايته: «ببولٍ ولا غائطٍ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الغائطَ»:
الغائط: المطمئن الواسع من الأرض، والجمع غِيطَان وأَغْوَاط وغَوط، ثم أُطلق الغائط على الخارج المستقذَر من الإنسان؛ كراهة لتسميته باسمه الخاص؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسعوا فيه حتى اشتقُّوا منه وقالوا: تَغَوَّطَ الإنسان. المصباح المنير، للفيومي (2/ 457).
«الشَّأْمَ»:
أرض، سمِّيت به؛ لأنها من مَشْأَمة القِبلة. العين، للخليل (6/ 295).
وقال النووي -رحمه الله-:
الشام: إقليمنا المعروف...، هو بهمزة ساكنة، مثل رأس، ويجوز تخفيفه بحذفها، كما في رأس وشِبهه، وفيه لغة أخرى: شآم بالمد، حكاهما جماعة، والشين مفتوحة بلا خلاف. تهذيب الأسماء واللغات (3/ 171).
«مَراحِيضَ»:
مواضع قد بُنيت للغائط، واحدها مرحاض، أُخذ من الرَّحْض، وهو الغَسْل. تهذيب اللغة، للأزهري (4/ 120).
«قِبَلَ القِبلةِ»:
مُقابَلة وقُبالةٌ: ما كان مستقبل شيء. العين (5/ 167).
«فَنَنْحَرِفُ»:
أي: نميل في جلوسنا. كشف المشكل، لابن الجوزي (2/ 88).
شرح الحديث
قوله: «إذا أَتَيْتُمُ الغائطَ»:
قال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «إذا أتيتم الغائط» أي: في موضع قضاء الحاجة، والغائط في الأصل: المطمئن من الأرض، ثم صار يُطلَق على كل مكان أُعد لقضاء الحاجة، وعلى النَّجْوِ نفسه، أي: الخارج من الدُّبُر. تحفة الأحوذي (1/ 44).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الغائط» أي: الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة، وإنَّما فسرناه بالأرض؛ ليتناول حكم الخارج من السبيلين، ولا يختص بالدُّبُر. الكواكب الدراري (4/ 57).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الحديث يقتضي أنَّ اسم «الغائط» لا ينطلق على البول؛ لتفرقته بينهما، وقد تكلموا في أنَّ قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم مِن الغَائِطِ} النساء: 43، هل يتناول الريح مثلًا، أو البول أو لا؟ بناء على أنَّه يخصص لفظ «الغائط» لما كانت العادة أنْ يُقصد لأجله، وهو الخارج من الدبر، ولم يكونوا يقصدون الغائط للريح مثلًا، أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القُبل أو الدبر كيف كان. إحكام الأحكام (1/ 97).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال أهلُ اللغة: أصل الغائط المكان المطمئن كانوا ينتابونه للحاجة، فَكَنَّوْا به عن نفس الحدث؛ كراهية لاسمه، ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها، واستعمال الكنايات في كلامها، وصَون الألسن مما تُصان الأسماع والأبصار عنه.
قلتُ: وقد اجتمع الأمران في الحديث، فالمراد بالغائط في أوله المكان، وفي آخره الخارج. قوت المغتذي (1/ 43).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «الغائط» اللام فيه يجوز أنْ تكون للتعليل، أي: لأجل التغوط؛ ولأجل التبول، ويجوز أنْ تكون للوقت، أي: وقت التغوط، ووقت التبول، ويجوز أن يكون بمعنى "عند" كما في قولهم: كتبتُه لخَمسٍ خَلَوْنَ، أي: عند خمس خلون، وجَعَلَ منه ابنُ جنيّ قراءة الجحدري: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لِمَا جَاءَهُمْ} ق: 5، بكسر اللام، وتخفيف الميم. نخب الأفكار (13/ 189).
قوله: «فلا تَسْتَقْبِلُوا القبلةَ، ولا تَسْتَدْبِرُوهَا»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«لا» ناهيةٌ. كشف اللثام (1/ 187).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلا تستقبلوا القبلة» أي: جهة الكعبة؛ تعظيما لهًا «ولا تستدبروها»؛ تكريمًا لها. مرقاة المفاتيح (1/ 373).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها»؛ تعظيمًا لها عن استقبالها بالفروج، واستدبارها بها. التحبير (7/ 109).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها» للتحريم، على مذهب الشافعي -رضي الله عنه-، ومن يذهب مذهبه. الأزهار مخطوط لوح (92).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها»؛ احترامًا لها، وتعظيمًا، وهل هو من جهة خروج الخارج المستقذَر، أو من جهة كشف العورة؟ فيه خلاف، مبني على جواز الوطء مستقبل القبلة، مع كشف العورة، فمَن علَّل بالخارج أباح (الوطء) ومَن علَّل بالعورة مَنَعَ. إرشاد الساري (1/ 413).
قوله في رواية مسلم: «ببولٍ ولا غائطٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ببول ولا بغائط» أراد بالغائط هنا المعنى المجازي، وهو الخارج المعروف، وهو النَّجْوُ، والتقدير: عند إخراج غائط أو بول...، وقوله: «بغائط...» إلخ، الباء متعلقة بمحذوف حال من ضمير «تستقبلوا» أي: لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو بول. الكوكب الوهاج (5/ 324-325).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الظاهر من قوله: «ببول (أو غائط)» اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره: إكرام القِبلة عن المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابر: «إذا هَرَقنا الماء» وقيل: مثار النهي: كشف العورة، وعلى هذا فيطرد في كل حالةٍ تُكشف فيها العورة كالوطء مثلًا، وقد نقله ابن شاش المالكي قولًا في مذهبهم، وكأن قائله تمسَّك برواية في الموطأ: «لا تستقبلوا القبلة بفروجكم» ولكنها محمولة على المعنى الأول، أي: حال قضاء الحاجة؛ جمعًا بين الروايتين، والله أعلم. فتح الباري (1/ 246).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بغائطٍ ولا بولٍ» ظاهرهُ اختصاص النهي بخروج الخارج من القُبل أو الدُبر؛ لأن التقدير: لا تستقبلوا القبلة في حَال خروج الغائط والبول، فيكون مثار النهي: إكرام الكعبة عن المواجهة بالنجاسة، قلتُ: وفي معناه: استقبال القبلة في حَال الجلوس لإخراج دم الفصْد والحجامة ودم الحيض والنفاس، وحال التقيؤ والاستفراغ، وقيل: مثار النهي: عن كشف العورة، وعلى هذا فيطرد في كل حالة تنكشف فيها العَورة كالوطء مثلًا، وكشف العورة للختان والاستحداد والاغتسال مكشوف العَورة. شرح سنن أبي داود (1/ 332-333).
وقال النووي -رحمه الله-:
يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان هذا مذهبنا (الشافعية) ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود الظاهري، واختَلف فيه أصحاب مالك فجوزه ابن القاسم، وكرهه ابن حبيب، والصواب: الجواز، فإنَّ التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد فيه نهي، والله أعلم...، (و) إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز، والله أعلم. شرح مسلم (3/ 156).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قد اتفقت الرواية عن أحمد أنَّه لا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها للحاجة في الصحراء، وهل يجوز في البنيان؟ على روايتين، إحداهما يجوز، وبها قال مالك والشافعي، والثانية: لا يجوز كالصحراء، وهو قول أبي حنيفة، وقال داود: يجوز بكل حال...
وكان أبو أيوب لا يرى جواز استقبال القبلة في البنيان، كما لا يجوز في الصحاري. كشف المشكل (2/ 87-88).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لولا أنَّ حديث ابن عمر دلَّ على تخصيص ذلك بالأبنية؛ لقلنا بالتعميم، لكن العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وقد جاء عن جابر فيما رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وغيرهم تأييد ذلك، ولفظه عند أحمد: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا هَرَقنا الماء» قال: «ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة»، والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي؛ خلافًا لمن زعمه، بل هو محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله -صلى الله عليه وسلم- لمبالغته في التستر، ورؤية ابن عمر له كانت عن غير قصد...، فكذا رواية جابر، ودعوى خصوصية ذلك بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا دليل عليها؛ إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال، ودل حديث ابن عمر... على جواز استدبار القبلة في الأبنية، وحديث جابر على جواز استقبالها، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يُخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يقال: يلحق به الاستقبال قياسًا؛ لأنه لا يصح إلحاقه به؛ لكونه فوقه، وقد تمسك به قوم فقالوا بجواز الاستدبار دون الاستقبال، حُكي عن أبي حنيفة وأحمد.
وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا قال الجمهور، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق، وهو أعدل الأقوال؛ لإعماله جميع الأدلة، ويؤيده من جهة النظر ما تقدم عن ابن المنير: أنَّ الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عُرفًا، وبأن الأمكنة المعدَّة لذلك مأوى الشياطين، فليست صالحة لكونها قِبلة، بخلاف الصحراء فيهما، وقال قوم: بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشافعي، ورجَّحه من المالكية ابن العربي، ومن الظاهرية ابن حزم، وحُجتهم أنَّ النهي مقدَّم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر الذي أشرنا إليه، وقال قوم: بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود، واعتلوا بأنَّ الأحاديث تعارضت، فليرجع إلى أصل الإباحة، فهذه المذاهب الأربعة مشهورة عن العلماء، ولم يحكِ النووي في شرح المهذب غيرها، وفي المسألة ثلاثة مذاهب أخرى:
منها: جواز الاستدبار في البنيان فقط؛ تمسكًا بظاهر حديث ابن عمر، وهو قول أبي يوسف.
ومنها: التحريم مطلقًا، حتى في القبلة المنسوخة، وهي بيت المقدس، وهو محكي عن إبراهيم (النخعي) وابن سيرين؛ عملًا بحديث معقل الأسدي «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ نستقبل القبلتين ببول أو بغائط» رواه أبو داود وغيره وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه راويًا مجهول الحال، وعلى تقدير صحته، فالمراد بذلك أهل المدينة، ومَن على سَمْتِها؛ لأنَّ استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة، لا استقبال بيت المقدس، وقد ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، وفيه نظر؛ لما ذكرناه عن إبراهيم (النخعي) وابن سيرين، وقد قال به بعض الشافعية أيضًا حكاه ابن أبي الدم.
ومنها: أنَّ التحريم مختص بأهل المدينة، ومَن كان على سَمْتِها، فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا؛ لعموم قوله: «شرِّقوا أو غرِّبوا» قاله أبو عوانة صاحب المزني، وعكسه البخاري، فاستدل به على أنه ليس في المشرق ولا في المغرب قِبلة. فتح الباري (1/ 245-246).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قول الجمهور وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين: إنه يحرم الاستقبال في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث، وأنَّه لا يصار إلى النسخ إلَّا بالتصريح به، أو بمعرفة تاريخه، وأنَّ الجمع أولى من إلغاء بعض الأحاديث، واستدلوا بحديث ابن عمر... («ارتقيتُ فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي فرأيتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقضي حاجته مستدبر القبلة، مستقبل الشأم») وبأحاديث أُخر؛ ولما في المنع في البنيان من المشقة والتكلف؛ لترك القبلة بخلاف الصحراء. الإعلام (1/ 449-450).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
روي جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر؛ لحديث جابر؛ ولِمَا رَوت عائشة أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذُكر له أن قومًا يكرهون استقبال القِبلة بفروجهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوَ قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القِبلة» رواه أصحاب السنن (وضعفه الألباني) قال أبو عبد الله (أحمد بن حنبل): أحسن ما روي في الرخصة حديث عائشة؛ فإن كان مرسلًا؛ فإن مخرجه حسن، إنما سماه أبو عبد الله مرسلًا؛ لأن عراك بن مالك رواه عن عائشة، قال أحمد: ولم يَسمع منها، وروى مروان الأصفر، قال: «رأيتُ ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس» رواه أبو داود (وحسنه الألباني) وهذا تفسير لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العام، وفيه جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على الفضاء، وأحاديث الرخصة على البنيان، فيتعين المصير إليه. الشرح الكبير (1/ 205-206).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قد ذهب بعض من مَنع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا: إلى أن حديث ابن عمر لا يصلح تخصيص حديث أبي أيوب؛ لأنه فعل في خلوة، وهو محتمل للخصوص، وحديث أبي أيوب قولٌ قعدت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى.
والجواب عن ذلك: أن نقول: أما فعله -عليه الصلاة والسلام- فأقل مراتبه أن يحمل على الجواز؛ بدليل مطلق اقتداء الصحابة بفعله، وبدليل قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب: 21، وبدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة حين سألتها المرأة عن قُبلة الصائم: «ألا أخبرتها أني أفعل ذلك» وقالت عائشة: «فعلتُهُ أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاغتسلنا» يعني: التقاء الختانين، وقبل ذلك الصحابة، وعملوا عليه.
وأما كون هذا الفعل في خلوة فلا يصلح مانعًا من الاقتداء؛ لأن الحدث كله كذلك يفعل، ويمنع أن يفعل في الملأ، ومع ذلك فقد نُقل وتحدث به، سيما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة، وأما دعوى الخصوص فلو سمعها النبي -صلى الله عليه وسلم- لغضب على مُدّعِيها، وأنكر ذلك كما قد غضب على من ادعى تخصيصه بجواز القُبلَة، فإنه غضب عليه؛ وأنكر ذلك، وقال: «والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» وكيف يجوز تَوهُّم هذا؟ وقد تبين أن ذلك إنما شرع إكرامًا للقِبلة، وهو أعلم بحرمتها، وأحق بتعظيمها، وكيف يستهين بحرمة ما حرم الله؟ هذا ما لا يصدر توهمه إلا من جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول -صلى الله عليه وسلم-. المفهم (1/ 522-524).
وقال الصنعاني -رحمه الله- بعد أن ذكر خمسة أقوال:
فهذه خمسة أقوال، أقربها: الرابع (يحرم في الصحاري دون العمران)...، وقد سُئل -أي الشعبي- عن اختلاف الحديثين، حديث ابن عمر «أنه رآه يستدبر القبلة» وحديث أبي هريرة في النهي، فقال: صَدَقَا جميعًا؛ أما قول أبي هريرة فهو في الصحراء، فإن لله عبادًا ملائكة وجنًّا يصلُّون فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط، ولا يستدبرهم، وأما كُنُفكم فإنما هي بيوت بنيت لا قِبلة فيها، وهذا خاص بالكعبة، وقد أُلحق بها بيت المقدس؛ لحديث أبي داود: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن استقبال القبلتين بغائط أو بول» وهو حديث ضعيف لا يقوى على رفع الأصل، وأضعف منه القول بكراهة استقبال القمرين. سبل السلام (1/ 113-114).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحاري والأبنية وهو مذهب سفيان الثوري، وذهب عبد الله بن عمر إلى أن النهي عنه إنمّا جاء في الصحاري، فأما الأبنية فلا بأس باستقبال القبلة فيها، وكذلك قال الشعبي وإليه ذهب مالك والشافعي، وقد قيل: إنَّ المعنى هو أن الفضاء من الأرض موضع للصلاة ومتعبَّد للملائكة والإنس والجن، فالقاعد فيه مستقبلًا للقبلة، ومستدبرًا لها، مستهدف للأبصار، وهذا المعنى مأمون في الأبنية.
قلتُ: الذي ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولى؛ لأن في ذلك جمعًا بين الأخبار المختلفة، واستعمالها على وجوهها كلها، وفي قول أبي أيوب وسفيان تعطيل لبعض الأخبار، وإسقاط له. معالم السنن 288 (1/ 16).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
مذهب الشافعي -رضي الله عنه- ومالك وإسحاق (يحرم البول والغائط في الصحراء دون البنيان) حملًا على حالين، وجمعًا بين الأحاديث، وعملًا بها؛ ولدلالة حديث أبي أيوب وأبي هريرة على الصحراء دون البنيان، فإنه قال: «إذا أتيتم الغائط» و«إذا ذهب أحدكم إلى الغائط» والإتيان والذهاب إنَّما يُطلق في الصحراء، فأما في البنيان فإنَّما يُقال: إذا دخلتم الخلاء أو الأخلية، أو إذا دخل أحدكم الخلاء، والفرق من جهة المعنى: أنَّ الصحراء لا تخلو عن متعبِّدٍ مصلٍّ وغيره، مَلَك أو إنسي أو جني، فإذا قعد مُستقبلًا أو مستدبرًا، يقع نظر المصلي على عورته، فنهى عن ذلك، وفي الأبنية خالٍ منه، فإنَّ الحُشوش مُحْتَضَرَة؛ يحضرها الشياطين. الأزهار مخطوط لوح (92).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
تمسَّك الشافعيُّ بحديث ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: «ارتقيتُ فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيتُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقضي حاجته مستدبِرَ القبلة، مستقبل الشام».
وأُجيب عنه: بأنَّه يحتمل أنْ يكون ذلك قبل النهي، ويحتمل أنه قد انحرف عن سَمْتِ القبلة شيئًا يسيرًا، بحيث خفي على ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-؛ لأنه لم يتعمَّق في ذلك، ولم يكن المقام مقامه. لمعات التنقيح (2/ 61).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
النظر يقتضي التسوية بين الصحاري والأبنية؛ لأنا لم نجد للنهي وجهًا سوى احترام القِبلة، ومما يؤيد ذلك: كراهية مواجهة تلك الجهة الشريفة بالبزاق والنخامة، واستحباب صيانتها، عمّا يستخف بالحرمة، وهذا حكم لا يتغير بالبناء. الميسر (1/ 130).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اعلم أنَّ حمل حديث أبي أيوب على الصحاري مخالفٌ لما حمله عليه أبو أيوب من العموم؛ فإنه قال: «فأَتَيْنَا الشام، فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبل القِبلة، فننحرف عنها» فرأى النهي عامًّا. إحكام الأحكام (1/ 96).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيكون في هذا الحديث خطاب موجه لطائفة من الناس خاصًّا بها، وبمَن كان مثلها. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 303).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلفوا في علة هذا النهي من حيث المعنى، والظاهر: أنَّه لإظهار الاحترام والتعظيم للقِبلة؛ لأنه معنى مناسب ورد الحكم على وفْقِه، فيكون علة له، وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل: ما روي من حديث سلمة بن وهرام عن سراقة بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتى أحدكم البراز، فليكرم قِبلة الله -عز وجل-، ولا يستقبل القِبلة» (ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم: 2552) وهذا ظاهر قوي في التعليل بما ذكرناه، ومنهم مَن علَّل بأمرٍ آخر. إحكام الأحكام (1/ 96).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختُلف في تعليل المنع في الصحراء، فقيل: ذلك لحُرمة المصلين، وقيل: ذلك لحرمة القِبلة، لكن جاز في الحواضر للضرورة، والتعليل بحرمة القِبلة أَولى؛ لخمسة أوجه:
أحدها: أنَّ الوجه الأول قاله الشعبي، فلا يلزم الرجوع إليه.
الثاني: أنَّه إخبار عن مُغيَّب، فلا يثبت إلا عن الشارع.
الثالث: أنَّه لو كان لحرمة المصلِّين؛ لما جاز التغريب والتشريق أيضًا؛ لأن العورة لا تخفى معه أيضًا عن المصلين، وهذا يُعرَف باختيار المعاينة.
الرابع: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما علَّل بحرمة القِبلة، فروي أنَّه قال: «مَن جلس ليبول قُبالة القبلة، فذكر فانحرف عنها إجلالًا لها لم يقم من مجلسه حتى يُغفر له» أخرجه البزار.
الخامس: أنَّ ظاهر الأحاديث يقتضي أنَّ الحرمة إنَّما هي للقبلة؛ لقوله: «لا تستقبلوا القبلة» فذكرها بلفظها، فأضاف الاحترام لها. عارضة الأحوذي (1/24).
قوله: «ولكنْ شرِّقُوا أو غرِّبُوا»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» أي: استقبلوا المشرق أو المغرب، أو استدبروه...
والأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولكن شرقوا أو غربوا» للوجوب. الأزهار مخطوط لوح (92).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولكن شرقوا أو غربوا» قال العلماء: هذا خطاب لأهل المدينة، ومَن في معناهم، بحيث إذا شرَّق أو غرَّب لا يستقبل الكعبة، ولا يستدبرها. شرح مسلم (3/ 157-158).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أما ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المارِّ عليها من مشرقها إلى مغربها، فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث، ولا يصح لهم أنْ يشرقوا، ولا أنْ يغربوا؛ لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة، وإذا غربوا استقبلوا، وكذلك من كان موازيًا لمغرب مكة إنْ غرب استدبر القبلة، وإن شرق استقبلها، وإنَّما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال، فهذا هو تغريبه وتشريقه. شرح صحيح البخاري (2/ 54-55).
قوله: «قال أبو أيوبَ: «فقدِمْنَا الشَّأْمَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقدمنا» معاشر الصحابة «الشام» أي: غُزاةَ، ففتحناها. الكوكب الوهاج (5/ 325).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«قال أبو أيوبَ» -رضي الله عنه-: «فقدِمْنا الشامَ» بعد فتحِها، ومراده: ديرةَ الشام، لا خصوصَ دمشق، وسُميت الشام؛ لأنَّ قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها؛ أي: تياسروا، أو سُمِّي بسامِ بن نوح؛ فإنه بالشين بالسريانية، أو لأن أرضها شامات، بيضٌ وحمرٌ وسودٌ، وعلى هذا لا يهمز، وقد يذكَّر.
وحدودُها: ما بين الفرات والعريش شمالًا وقبلةً، وما بين دومة الجندل والبحر مشرقًا ومغربًا. كشف اللثام (1/ 189-190).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقيل (في سبب تسميتها أيضًا): لأنَّ باب الكعبة مستقبل مطلع الشمس، فمَن استقبله كان اليمن عن يمينه، والشام عن شماله، وهي الشُّومَى، فسميا بذلك. الإعلام (1/ 451).
وقال السهارنفوي -رحمه الله-:
«فقدِمنا الشام»... والظاهر أنَّ قدوم أبي أيوب -رضي الله عنه- الشام كان عند فتح الشام، وكانت المراحيض التي بُنيت فيها من بناء الكفار النصارى الذين يسكنون فيها قبل فتح المسلمين، فبنوها متوجهًا إلى جهة الكعبة، وبعيدٌ غاية البعد أنْ يكون بناؤها من المسلمين مستقبل الكعبة. بذل المجهود (1/ 197).
قوله: «فوَجدنا مَراحِيضَ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فوجدنا مراحيض» جمع مرحاض، وهو البيت المتخذ لقضاء الحاجة، ويقال له: الكَنِيف والخلاء والمرفق والحُش مثلثة الحاء؛ لأنهم كانوا (الصحابة) يقضون حاجاتهم في البساتين. فتح المنعم (2/ 186).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «فوجدنا مراحيض» فأما المراحيض فإنها جمع المرحاض، وهو المغتسَل، مأخوذ من قولك: رَحَضْتُ الشيء إذا غَسَلْتُه. أعلام الحديث (1/ 378).
وقال ابن رجب -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قلتُ: لما كانت بيوت التخلِّي بالشام يستعمل فيها الماء عادة سميت: مغتسَلًا، ولم يكن ذلك معتادًا في الحجاز، فإنهم كانوا يستنجون بالأحجار، فكانت المواضيع المعدَّة للتخلي بين البيوت تسمى عندهم: كُنُفًا، والكَنِيفُ: السترة، وكل ما يستر فهو كنيف، ويسمى الترس كنيفًا؛ لستره. فتح الباري (3/ 71).
قوله: «بُنيتْ قِبَلَ القبلةِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«بُنيت قِبَل القبلة» أي: يكون الجالس فيها متجهًا نحو القبلة. فتح المنعم (2/ 186).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «قد بُنيت» يعني: في الجاهلية، وبناؤها نحو الكعبة ليس قصدًا لها، ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك وهي بيت المقدس، وإنما هو مجرد جهل ومصادفة...، «قِبَل القبلة» فالألف واللام فيها للعهد، ولا يجوز أن تكون للجنس، وإنْ كان ورد النهي عن استقبال بيت المقدس في مسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه من حديث معقل بن أبي معقل الأسدي، وزعم ابن حزم أنه لا يصح؛ ولأن القبلة عند الإطلاق تصرف إلى الكعبة في شرعنا، لا على القبلة المنسوخة؛ ولأنَّ النهي في الكعبة عن الاستقبال والاستدبار؛ وذلك إنما ورد في الاستقبال فقط، على أن مذهبنا (الشافعية) أنه يكره الاستقبال والاستدبار، وفي بيت المقدس أيضًا، وأغرب ابن أبي الدم فحكى وجهًا: أنه يحرم، وهو قول ابن سيرين والحسن (البصري) والنخعي. الإعلام (1/ 451-452).
قوله: «فَنَنْحَرِفُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فننحرف» أي: عن جهة القِبلة من الانحراف، ويُروى: «فنتحرَّف» من التَّحرُّف. عمدة القاري (4/ 129).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فننحرف عنها» بالنونين، معناه: نحرص على اجتنابها بالْمَيل عنها بحسب قدرتنا. شرح مسلم (3/ 158).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: لِمَ كان الانحراف ومثله جائر في البنيان من غير انحراف؟
قلتُ: إما أنه لم يبلغه حديث ابن عمر، أو كانت تلك المراحيض في الصحراء. الكوثر الجاري (2/ 80).
قوله: «ونستغفرُ اللَّه تعالى»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«ونستغفرُ اللهَ -عز وجل-» من ذلك، أي: نطلب منه المغفرة؛ لاستقبالنا القبلةَ في حال البراز. كشف اللثام (1/ 190).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«ونستغفر الله» هذا بناء على مذهب أبي أيوب في أنَّ الحكم لا يختلف في الصحراء أو البناء، وأنَّ استقبال القبلة حرام فيهما. الكواكب الدراري (4/ 57).
وقال ابن العربي: -رحمه الله-:
قوله: «ونستغفر الله» يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: أنْ يستغفر الله من الاستقبال.
الثاني: أنْ يستغفر الله من ذنوبه، فالذنب يُذكِّر بالذنب.
الثالث: أنْ يستغفر الله لمن بناها؛ فإنَّ الاستغفار للمذنبين سُنة. عارضة الأحوذي (1/24).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد نستغفره بالذكر القلبي، لا اللساني؛ لأنه عند كشف العورة، وفي محل قضاء الحاجة؛ لأنَّ الانحراف يُشعر بأنه بعد كشف العورة، والقعود لقضاء الحاجة، والانحراف لا يخرجه عن تلك الهيئة. العدة حاشية العمدة (1/ 247).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: فإذا انحرف لمَ كان الاستغفار؟
قلتُ: إما أنه لا يتمكن من الانحراف كما هو حقه، أو استغفر لبانيها؛ فإنها بنيت وشريعة عيسى قائمة، أو إنكارًا على بانيها، وكثيرًا ما يرى الإنسان منكرًا فيقول: أستغفر الله، وإن لم يكن صادرًا منه. الكوثر الجاري (2/ 80).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «ونستغفر الله» قيل: يراد به ونستغفر الله لباني الكُنف على هذه الصورة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل: أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعًا، فلا يحتاج إلى الاستغفار.
والأقرب: أنَّه استغفار لنفسه؛ ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى البناء غلطًا أو سهوًا، فيتذكر فينحرف، ويستغفر الله.
فإنْ قلتَ: فالغالط والساهي لم يفعلا إثمًا، فلا حاجة به إلى الاستغفار. قلتُ: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا؛ بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداءً، والله أعلم. إحكام الأحكام (1/ 99).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ونستغفر الله» تعالى، يعني: كنا نجلس مستقبَل القبلة نسيانًا على وفق بناء المراحيض، ثم ننتبه على تلك الهيئة المكروهة، فننحرف عنها، ونستغفر الله تعالى عنها.
وتأويل الاستغفار لباني الكنف في غاية البعد (لأنَّه سبق أنْ ذَكَرَ أنَّ الغالب أنَّها من بناء الكفار). بذل المجهود (1/ 197).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: يمكن أنْ يكون بناؤها من بعض المسلمين الذين كان مذهبهم جواز استقبال القبلة واستدبارها في الكُنف والمراحيض، كما هو مذهب الجمهور، فليس فيه بُعْد غاية البعد، والله تعالى أعلم.
ثم القول: بأنَّ المراد: كُنا نجلس مستقبلي القبلة نسيانًا... إلخ، فيه أنَّ النسيان يكون مرة أو مرتين، ولفظ «كُنا ننحرف» كما في رواية (يدل) على الاستمرار والتكرار، فتفكَّر. تحفة الأحوذي (1/ 45).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أنَّ على مَن سمع الخطاب أنْ يستعمله على عمومه إذا لم يبلغه شيء يخصه؛ لأن أبا أيوب سمع النهي من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط مطلقًا غير مقيد بشرط، ففهم منه العموم، فكان ينحرف في مقاعد البيوت، ويستغفر الله أيضًا، ولم يبلغه الرخصة التي رواها ابن عمر وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في البيوت. التمهيد (1/ 304).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في الحديث: ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- من القيام بالبيان والإِيضاح لأمَّته.
(و) فيه أيضًا: ابتداء العالِم أصحابه بالعلم خصوصًا إذا علم أنْ بهم حاجة إلى العمل به.
(و) فيه أيضًا: أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع المخالفة للعلم والرجوع عنها، أو الاستغفار والتوبة منها إن كان تلبَّس بها ملتبس.
(و) فيه: الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير شنعة النطق بها.
(و) فيه أيضًا تعظيم جهة القبلة وتكريمها، والنهي عما يلزم منه عدم ذلك، كما في الاستدبار. الإعلام (1/ 457-458).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الخطاب بلفظ يعم الأمَّة ولفظ يخص بعض الأمة، أيهما الذي يعم الأمة؟ «لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها بغائط أو بول» هذا عام لجميع الأمة، «ولكن شرقوا أو غربوا» خاص بأهل المدينة، ومن كان مثلهم. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 303-305).